كيميائي أم متصوف أم ساحر؟... جابر بنّ حيّان ومنهجه التجريبي

الأحد 7 فبراير 202103:37 م

يقول بريفولت في كتابه "تكوين الإنسانيّة": "ليس لفرنسيس بيكون ولا لسميّه من قبله -يقصد روجر بيكون- أن يدّعيا اكتشاف المنهج التجريبي، إذ إنّ كلّ ما قدّماه في ذلك إنّما هو العلم المسروق من العرب، من أمثال ثابت بن قرة، وابن الهيثم، وابن سينا، وجابر بن حيّان."

يشير هذا القول صراحة إلى دور العلماء المسلمين في إرساء دعائم المنهج التجريبي الذي بفضله استطاع الإنسان اكتشاف الأسباب الكامنة وراء ظهور الظواهر الطبيعية، واستطاع بواسطته أن يعرف إلى أيّ مدى يؤثّر السبب في النتيجة. صحيح أنّ نتائج أبحاث جابر بن حيّان لم تكن دقيقة 100% لكنّها كانت مهمّة للغاية، خصوصاً في إطار عصره، الذي كانت تنتشر فيه الخرافات والأساطير، ويكون جابر بتطبيقه المنهجَ التجريبي قد شكّل قفزة من منهجية التفكير الفلسفي المجرّد عند الإغريق إلى إجراء تجارب علميّة دقيقة.

وكلّ ما توصل إليه جابر وعلماء آخرون إنّما هو مزيج من الخيمياء والكيمياء معاً، فالكيمياء مشتقة من الخيمياء التي ارتبطت بالخرافة والسحر والعلوم الباطنية، بينما أصبحت الكيمياء علماً مستقلاً في يومنا هذا، وكان هدف الخيمياء الأساسي تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، وهذا ما دفع البعض إلى إطلاق لقب "المتصوّف" على جابر بن حيّان، لأنّهم اعتقدوا أنّ أعماله لم تكن بعيدة عن السحر.

وصفه ابن خلدون في مقدّمته وهو يتحدّث عن علم الكيمياء: "إمام المدونين جابر بن حيان حتّى إنهم يخصّونها به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة كلّها شبيهة بالألغاز." وقال عنه أبو بكر الرازي في كتابه "سرّ الأسرار": "جابر من أعلام العرب العباقرة وأوّل رائد للكيمياء." قد نفهم من قول الرازي (من أعلام العرب) أنّ جابر عاش معظم حياته في الكوفة وكتب نتاجه باللغة العربية، ولا يقصد الأصل، فبحسب الرواية المشهورة فإنّ جابر فارسيّ.

وذكر ابن النديم في الفهرست مؤلّفاته ونبذة عنه. وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون: إنّ جابر بن حيّان هو من أوّل من علّم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء. وقال عنه عالم الكيمياء الفرنسيّ مارسيلان بيرتيلو في كتابه كيمياء القرون الوسطى: إنّ لجابر بن حيّان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق.

كان جابر بن حيّان عالماً من علماء المسلمين، تنقّل بين بلاد فارس والكوفة، وكثرت مؤلّفاته، وذاع صيته، ووصل إلى العالمية، على الرغم من محدودية البقاع الجغرافية التي سكنها في ذلك العصر، لكنّه شكّل نقلة نوعيّة في العلوم التطبيقية، وهذا ما جعل شهرته تحلّق في العالمين العربيّ والغربي، لكنّ معظم مؤلّفاته بقيت مخطوطة في مكتبات العالم تنتظر من يشفق عليها ويخرجها إلى النور، فضلاً عن ضياع الكثير منها. والجدير ذكره أنّ فلسفة جابر الكونية هي فلسفة عقلية تربط الأشياء بالروابط السببية الضرورية التي يكشف عنها التحليل العقلي.

نشأته

ثلاثة ألقاب أُطلقت عليه: "ملك العرب"، و"ملك العجم"، و"ملك الهند"، هو أوّل مَن يستحقّ لقب (الكيموي). هناك اختلاف كبير في اسمه، كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية، وذهب بعضهم إلى أنّ اسمه أبو عبد الله جابر بن حيّان، وذهب آخرون إلى أنّ اسمه أبو موسى جابر بن حيّان، فارسيّ، وُلد في طوس من بلاد خراسان، وهي مسقط رأس الفردوسي، الشاعر الفارسي المشهور. وسمّي (جابراً) لأنّه هو الذي جبر العلم، أي أعاد تنظيمه.

وهناك روايات متضاربة حول نشأته وأصله، فمنهم من ينسبه إلى طرسوس، أو حرّان، وفي رواية رابعة يرويها "ليو الإفريقي" يقول: كبيرهم هو جابر الذي هو يوناني، اعتنق الإسلام، وكانت حياته بعد زمن نبيّ الإسلام بقرن من الزمان. أمّا صفة الكوفي التي رافقت اسم جابر فمرجعها إلى إقامته الطويلة في الكوفة، ولا تدلّ على مكان مولده، وهذا ما ذهب إليه القفطي في كتابه أخبار العلماء وأخبار الحكماء، كما أنّ جابر توفّي في الكوفة عام 815 الميلادي، عن عمر ناهز خمسة وتسعين عاماً.

كان هدف الخيمياء الأساسي تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، وهذا ما دفع البعض إلى إطلاق لقب "المتصوّف" على جابر بن حيّان، لأنّهم اعتقدوا أنّ أعماله سِحر

تتلمذ جابر على يد خالد بن يزيد بن معاوية، والإمام جعفر الصادق. وكان خالد بن يزيد أوّل من تكلّم في علم الكيمياء، إلّا أنّ شهرة تلميذه جابر سبقته بأشواط طويلة. يقول "كارا دي فو": "ومعلّماه هما خالد بن يزيد بن معاوية وجعفر الصادق".

مؤلّفاته الموسوعيّة

هناك جدل واسع حول عدد مؤلّفات جابر الكثيرة، فمنهم من يراها بالمئات، وربّما بالآلاف، على الرغم من عدم وصولها إلينا. ومن أبرز مؤلّفاته: كتاب الخالص، وكتاب البدوح، وكتاب الدرّة المكنونة، وكتاب التركيب، وكتاب الأسرار، وكتاب السموم ودفع مضارّها، وكتاب الرسائل السبعين، وكتاب المجرّدات، وكتاب صندوق الحكمة، وكتاب علم الهيئة، وكتاب أصول الكيمياء، وكتاب الموازين، وكتاب الشعر، وكتاب خواص إكسير الذهب، بالإضافة إلى مئات الرسائل الموزّعة على مكتبات العالم، خصوصاً في القارّة الأوروبيّة.

نلاحظ أنّ مؤلفاته لم تقتصر على جانب واحد فقط، بل شملت الكيمياء، والطبّ والفلسفة، والتنجيم، والرياضيات، والموسيقى، والتصوّف.

منهجه

يقول جابر في كتابه إخراج ما في القوة إلى العقل: "إنّ أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين، فإمّا أن يكون ذلك لشدّة خفائها وعسر الكشف عنها، وإمّا أن يكون للطافة تلك الأسرار بحيث يتعذّر الإمساك بها، وسواء كان الأمر هو هذا أو ذلك، كان في وسع الباحث العلمي أن يلتمس طريقاً إلى تحقيق بغيته، فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقّته ممّا يجوز أن تحول العلماء دون السّير في شوط البحث عن غايته."

كان جابر على اعتقاد أنّ العلم كامن في الإنسان، ولا يحتاج إلّا إلى من يحرّكه بالأسئلة التوجيهية، فيخرج العلم من حالة الإضمار إلى حالة الظهور، لكنّ المفارقة العجيبة تكمن في نظرة جابر إلى العلم، حين اعتبر أنّ مصدر العلم إلهي، وهذا ما يتنافى مع منهجه التجريبي. يقول جابر: فوالله مالي في هذه الكتب إلّا تأليفها، والباقي علم النبي صلّى الله عليه وسلّم.

نلاحظ من قوله السابق أن الوحي هو مصدر التلقّي الأساسي أو الأوّل، ينزل على النبي، ثمّ يتوارثه الخلفاء من بعده، ثم يكسبه الآخرون. فليس العلم عقلاً لكنّه نقل، هذا ما فهمه زكي نجيب محمود، وعلى هذا الضوء نفهم اسم "الكيميا" لفظ معرّب من اللفظ العبراني (كيم يه)، ومعناه أنّه من الله، كما جاء في كتاب "كشف الظنون".

اشترط جابر شرطاً للقراءة الدارسة الفاحصة هو أيضاً في صميم المنهج العلمي السليم، إذ يشترط على الدارس أن يجمع كتبه كلّها، ولا يتناولها أو يحكم عليها مجزّأة.

منهجه في التجريب

يرى زكي نجيب محمود في كتابه "جابر بن حيان" أنّ العلم نوعان عند جابر، نوع تلقيني خاصّ يتصل بالأحكام الشرعية وما إليها، ونوع كشفي علمي تجريبي خاصّ بالعلم الطبيعي، من المرجّح أن يكون هذا صحيحًا لأنّ جابر صنّف العلوم في قسمين رئيسيّين، هما علوم الدين، وعلوم الدنيا.

قصر جابر نفسه على مشاهداته التي تجيء التجربة مؤيّدة لها. يقول في كتابه الخواص: يجب أن تعلم أننا نذكر خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه، بعد أن امتحناه وجرّبناه، فما صحّ أوردناه، وما بطل رفضناه.

ويطلق جابر اسم (التدريب) على ما نسمّيه اليوم (تجربة) ويجعلها شرطا أساسيّا للعالم الحقّ، فالتجربة عنده تقوم على الاستقراء والاستنباط، ينطلق من الفرض من خلال مشاهداته، ويستنبط من الفرض النتائج النظرية، ويعود بتلك النتائج إلى الطبيعة، ويرى مدى مطابقتها أرض الواقع، وهنا يتحوّل الفرض إلى قانون علمي أو العكس.

يعتقد جابر أن الوحي هو مصدر التلقّي الأساسي أو الأوّل، ينزل على النبي، ثمّ يتوارثه الخلفاء من بعده، ثم يكسبه الآخرون

كان التفكير الاستنباطي الصرف هو المنهج الوحيد الذي يعتدّ به في العصور القديمة والوسيطة لأن التفكير عندئذ كان قائماً على أسس يفرضها العقل لنفسه فرضاً، أو على أسس يوحي بها إلى الإنسان إيحاءً، وما عليه في كلتا الحالتين سوى أن يستنبط النتائج من تلك الفروض المسلّم بصدقها، حتّى جاءت النهضة الأوروبية وجاء معها العلم الطبيعي فعندئذ أحسّ رجال المنهج الفكري بضرورة إضافة منطق جديد، يضاف إلى المنطق الأرسطي الاستنباطي الذي كان قد رسم ليسدّ حاجة التفكير في عصره والعصر الذي تلاه.

أحسّ رجال المنهج الفكري إبان النهضة الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بالحاجة الملحّة إلى منهج استقرائي جديد يصلح لمعالجة الظواهر الطبيعية على أساس المشاهدة وإجراء التجارب.

لا شك أنّ جابر بن حيان رسم لنفسه منهجاً في القرن الثامن وبداية القرن التاسع الميلادي، وهو منهج لو كتب بلغة عصرنا لبدا وكأنّه كتب في العصر الحديث، لأن منهجه اعتمد على الاستنباط والاستقراء معاً، يقول: "قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتّى صحّ، وامتحنته فما كذب".

أمّا عن الجانب الاستقرائي من المنهج العلمي وهو جانب يكاد ينسب إلى مناطقة أوروبا كما يقول زكي نجيب محمود، ابتداءً من النهضة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فقد سبق ابن حيان إلى الكتابة بما يكفي وحده أن يضع هذا العالم بين أئمة المنهج العلمي، فضلاً عن قضاياه العلمية الخاصة التي اشتهر بها.

لكن المشاهدة الاستقرائية قد لا تكون كافية، فلا بدّ من اللجوء إلى طريقة أخرى، وهي عند جابر المبادئ العقلية التي تدرك بالعيان العقلي المباشر، ثمّ تترتّب عليها النتائج المستنبطة منها.

وهناك مبدأ تربوي أخلاقي يضيفه جابر إلى مبادئه البحثية وهو التكتم والتخفي، فواجب العلماء في رأيه أن يكتموا علمهم، فلا يجوز كشفه إلا في ظروف مناسبة ولأشخاص يطيقونه ويستطيعون حمله، كما جاء في كتابه إخراج ما في القوة إلى الفعل، حيث يقول: ولولا أنّي أمِرت أن أعطي الناس بقدر استحقاقهم لكشفت من نور الحكمة ما يكون معه الشفاء الأقصى، ولكنّي أمِرت بذلك لما فيه من الحكمة، لأنّ العلم -يا أخي- لا يحمله الإنسان إلّا على قدر طاقته، وإلّا أحرقه، كما لا يقدر الإناء والحيوان أن يحمل إلّا بقدر طاقته وملئه، وإلّا فاض، ورجع بالذلّ والعجز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard