من المقاومة إلى مهرجانات السياحة... رقصات للرجال فقط في جنوب تونس

رقصات القبائل والبدو والحضر في جنوب تونس تجاهد من أجل البقاء

السبت 19 ديسمبر 202004:44 م

رقصات الزقايري والميازي وغيرها، للرجال فقط في جنوب تونس، كانت تعبر عن الفرحة في انتصارات الحروب والمقاومة، وتجاهد الآن للبقاء، عبر الفرق الفنية والمهرجانات الخاصة بالصحراء.

لا يقتصر الرقص الشعبي على النساء بل يشمل أيضاً الرجال، والرقص "الذكوري" الشعبي يتمّ عادة في شكل جماعات، مثل رقصتي الزقايرية والميّازي في الجنوب الغربي التونسي.

عندما يرقص المرء يتيح الفرصة لجسده كي يتحرر من القيود، ويعبر عن ذاته. يقول المؤلف الموسيقي الإنجليزي من أصل ألماني، فريدريك ديليوس، إن الرقص هو انفجار الروح، وفي رقصة الزقايرية تنفجر روح الإبداع والتناغم من الراقصين، الذين يؤدون هذه اللوحة الفلكلورية.

رقصة الحرب

الزقايري مشتقة من الكلمة الفرنسية Guerrier، ومعناها المقاوم، وتدل على المقاومة الشعبية إبان الاستعمار. هي رقصة الحرب والفرح، يرقصها الرجال بعد انتصارهم في المعارك، في البداية كانت تعبيراً تلقائياً عن النصر، لتصبح فيما بعد رقصة شعبية مشتركة بين تونس والجزائر، تؤدى غالباً في المهرجانات.

يتحدث علي بالسعيدي، مدير مهرجان مدينة الخيام بحزوة، لرصيف22 عن هذه الرقصة: "بعدما كادت تندثر وتُنسى، أعاد القائمون على المهرجان رقصة الزقايرية إلى الذاكرة الشعبية، وأصبحت حاضرة في السنوات الأخيرة في مدينة حزوة بمحافظة توزر (جنوب غربي البلاد)".


تأسس المهرجان الدولي للخيام في حزوة عام 1983، وهو مهرجان صحراوي يركز على حياة البدو، ويهتم بالأنشطة الثقافية والتراث، بحسب بالسعيدي، وتوقف نشاطه بسبب حرب الخليج، ثم عاد سنة 2011، ويقام سنوياً في شهر تشرين الأول/أكتوبر لمدة أربعة أيام، وتشارك فيه كل عام عدة فرق عربية من ليبيا والجزائر والمغرب ومصر وفلسطين والأردن، ودول عربية أخرى.

يضيف علي بالسعيدي، متحدثاً عن هذه الرقصة الجماعية: "رقصة الزقايرية حاضرة دوماً في حفلات الزواج والختان، وفي المهرجانات الصحراوية، وهي رقصة فلكلورية تشبه إلى حدّ كبير "الدبكة"، ونسعى جاهدين كي تبقى في الذاكرة الشعبية، ويرددها الشباب في المستقبل".

ويتابع: "تشتهر هذه الرقصة خصوصاً في مدينتي حزوة "محافظة توزر" وشنني "محافظة قبلي"، وهي رقصة تعبر عن أصل سكان هذه المناطق، الذين بدأوا حياتهم كبدو رُحَّل".

صامدة وتُقاوم

ويواصل مدير جمعية حزوة حديثه: "هي رقصة جماعية رجالية ولم يسبق للنساء تأديتها، ويمكن أن تؤدى هذه الرقصة بشكل ثنائي أو جماعي، ويصل أحياناً عدد المؤدين لها إلى 12، يرتدون ملابس متناسقة تسرّ الناظرين، ويحملون بنادقهم المزينة بألوان زاهية".

ويكمل: "من شروط هذه الرقصة أن تكون الفرقة منسجمة، وأن يتقن أعضاؤها جميع الحركات، ويرقصوا في تناسق وانسجام تام على أنغام الطبل أو الدربوكة والقصبايا (الناي)".

"لا يمكن أن تكتمل الرقصة دون إطلاق أعيرة نارية في الهواء باستعمال الكرابيلا، حتى بعدما منعت السلطات المحلية استخدام الأسلحة النارية في الثمانينيات"

تعتمد الرقصة على حركة الرجلين، بحسب منصة "تراثي" الحكومية، والنصف السفلي لجسم الراقص، إذ تتناوب رجلاه على الارتفاع والانخفاض أو الخفض والمدّ، ثم تنتهي جملة الحركات والقفزات بإطلاق أعيرة نارية في الهواء، وتعرف أيضاً بأنها رقصة الفحولة، واعتزاز المحارب بالفوز على العدو، ورقصة حامي القبيلة.

ويؤكد السعيدي "أن هناك فرقتين فقط تؤديان هذه الرقصة بإتقان، هما فرقة حزوة، وفرقة في مدينة شنني، وتعتمدان على الرصيد الغنائي والفلكلوري، الذي يمتاز به الجنوب التونسي".

"تسليتنا الوحيدة"

يأسف العم محمد (80 عاماً)، يسكن في محافظة توزر، على أيام شبابه، حين كانت صحته تساعده على تأدية بعض الرقصات، يقول لرصيف22: "كنا نجتمع لنؤدي رقصتنا المُفضَّلة، ونقضي ساعات طويلة، نحفظ حركاتها لنكون متناسقين عند رقصها في المناسبات، في ذاك الوقت كانت تسليتنا الوحيدة عندما نجتمع، فلا كرة قدم ولا ألعاب فيديو كانت موجودة".

يضيف بفخر: "كنت بارعاً في تلك الرقصة، حتى إنهم لا ينظمون اجتماعاً لتعلمها إلا كنت حاضراً فيه، فقد تعلمتها على يد أبي وجدي، وهي متوارثة في عائلتنا، لكن للأسف جيل هذا العصر لا يتشبث بمكاسب أجداده الفنية، ويجري وراء ألعاب لا فائدة من ورائها".

وتقول هناء، وهي طالبة جامعية من محافظة توزر، لرصيف22: "كانت هذه الرقصة مشهورة جداً قبل الثورة، لكن الاهتمام بها اضمحل اليوم، رغم ذلك ما زال البعض يزاولها، فهي من الموروث الثقافي والفني للجهة توزر، جمهورهم الوفي خاصة من كبار السن، الذين يرون في عروضهم الفلكلورية أيام شبابهم، إذ كانت آنذاك رائجة جداً في حفلات الزفاف وفي مواسم الجز وفي المهرجانات، وما زال البعض هذه الأيام يعمل جاهداً على إحيائها، والحفاظ عليها مع إضافة نوع من التجديد".

وفي الجنوب التونسي عدة رقصات شعبية أخرى، يٌتقنها الرجال، شباباً وكباراً على حدٍّ سواء، ولعل ما ساعد على ازدهار هذا النوع من الرقص هو البيئة الذكورية المحافظة، التي تفصل بين النساء والرجال في حفلات الزواج، وتسمح فقط للرجال بالرقص في المهرجانات الصحراوية، التي يحضرها السياح والزوار من كل أنحاء العالم.


تمايل وإطلاق نار

"رقصة الميّازي" تصارع هي الأخرى للبقاء في ظل انتشار رقصات عصرية لفتت انتباه الشباب، وهي رقصة شعبية يؤديها الرجال في حفلات الزفاف، وفي المهرجانات المحلية، حيث يرقصون بشكل جماعي على أنغام الطبل والزكرة (آلة موسيقية هوائية).

ولسنوات طويلة، ظلت "رقصة الميّازي" حكراً على بعض القرى في محافظة قبلي (الجنوب الغربي)، لكنها انتشرت في السنوات الأخيرة في محافظات الشمال الغربي، وتؤدَّى على أنغام الطبل إذ ينزل الفتية إلى ساحة الرقص، وهم يحملون الكرابيلا (سلاح محلي الصنع)، ويبدأون بالتمايل على أنغام الموسيقى، ثم ينهون رقصتهم بإطلاق النار في الهواء.

يبدأون الرقصة، التي كانت تعبر عن الانتصار في الحرب، بالتمايل على الموسيقى، ثم ينهونها بإطلاق النار، في بيئات لا تسمح بالرقص للنساء في شتى الفعاليات

يعلق الباحث في التراث، حسن مبارك، لرصيف22: "رقصة الميازي رقصة حضرية، وهي عكس رقصة الزقايري التي يرقصها البدو. تؤدّى هذه الرقصة الشعبية في سهرات حفلات الزفاف، وتشتهر بها خصوصاً قرية "أم الصّمعة" من محافظة قبلي".

ويضيف:'"هي رقصة رجالية يؤديها الشباب والكهول على أنغام السعداوي (الطبل والزكرة) على أنغام مميزة قريبة إلى الإيقاع الليبي".

ويتابع: "لا يمكن أن تكتمل الرقصة دون إطلاق أعيرة نارية في الهواء باستعمال الكرابيلا، إذ يلجأ الأهالي إلى استخدام هذا النوع من الأسلحة بعدما منعت السلطات المحلية استخدام الأسلحة النارية والذخيرة الحية في الثمانينيات".

"بدأت الرقصة تندثر، وتُنسى مع بداية الثمانينيات وتوجّه الأهالي إلى إحياء سهراتهم بالاعتماد على الفرق الموسيقية الوترية، لكن عادت الروح إلى هذه الرقصة في بداية الألفية الثالثة، خصوصاً بعد إنشاء "فرقة الرّبيعة" التي ساهمت في التعريف بها لدى الشباب، راجت الرقصة في الأعراس والمناسبات السعيدة، وتم إنقاذها من النسيان والاندثار"، يقول مبارك.

وفي تفسيره لأسباب انتشار الرقصات الرجالية في محافظات الجنوب التونسي، يقول مبارك: "إن ذلك يعود إلى طبيعة المجتمع الذكوري المحافظ الذي تٌمنع فيه المرأة من الرقص أمام الرجال"، مضيفاً "يقع الفصل بين النساء والرجال في حفلات الزفاف، ويمكن للنساء أن يرقصن وحدهن في مكان مغلق لا يسمح للرجال بدخوله".

وفي تونس رقصات رجالية أخرى ضاربة في القدم، ويؤديها الرجال بإتقان، وتظهر عادة في المهرجانات الصيفية والصحراوية وحفلات الزواج، مثل رقصة السطمبالي والمداوري والرقص برفع الجرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard