أيمكن أن تستبدل اسمك بـ "سمكة"؟

السبت 9 يناير 202112:48 م

يخبرنا المترجم البريطاني دينيس جونسون دايفس، في كتابه "مذكرات في الترجمة، الحياة بين سطور الأدب العربي، 2006"، عدة حكايات تتناول الكاتب المصري نجيب محفوظ، إذ نقرأ كيف أن دايفس، وأثناء ترجمته لرواية "رحلة ابن فطومة" لمحفوظ، لاحظ أن اسم بطل الرواية تغيّر في المنتصف، فوجئ دايفس بذلك، واتصل بمحفوظ وسأله: " أي اسم عليّ أن أختار للبطل؟"، فأجاب محفوظ ضاحكاً: "اختر الاسم الذي يعجبك"، يعلّق دايفس على هذه الحادثة بوصفها علامة على حاجة الكتاب العرب إلى محررين.

لكن، هناك سخرية في جواب محفوظ، ماذا يعني: اختر ما تريده، اسم بطل الرواية "قنديل" وهو ابن فطومة، في تشابه واضح مع "ابن بطوطة"، لكن، رد محفوظ غير منطقي، خصوصاً أن الاسم أمير الدوال، وكاتب كمحفوظ لابد في متخيلنا أن يكون حريصاً على أسماء شخصياته، لا نعلم هنا إن سها محفوظ أو تقصّد السخرية من دايفس ذاك، الأهم، ما هو الاسم "الخاطئ" الذي تنبّه له دايفس وصحّحه؟

ربما يتهكم محفوظ من القارئ الأجنبي نفسه، ذاك الذي لا يرى فيه سوى "اسماً" عربياً، عليه أن يتوافق مع ذائقته، نقترح هذا التفسير، لأن دايفس نفسه يشير إلى أن محفوظ لم يمانع من أن يضيف كلمتين إلى قصته "نصف يوم" أثناء ترجمتها، ويشير دايفس لاحقاً، إلى أن بعض الأكاديميين كانوا يواجهون إشكاليّة في اسم محفوظ نفسه بالإنكليزية، فمحفوظ كان يكتبه بشكل محدّد Naguib Mahfouz، وهم فضّلوا كتابته بشكل آخر Najib Mahfuz، وكأن هناك مؤلفين اثنين، مصري وبريطاني. نحن هنا أمام تحدّ لسلطة محفوظ نفسه على اسمه الذي لم يعجب بعض المستشرقين، لعدم توافق طريقة محفوظ مع قواعد تعريب الأسماء العربية.

تِلكُم الأسماء لا تنسوها

الاسم ضمن العمل الأدبي ذو طاقة دلالية. أشهر الحكايات باسم أشخاص "أوديب، هاملت، دون كيخوتة..."، أفراد لأسمائهم تواريخ تمتد بين الكتب وعوالمها، لا تختلف بين اللغات، الوحيد من نتفادى اسمه هو ماكبث، لما يحمله من لعنات، إذ نقول: "المسرحية الإسكتلندية" ولا ننطق اسمها، لكن بمجرد بدأ المسرحية، يمكن للشخصيات أن تقول ماكبث، كون هلاكها محتوماً في النهاية.

هذه القدرة التي تمتلكها الأسماء تهدّد تماسكنا نحن القرّاء إن اختفت

هذه القدرة التي تمتلكها الأسماء تهدّد تماسكنا نحن القرّاء إن اختفت، فأولئك الذين يمكن أن نتشابه معهم، بلا أسماء أو مشكوك بأسمائهم، السيد ك، البطل الكافكاوي، الرجل الخفي لرالف أليسون، الراوي في موبي ديك يسخر منا منذ أول سطر في الرواية، قائلاً: " نادني إسماعيل"، وكأنه يفترض أمام القارئ اسماً ما، قد لا يكون اسمه حقيقة.

المشترك أن أبطال الروايات والحكايات بلا أوجه، وإن اختلفت أساليب تسميتهم، فهم يمتلكون إما أسماء أعلام أو علامات على الأدوار كما في المسرح، "حرس، جنود، خدم..."، هم أشخاص هامشيّون بلا أسماء، لكن ما إن تظهر الأسماء حتى ندرك سطوة الأحداث أو الحدث الذي يهيمن على الحكاية، ذاك القادر على تغيير كل شخص بعينه، فلا هوامش أمام أحداث استثنائية، لكل واحد حكاية واسم، والأهم، يظهر الوجه في مخيلتنا بسبب إلفته أو غرابته.

وهذا ما نتلمّسه في رواية "الذين مسّهم السحر، 2016"، للسورية روزا ياسين حسن، هناك علامات شكلية حول الأسماء للتأكيد عليها، فاسم كل شخصيّة يظهر بين علامتي تنصيص، هو واضح ومميز في كل صفحة، وكأن كل اسم حسب دلالة علامات التنصيص مقتبس من مكان ما، ربما من الواقع.

كل اسم في الرواية يفترض وجهاً لا نعرفه، لكن نستطيع تخيله، وكأن روزا تستعير الاسم وتترك للحكاية تدفقها، وهنا تظهر المفارقة المثيرة للاهتمام، في الترجمة الإنكليزية لفصل من الرواية أنجزه وليم .م هوتشيز، لا توجد علامات تنصيص حول أسماء الأعلام، لتظهر في النص كأنها جزء من الحكاية فقط، لا مرجعية لها ولا قيمة اقتباسيّة تحيط بها، بعكس النص العربي، حيث تبدو كأنها تعود لأشخاص لا نعرفهم، وحيواتهم تستمر خارج الرواية، أشخاص ذوي أوجه من الممكن أن نتخيلها، في حين أن هذه الحيوات ضمن النص الإنكليزي تتحرك بين دفتي الكتاب فقط.

هذه الفردانية للأسماء، أو اقتباسيتها، تجعلها حيّة، لا تتشابه مع غيرها، وتفعّل لدينا نحن القرّاء الرغبة بالحكاية، إذ لا يمكن الإحاطة بكل ما يختزنه الاسم، كأي شخص نعرفه، لا يمكن أن نعرف كل شيء عنه، ذات الأمر معنا نحن، لنا حكايتنا الفريدة المرتبطة بأسمائنا، والتي لا يمكن أن تتشابه في تفاصيلها مع أي شخص آخر.

الأهم في حالة "الذين مسّهم السحر" هو عدم إمكانية تبديل اسم الشخصية أو تغييره، فهو "مقتبس" بالأصل، والسحر الذي يتحرك في الرواية غيّر المصائر والأوجه، لكن لم يغير الأسماء ولم ينفِ بعضها على حساب الحدث الجلل، ألا وهو الثورة في سوريا.

نحن أمام تحدّ لسلطة نجيب محفوظ نفسه على اسمه الذي لم يعجب بعض المستشرقين، لعدم توافق طريقة محفوظ مع قواعد تعريب  بعض الأسماء العربية

كأن الأسماء في الرواية مازالت ملك أصحابها، لا فقط في مخيلة المؤلفة، بل في الواقع أيضاً إن كانت فعلاً مقتبسة. هي لم تولد في الرواية، بل خارجها، تمر داخل الحكاية وتتابع حياتها، وهنا تأتي الرواية كإشباع للرغبة بمعرفة حكاية فلان بعينه، هو ذاته، لا من يشبهه.

رحلة الأسماء في المرايا

تتغير الأسماء حين تعبر الحكايات، محمد أصبح موهميت في أوروبا، ولكل منهما معجزاته، خالد بن سنان قتله اسمه حين نُطق علناً وهو يواجه الفينيق، فالاسم يتبدّل حين يواجه قرينه أو شبيهه، بعكس الوجه الذي قد يلتبس.

المرآة، بكل طاقاتها السحريّة تخدع الوجه وتأسره حين يحدّق بانعكاسه، كحالة نرسيس، الذي حسب لويس نافيل في كتابه "معضلة نرسيس"، اضطر إلى الثبات كلياً أمام البركة وعدم التحرك حفاظاً على انعكاس وجهه صافياً، ربما حبس نفسه حد الموت، فزفرة صغيرة تنبعث منه قد تشوّش سطح المياه وتهدد كمال وجهه.

أيخاف الله على فرادته فأخفى اسمه كيلا ننطقه، أو كيلا نضعه بمواجهة مرآة ونفتت معانيه، لينتهي الأمر بسمكة تحدّق بنا؟

لكن، خداع المرآة في العلاقة مع الوجه لا ينجح مع الاسم، الذي إذا وضعناه مقابل المرآة، يختلف، ويصبح انعكاسه غير مقروء، بل إنه يفقد قيمته التواصلية ويتحول إلى خربشة، فالاسم يكشف وهم المرايا، ويحافظ على فرادته، لا فقط في الحكاية، بل كشكل ورسم.

هذه الخدعة السرية نقرأ عنها في رواية "اسم الوردة" لأومبيرتو إيكو، فلولوج الحجرة الأخيرة في المكتبة التي تحوي كتاب الكوميديا، لا بد من قراءة انعكاس اسم ما من مرآة مقابلة له، وكأن الحقيقة مخبّأة في قرينها غير المفهوم، ذاك الذي يفعّله الاسم وصورته المعكوسة، بصورة أدق، شكله المقروء.

الاسم مهدد بفقدان معناه ضمن آلية عقلية تدعى "الإشباع الدلالي"، حدق باسمك لعدة دقائق، أنظر شكله وتكوينه، وفجأة تراه انفصل عنك، لم يعد ذا معنى، تتلاشى مكونات الاسم ويفقد وحدته حين إمعان النظر به، والتكرار هنا، وإن وصل حد اللانهاية كما في حالة الـ "mise en abyme"، يكشف حقيقة ساخرة، إذ يقترح بورخيس أنه في أقصى وأبعد مسافة في انعكاس المرآة يظهر البدلاء والأشباه، ثم جيوش الأعداء القادمين لإبادتك، وفي النهاية، هناك سمكة.

حرص الله على اسمه

تقترح أدبيات الإسلام عذاباً مخصصاً للمصورين، هو أقرب للسخرية التي يمارسها الله، إذ يَرِد في الحديث أن التصوير حرام، لأن الله يوم القيامة، يجمع المصورين ويتحداهم أن ينفخوا في اللوحات الروح، يعجز المصورون عن ذلك طبعاً، ويُرمى بهم في النار.

تقترح أدبيات الإسلام عذاباً مخصصاً للمصورين، إذ يَرِد في الحديث أن التصوير حرام، لأن الله يوم القيامة، يجمع المصورين ويتحداهم أن ينفخوا في اللوحات الروح، يعجز المصورون عن ذلك طبعاً، ويُرمى بهم في النار

الجانب الأول المثير للاهتمام في الحكاية هو التحدي الإلهي، وجعل المصورين على ذات المرتبة من الله في ادّعاء القدرة على الخلق. المقارنة ذاتها ساخرة، وتنتهي بكشف الله عن عجز المصورين على نفخ الروح.

الجانب الثاني هو يقين الله بأنه الوحيد القادر على النفخ في الصورة لتصبح حيّة، لذا لم يُخبّئ صورة، حتى وجهه. يوم القيامة يمكن رؤيته، بل سبق لمحمد بن عبد الله أن اقترب من رؤيته، فـ "ما زاغ البصر وما طغى"، لكن المثير للاهتمام هو أن اسم الله الأوحد، الخفيّ، لم يُنطق أبداً، حتى الله نفسه لم ينطقه، ولم يعلمه لآدم الذي كان على مسافة قريبة من الله، بل وتحدث معه، وحين نتتبع هذا الاسم في الحكايات والأساطير نقرأ عن فناء من نطقه.

لكن، لمَ إخفاء هذا الاسم إن كان مصير ناطقه الموت؟ الأهم، هل ينجح الإنسان في التحدي إن نطق اسم الله يوم القيامة؟ قد يعجز عن نفخ الروح، لكنه قد لا يعجز عن نطق هذا الاسم، بل قد يكرره ويردده، أيخاف الله على فرادته فأخفى اسمه كيلا ننطقه، أو كيلا نضعه بمواجهة مرآة ونفتت معانيه، لينتهي الأمر بسمكة تحدّق بنا؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard