شركات الجيش المصري للبيع... قضاء على الفساد وسوء الإدارة أم تعزيز للاستثمار الخاص؟

الثلاثاء 15 ديسمبر 202001:43 م

في خطوة تمثل "انفتاحاً تاريخياً لجزء من الاقتصاد الرسمي أمام الاستثمار الخاص"، تفكر الحكومة المصرية في طرح ثلاث شركات أخرى مملوكة للجيش للبيع في الربع الأول من عام 2021، عقب الإعلان قبل أيام عن طرح شركتين للبيع والتداول في البورصة المحلية.


صرّح بذلك الرئيس التنفيذي للصندوق السيادي المصري، أيمن سليمان، لوكالة بلومبيرغ، موضحاً أن الدراسات تجري حالياً بشأن تحديد المزيد من الأصول لطرحها للتداول. وكانت وزيرة التخطيط المصرية هالة السعيد قد أعلنت الأسبوع الماضي أنه سيتم طرح حصص تصل إلى 100% في شركتين تابعتين للجيش المصري أمام القطاع الخاص تمهيداً للتداول عليهما في البورصة.


يتعلق الإعلان بـ"الشركة الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية" (صافى) و"الشركة الوطنية للبترول". وفيما لم تحدد السعيد موعداً لطرحهما، أكدت أن العملية ستتم "وفق شروطٍ وضوابط تضمنُ أن تحقق أعلى العوائد للدولة المصرية وأن تخلقَ فرصاً استثمارية حقيقية للقطاعِ الخاص فى المرحلة الأولى وتكونُ كذلك فرصة للمواطنين لامتلاكِ أسهم فيهما والاستثمار فى أسهمِهما".


جاء ذلك نتاجاً للشراكة التي أُعلنت بين الصندوق السيادي وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، أحد الأذرع الاقتصادية لوزارة الدفاع المصرية، مطلع العام الجاري، لغرض "تعظيم قيمة هذه الأصول وتطويرها" وفي إطار "تفعيل عمل الصندوق الاستثماري وجذب الاستثمارات بما يتماشى مع إستراتيجية التنمية المستدامة، رؤية مصر 2030".


يتمثل دور الصندوق خلال الشراكة في مساعدة جهاز "الخدمة الوطنية" على اختيار الأصول التي تُطرح جنباً إلى جنب مع ترويجها للمستثمرين وربما المشاركة في الاستثمار فيها عن طريق أخذ حصص أقلية. ويقدم بنك الاستثمار (هيرميس) بدوره المشورة للصندوق في ما يتعلق بطرح شركات الجيش أولاً أمام مستثمرين من القطاع الخاص وذلك قبل إدراجها في البورصة المصرية.

"أول فرصة للمستثمرين المحليين والأجانب لامتلاك الشركات التابعة للجيش بالكامل"... بعد الإعلان عن طرح شركتين مملوكتين للجيش للبيع، الحكومة المصرية تفكر في طرح 3 شركات أخرى وخطة أولية لبيع 10 شركات بحصص تصل إلى 100%

بيع محتمل لـ10 شركات عسكرية

بالعودة إلى تصريح سليمان، فقد أوضح أن خطةً أولية لبيع أكبر قدر من الملكية الكاملة في ما يصل إلى 10 شركات مملوكة للجهاز التابع لوزارة الدفاع، دون أن يحدد الشركات الثلاث المحتملة البيع. يمتلك الجهاز، الذي تأسس عام 1979، أكثر من 30 شركة في قطاعات البناء والأغذية والتعدين والبتروكيماويات.


وكان الجيش المصري قد برز قوة اقتصادية فاعلة أساسية ومتنامية في البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي، لا سيما في قطاعات البنية التحتية وتصنيع الكيماويات، وإنتاج المواد الغذائية، والأدوات المنزلية. لكن مع صعود الجيش إلى الحكم عام 2013، توسعت الشركات العسكرية بشكل غير مسبوق.


ويأتي الإعلان عن طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في وقت تسعى الدولة العربية الأكثر اكتظاظاً بالسكان إلى جذب الاستثمار الخاص الذي يقول صندوق النقد الدولي إن المنافسة من قبل بعض مؤسسات الدولة المصرية ربما عرقلته.


خلال مقابلة منفصلة، اعتبرت الوزيرة السعيد أن "هذا تحول تاريخي في كيفية هيكلة الاقتصاد المصري"، مشيرةً إلى أن تلك ستكون أول فرصة للمستثمرين المحليين والأجانب لامتلاك الشركات التابعة للجيش.


على الرغم من السجل السيىء للبلاد في مجال حقوق الإنسان، لا يمكن إغفال حقيقة أن مصر هي الاقتصاد الوحيد في الشرق الأوسط الذي من المتوقع أن يكون حقق نمواً هذا العام.


منذ انتخابه عام 2014، مضى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ذو الخلفية العسكرية، قدماً في تنفيذ جملة من المشاريع الضخمة، بما في ذلك عاصمة إدارية جديدة وامتداد لقناة السويس. مع ذلك، ليس هناك استثمار أجنبي واسع النطاق في البلاد باستثناء قطاع النفط والغاز وسوق الدين.

بينما يدفع المسؤولون المصريون بأن الخطوة "دليل على توجه الحكومة لتشجيع مشاركة القطاع الخاص"، هناك شكوك لتزامنها مع تقارير تتحدث عن "فساد" و"سوء إدارة" وإهدار أموال عامة" بسبب التعتيم والسرية المحيطين بعمل شركات الجيش

علامة جادة وتحول جذري

في هذا الصدد، قالت السعيد إن الحكومة اضطرت إلى دعم الاقتصاد في السنوات التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير التي أطاحت الرئيس الراحل حسني مبارك عام 2011، مبرزةً أنه مع استعادة النمو الاقتصادي الكلي، تحول التركيز إلى تشجيع المشاريع الخاصة.


لكن هذه ليس المرة الأولى التي تعلن الحكومة المصرية فيها عزمها طرح شركات عامة للبيع. إذ حددت قبل نحو ثلاث سنوات حوالى 20 شركة مملوكة للدولة يمكن إدراجها في البورصة المصرية أو عرض حصص إضافية للبيع. حتى الآن، لم تعرض سوى واحدة منها وسط مزاعم بأن جائحة الفيروس التاجي ساهمت في تأخير تنفيذ الخطوة.


ولفتت السعيد: "كان على الدولة التدخل خلال الفترة التي عانينا فيها عدم الاستقرار السياسي بعد 2011، وكان هذا هو الوضع الذي ابتعد فيه القطاع الخاص عن الاستثمار"، مضيفةً أنه "لولا هذه الاستثمارات (الحكومية) لكان الاقتصاد المصري انكمش ولم ينمُ".


وتابعت: "جميع مؤسسات الدولة حريصة (الآن) على أن يكون للقطاع الخاص دور أكبر في مشاريع التنمية"، معتبرةً أن طرح حصص في شركات الجيش هو "إشارة جادة للغاية من الحكومة".


أما وزير المال المصري الأسبق سمير رضوان فاتفق مع السعيد إذ رأى أن تلك "خطوة جذرية" يمكن تعزيزها من خلال "مزيد من الإصلاح لبيئة الاستثمار، بدءاً بالإطار القانوني والتعامل مع مختلف العقبات البيروقراطية التي تواجه المستثمرين المحليين والأجانب".

برز الجيش المصري قوة اقتصادية أساسية ومتنامية في البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن شركاته توسعت بشكل غير مسبوق مع صعوده إلى الحكم عام 2013. قد يمثل بيع شركات الجيش دفعةً للاستثمار الخاص الذي عرقلته منافسة الكيانات الرسمية

من جهته، شدد سليمان على أن الفرص التي يوفرها الصندوق السيادي المصري "دليل على توجه الحكومة لتشجيع مشاركة القطاع الخاص"، لافتاً إلى سعيه إلى تعزيز "عروض استثمار أكثر استدامة تتمحور حول الشراكات بين القطاعين العام والخاص مقابل الخصخصة فقط".


تساؤلات حقوقية

ويأتي طرح الشركات المملوكة للجيش المصري بعد تقرير مشترك لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية و"مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" و"مبادرة الحرية"، في الشهر الماضي. وقد طالب المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بمساءلة الحكومة المصرية عن المعلومات المالية الخاصة بعشرات الشركات العملاقة المملوكة لوزارتي الدفاع والإنتاج الحربي، الجهتين الرئيسيتين اللتين تديران مصالح الجيش الاقتصادية التي تنافس القطاع الخاص.


وقالت المنظمات الحقوقية إن هذه المعلومات ينبغي أن تمثل جزءاً من التقارير التي يطلبها الصندوق عن الشركات التي تملكها الدولة، قبل صرف الشطر التالي من التمويل بموجب برنامج الإقراض الحالي، مستنكرةً كون "التعاملات المالية للشركات المملوكة للهيئات العسكرية، والتي تنتج في الأساس سلعاً مدنية، محجوبة تماماً عن الرأي العام".


وفيما أشار التقرير إلى خطورة حجب البيانات على جعل الاقتصاد العسكري المصري "بيئة خصبة للفساد" وتقويض الرقابة المدنية على تمويل الجيش المصري المتهم بارتكاب انتهاكات خطيرة، شدد على أن "الشفافية والمساءلة في الشركات المملوكة للجيش أمران أساسيان لمعالجة الفساد وسوء الإدارة اللذين يهدران الموارد العامة الثمينة، والتي يمكن استثمارها بدلاً من ذلك في تأمين حقوق عدة، مثل الرعاية الصحية، والإسكان، والغذاء، والحماية الاجتماعية".


وفي حين يعتقد بأن الاقتصاد العسكري "يستحوذ على حصة غير متناسبة من الإيرادات العامة"، تثير السرية التي تحيط به التكهنات حول "عدم كفاءة وخسائر خفية"، وهو ما أفاد به تقرير شامل نشره "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" عام 2019.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard