عن التنين ونهاية العالم

الأربعاء 6 يناير 202101:03 م

كانت بغداد العباسية، لقرون طويلة، تبدو وكأنها حاضرة الدنيا ومركز العالم الإسلامي نظرياً، لدى سكان المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية، إلى أن أقبل العام 1258، وجاءت معه جيوش المغول التي غيّرت خارطة العالم السياسية وأطاحت بالخلافة العباسية بين عشية وضحاها، معلنة زوال النظام السياسي القائم منذ قرون، والمستمد لشرعيته من الفقه الإسلامي، بوصفه تقديراً إلهياً محتوماً.

 أما بغداد فلن تكون عاصمة الأمصار الإسلامية بعد هذا التاريخ، إنما مدينة ثانوية في العالم المغولي الممتد من الصين إلى سهوب الأناضول.

لا شك بأن الغزو المغولي كان عنيفاً، وخلق صدمة في الأوساط الإسلامية، حيث يوصف في الكثير من المرويّات على أنه حدث "أبوكاليبسي"، ينبئ بفناء العالم وقيام الساعة، بل إن البعض ربط بين المغول وأقوام يأجوج ومأجوج المُشار إليهم في القرآن، والذين يكون ظهورهم وانتشارهم في الأرض أول علامات اقتراب القيامة؛ كما نقرأ في سورة "الأنبياء": "حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِين". 

هذا الحدث كغيره من الأحداث الكبرى التي غيّرت وجه العالم، حمل في طياته متناقضات الفساد والإصلاح، لذا سيكون من الإجحاف غضّ الطرف عن فضل الإمبراطورية المغولية في إحداث ديناميكية ثقافية في الواقع الجيوسياسي الجديد، فقد كان المغول قد تبنوا نهجاً تألُّفِياً يوفّق بين المعتقدات والأديان والفلسفات الدائرة في فلكهم، وذلك أدى إلى خلق بيئة ملائمة للتبادل الثقافي، بقصد أو بغير قصد، وظهور أمزجة وأنماط فنية وأدبية جديدة.

وسط هذا التغيير غير المسبوق، كانت النخب العلمية والفنية تتحرك على نطاق واسع، مختبرة أفكاراً ومفاهيم لم تعرفها قط، سينظر لاحقاً إلى هذه الحقبة على أنها المرحلة المؤسسة للإرث الثقافي لإمبراطورية مغول الهند، والإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية.

عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات

خلال العقود اللاحقة للغزو المغولي لمشرق العالم الإسلامي في العراق وإيران ووسط آسيا، أصبحت المخطوطات العلمية المصوّرة شائعة التداول في الأوساط الثقافية الجديدة. عنيت هذه المخطوطات بموضوعات شتّى، وضمّت عدداً كبيراً من الرسوم المصوّرة، ولعل أشهر تلك المخطوطات على الإطلاق كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"، والمعروف أيضاً باسم "موسوعة القزويني" أو "كوزمولوجيا القزويني".

عاش هذا الكتاب العديد من الحيوات، بعد أن خرج إلى النور أول مرة في العام 1280 في مدينة واسط في العراق، وألهم كُثراً لوضع مؤلفات مشابهة، ليصبح النموذج البدئي لأعمال لاحقة تتناول علم الكونيات باللغات العربية، الفارسية، التركية العثمانية وغيرها، منذ القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر، مؤسساً لما سيُعرف لاحقاً بأدب العجائب.

يطلق هذا المصطلح "أدب العجائب" على هيكل ضخم من المخطوطات المنتجة في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، تعنى بموضوعات تندرج غالباً في إطار العلوم الطبيعية وعلم الأحياء، يحوي هذا النوع على سلسلة كبيرة من الرسوم التمثيلية التي تصوّر عجائب العالمين السماوي والأرضي، من الملائكة والبروج الفلكية والمخلوقات الخرافية، إلى عجائب أقل غرابة، مثل النحل والنمل والجِمال. 

يطلق مصطلح "أدب العجائب" على هيكل ضخم من المخطوطات المنتجة في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، تعنى بموضوعات تندرج غالباً في إطار العلوم الطبيعية وعلم الأحياء، يحوي هذا النوع على سلسلة كبيرة من الرسوم التمثيلية التي تصوّر عجائب العالمين السماوي والأرضي

يوضّح مؤلف كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" أن الغرض من هذا العمل هو أن يعجب القارئ من خلق الله، فالعجب هو ما يقود الإنسان إلى التساؤل ومن ثم المعرفة. فيعرّف العجب على أنه الذهول الذي ينتاب المرء عند عدم معرفته لشيء ما أو عدم قدرته على فهمه.

هذا الارتباط بين العجب والخليقة يبدو وثيقاً جداً في نصوص التراث المختصة بالعلوم، وتحديداً العلوم الطبيعية، وحتى في المؤلفات الأدبية والفلسفية. فعلى سبيل المثال، يوضح العمل الأدبي الفلسفي لابن طفيل، المعروف "بحي بن يقظان" (حوالي 1175) كيف تم فهم هذا الارتباط بين العجب والخلق في النصوص المنتمية للمجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى، حيث تحكي القصة عن حي بن يقظان، الصبي الذي نشأ بمعزل عن الحضارة، على جزيرة بمفرده، يتعلّم مما حوله، يتأمّل الخلق ويصبح قادراً من خلال عملية التساؤل على فهم الوجود باعتباره انبثاقاً عن السبب الأول أو الله.

تتوافق هذه الفكرة مع مفهوم العجب الواسع الانتشار في الشرق، ففي محاورة ثيايتيتوس، يحدثنا أفلاطون على لسان سقراط بأن الدهشة هي أصل الفلسفة، أي أنه من رحم الدهشة "العجب" يولد التساؤل الفلسفي، يردّد أرسطو هذه الفكرة في الميتافيزيقا، فيقول في هذا المعنى إنه من خلال الدهشة بدأ الناس، الآن وفي أول الأمر، يتفلسفون.

كان مؤلف النسخة الأقدم من كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" أبو يحيى زكريا بن محمد القزويني، أحد المشتغلين بالعلوم، ممن عاصروا الحكم المغولي. كان أستاذاً في الفقه الإسلامي وضليعاً في الفلسفة وفق منهج ابن سينا. نعرف أنه أفلت من قبضة الموت مرتين، فقد فرّ من مذبحة المغول في المدينة التي ينتسب إليها، قزوين، شمال إيران، في العام 1220، حاله حال كثر من أبناء النخبة المتعلمة في شمال إيران وآسيا الوسطى، ممن هاجروا غرباً ليسبقوا زحف جحافل المغول.

وصل القزويني إلى الموصل شمال العراق ونال علومه في الفلسفة، من ثم شغل منصب القاضي في مدينة واسط، ودرّس في مدرستها الفقهية المعروفة بالمدرسة الشرابية. سقطت بغداد في أيدي المغول في أوائل شباط/ فبراير من العام 1258، وفي أقل من ثلاثة أسابيع لحقتها واسط، كانت تلك المرة الثانية التي يسلم فيها القزويني من الموت، والسبب في نجاته على الأرجح هو الممارسات الانتقائية التي كان المغول يتبعونها عند غزو المدن، فقد كان من السائد أن يبقوا على حياة من يخالونه ذا فائدة من علماء وأدباء وحرفيين.

نعرف أن القزويني انتمى إلى طبقة النخبة المتعلمة المهزومة، التي وصف بعض كتّابها عصرهم بمفردات آخر الزمان، حيث أن بعض أقران القزويني اعتبروا الغزو المغولي للبلاد الإسلامية علامة على قيام الساعة، والبعض ربط بين المغول وبين قوى الفوضى الخالدة في العالم، فطابقوا بينهم وبين الأقوام الوحشية المسماة يأجوج ومأجوج، الممهدين لنهاية العالم، حسب النص القرآني، ومن هنا يبدو جلياً أن وقع هذه الكارثة كان جسيماً على أفراد تلك النخبة.

رغم أن الوجود المغولي كان حقيقة تاريخية، إلا أن تشبيههم بالأقوام المتوحشة والتنانين الأسطورية في نصوص الحقبة كان للربط بينهم وبين قوى الفوضى الخالدة في العالم، في هذا الصراع يكون التنين رمز الفوضى، أما السحابة التي تلتقطه من علو فتكون إشارة للقوة الإلهية

 لا نستطيع معرفة موقف القزويني الحقيقي من الغزو المغولي، فهو لا يحدثنا عنه بصريح العبارة، ولكنه يصوّر لنا الجنس الخيالي المتوحش يأجوج ومأجوج على أنه عجيبة من عجائب الخلق في موسوعته، أما في عمله الجغرافي "آثار البلاد وأخبار العباد" فيرمز إليهم في خريطة للعالم عبر رسم لجدار، في إشارة إلى القصة المشهورة للإسكندر الأكبر، الذي قام ببناء جدار ضخم مصنوع من البرونز المصهور، ليفصل بين العالم المتحضر والعالم الوحشي ممثلاً بأقوام يأجوج ومأجوج.

ظهرت هذه القصة في العصر الكلاسيكي في مؤلف "رومانسية الإسكندر". هذا العمل يتناول حياة الإسكندر الأكبر ومغامراته التي تبدو في معظمها متخيلة، وكان قد انتشر في جميع أنحاء الشرق الأدنى مع حلول القرون الأولى من العصرين المسيحي والإسلامي، كما أن قصة الجدار أو "السد" تظهر في القرآن في سورة الكهف، وبطلها هو الشخصية المعروفة بذي القرنين.

إن العام 1280، الذي فرغ فيه القزويني من تدوين موسوعته، يوافق "عام التنين" المغولي، والتنين كناية عن قوى الفوضى الفاعلة في العالم؛ القوى التي تسعى لتدمير الحضارة في حرب أزلية مع القوى الإلهية الناظمة للعالم. نجد في موسوعة القزويني مدخلاً عن التنين في فصل عن مخلوقات البحر نقرأ فيه:

"تنين، حيوان عظيم الخلقة، هائل المنظر، طويل الجثة، عريضها، كبير الرأس، براق العينين، واسع الفم والجوف، كثير الأسنان، يبلع من الحيوان ما لا يحصى، كافة حيوانات الماء لشدة قوته، وإذا تحرك تموج البحر من سباحته، وإذا امتلأ جوفه من الحيوان أتخم وتقوس، ورفع وسطه من الماء مثل قوس قزح، ليستمرئ ما في بطنه بحرارة الشمس... روى شداد بن أفلح المقري، قال: كنت في مجلس عمر البقالي، فجرى ذكر التنين، فقال: أتدرون كيف يكون التنين؟ قلنا: لا، قال: قد يكون حية في البر متمردة، تأكل من دواب البر حتى تعظم، فإذا كثر فسادها ضجّت دواب الأرض منها، فيرسل الله تعالى إليها ملكاً يحملها ويلقيها في البحر، فتفعل بدواب البحر فعلها بدواب البر، فيعظم جسمها فتضج دواب البحر أيضاً منها، فيبعث الله تعالى ملكاً ليخرج رأسها من البحر فيتدلى سحاب فيحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج، ولقد حملتها السحابة من بحر أنطاكية، فضربت بذنبها سور المدينة فرمت بضعة عشر من أبراجها. ويقال إن السحاب الموكل بها يختطفها حيثما رآها كما تختطف المغناطيس الحديد، فلا تطلع رأسها من الماء خوفاً من السحاب، ولا تخرج إلا في القيظ إذا صحت الدنيا".

The Wonders of Creation and the

Oddities of Existence of Qazwini. Wasit, Iraq, 1280.

Munich, Staatsbibliothek, MSS cod. arab.464.

يقدم هذا المدخل معلومات عامة عن التنين وسلوكه الفريد، وفي الختام يؤكد على أن القوة المدمرة للتنين قابلة للاحتواء. حسب تعريفات القزويني في مقدمة موسوعته، يندرج التنين تحت بند الغرائب، يخبرنا بأن الغرائب هي أمور قليلة الوقوع، مخالفة للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة. يعرف القزويني بأن قرّاءه المعاصرين وطلابه لن يصدقوا وجود الكثير من الغرائب المذكورة في كتابه، ولكنه يطلب منهم أن يأخذوها على محمل الجد، مهما بدت غريبة غير قابلة للتصديق، فقد أراد لهم أن يبحثوا عن الحقيقة الخافية ويفهموا رمزية الظواهر الطبيعية والخارقة للطبيعة. لابد أن معاصري القزويني وطلابه استطاعوا التعرف على شكل التنين عندما صادفوه لأول مرة في مخطوط 1280، فخلال هذه الفترة يدخل عنصر التنين الصيني للمرة الأولى إلى الفن الإسلامي. هم على الأرجح استطاعوا التعرف عليه بوصفه تنيناً صينياً أو تنيناً من الشرق، طلاب القزويني هؤلاء كانوا من أبناء النخبة المهزومة، ممن استطاعوا البقاء على قيد الحياة، ولابد أنهم نظروا إلى التنين الذي يعيث في البر والبحر فساداً، على أنه صورة مجازية لجيوش المغول القادمة من الشرق البعيد.

 مدخل آخر مثير للاهتمام يتعلق بالتنين يظهر في مخطوط يرجع للعام 1388 باللغة الفارسية، منتج على الأرجح في بغداد، ومعروف باسم "عجائب المخلوقات" أو "عجائب نامة"، لمؤلفه محمد بن محمود بن أحمد الطوسي السلماني. يقدم المدخل قصة البقالي عن التنين بنسخة أقصر وفي سياق مختلف، في معرض الحديث عن الغيوم التي من خواصها جذب التنانين من البحار ورميهم على البر، فنقرأ أن التنين لا يخرج رأسه من أعماق البحار خوفاً من الغيوم، فمثلما يجذب حجر المغناطيس الحديد تجذب السحابة رأس التنين. من ثم يأتي حديث البقالي عن التنين، فيقول بأنه كان متوحشاً، يأكل الثعابين في البر والسمك في البحر، إلى أن يعظم حجمه ويصير ذيله بطول فرسخ، فتشكي وحوش البحر الى الله فساد التنين، فيرسل الله سحابة تجذب التنين لنفسها ومن ثم تلقيه في بلاد يأجوج ومأجوج ليصير طعاماً لهم. ملحق بهذا المدخل رسم لتنين عملاق يقوم بابتلاع شخص، بينما يحيط به ويداعبه ستة آخرون، تمّ تصويرهم عراة للدلالة على همجيتهم، نستنتج من سياق النص بأنهم من قوم يأجوج ومأجوج.

رغم أن الوجود المغولي كان حقيقة تاريخية، إلا أن تشبيههم بالأقوام المتوحشة والتنانين الأسطورية في نصوص الحقبة كان للربط بينهم وبين قوى الفوضى الخالدة في العالم، في هذا الصراع يكون التنين رمز الفوضى، أما السحابة التي تلتقطه من علو فتكون إشارة للقوة الإلهية.

من الواضح أن القزويني ونظراءه أرادوا التأكيد على وجود واستمرارية النظام الإلهي المسيّر للكون وفق نسق دقيق، على الرغم من أن العالم قد يبدو مقلوباً رأساً على عقب، إلا أن هذا النظام مازال فاعلاً

The World Showing Glass (The

Wonders of Creation) of Tusi. Probably Baghdad, Iraq, 1388.

Paris, Bibliotheque nationale de France, MSS supp. pers. 332.

ليس من الغريب أن هذا العمل، وغيره من الأعمال المختصة بالعجائب، تتحدث في العدد الأكبر من مدخلاتها عن أمور معروفة واعتيادية لا ظواهر عجائبية، ففي موسوعة القزويني، تشغل الفصول المتعلقة بالأشجار والنباتات إحدى وثلاثين صفحة، وتضم 193 رسماً، فيخال من يتصفح المخطوطة بأنها مختصة بعلم النبات. تلك المدخلات التي تتناول الأمور الاعتيادية غير الخارقة للطبيعة تطغى في المخطوطات المبكرة من هذا النوع، ويبدو أن السبب هو حاجة النخبة المهزومة إلى تذكر الأشياء المألوفة والمعروفة، في ظل الاضطرابات التي شهدتها تلك الحقبة.

من الواضح أن القزويني ونظراءه أرادوا التأكيد على وجود واستمرارية النظام الإلهي المسيّر للكون وفق نسق دقيق، على الرغم من أن العالم قد يبدو مقلوباً رأساً على عقب، إلا أن هذا النظام مازال فاعلاً. انطلاقاً من هذا المفهوم، تبدو أشياء اعتيادية، مثل زهرة أو نحلة، ظواهر عجائبية رغم كونها مألوفة وعادية، إلا أنها تبدو عجيبة في الأوقات غير الاعتيادية، إذا نظرنا إليها كجزء من منظومة كونية قائمة على قوانين متناهية الدقة وشديدة التعقيد.

يصف الشاعر المعاصر محمود درويش في "ذاكرة للنسيان" هذا التوق إلى المألوف والاعتيادي في أوقات الفوضى والصراع، فيقول: "إن من طبيعة الحروب أن تحقّر الرموز، وتعود بعلاقات البشر والمكان والعناصر والوقت إلى خاماتها الأولى، لنفرح بماء يتدفق من ماسورة مكسورة على طريق، لأن الماء هنا يتقدم منا معجزة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard