"زعيمي خط أحمر"... لماذا تتخذ النقاشات السياسية طابعاً عاطفياً؟

الخميس 19 نوفمبر 202006:03 م

في إحدى الحلقات التلفزيونية، سُئل أحد المحللين السياسيين في لبنان عن موضوع شخصي مرتبط بخلافه المحتدم مع أخيه، الذي يعمل أيضاً كمحلل سياسي، والقطيعة بينهما بسبب الاصطفافات السياسية.

والحقيقة، إن هذا النوع من الخلافات شائع في مجتمعاتنا بحيث نرى أن السياسة تفرّق أفراد العائلة الواحدة، لحين يصبح من الصعب "لمّ الشمل" حتى في المناسبات الاجتماعية المهمة، وكل ذلك بسبب تمسّك كل طرف برأيه وقيامه "بتقديس" و"تأليه" زعيمه الذي غالباً ما يكون منهمكاً في حساباته السياسية ومصالحه الشخصية الضيّقة، غير أن التعصب له أو للحزب الذي يرأسه يكون "أعمى" من دون أن يكون هناك أي منطق للمحاسبة والمساءلة.

فما هي العوامل التي تجعل النقاشات أو الجدالات السياسية، في مثل هذه الحالة، تتخذ مساراً عاطفياً للغاية؟

تحدي الآراء السياسية

"تمثل السياسة معتقداتنا الشخصية وأخلاقياتنا ومثلنا، ما يعني بأننا نميل إلى رؤية أيديولوجيتنا كجزء من هويتنا، وعندما يتم تحدي الآراء السياسية، تنشط مناطق في الدماغ مرتبطة بالهوية الشخصية والاستجابات للتهديد والعواطف"، بحسب ما أوضحته الأخصائية في علم النفس كريستي فيليبس، لموقع healthline، معتبرة بأن هذا ما يجعل الناس يشعرون بأن جوهر هويتهم كأفراد يتعرض للهجوم.

وفي معظم الأحيان لا يكون النقاش السياسي نزيهاً، بحيث يتم الخلط بين النهج السياسي المتبع والأشخاص الذين يمثلون تلك السياسة، لذلك ينتهي الأمر بجدل عقيم يكون جارحاً ومؤذياً بين الأفراد، بخاصة مع بروز قضايا ساخنة تعزز مفهوم الانقسامات والاصطفافات السياسية: إما نكون مع هذا الفريق أو مع ذاك ولا مكان للتموضع في الوسط.

السياسة تفرّق أفراد العائلة الواحدة، لحين يصبح من الصعب "لمّ الشمل" حتى في المناسبات الاجتماعية المهمة، وكل ذلك بسبب تمسّك كل طرف برأيه وقيامه "بتقديس" و"تأليه" زعيمه الذي غالباً ما يكون منهمكاً في حساباته السياسية ومصالحه الشخصية الضيّقة

وعند النظر إلى الأشخاص على أنهم خارج الفريق الذي ننتمي إليه، "يصبح حينها من السهل تجريدهم من إنسانيتهم"، بحسب ما أشارت إليه فايل رايت، مديرة قسم ابتكارات الرعاية الصحية في الجمعية الأميركية للطب النفسي، والتي أضافت بالقول: "عندما نبدأ بالاعتقاد بأننا نعرف الحقيقة المطلقة، يصبح من الصعب تعزيز التعاطف المطلوب الذي يجب أن يكون لدينا من أجل أن نكون مستمعين جيدين، ونأخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار".

هذا واعتبرت رايت أن الحديث في السياسة يمكن أن يصبح أكثر عاطفية عندما يحدث الخلاف بين أفراد الأسرة الواحدة: "لدينا اعتقاد بأن الأسرة منزهة عن الأخطاء، وأنه ليس من المفترض أن نتجادل بل أن نتوافق طوال الوقت، وهذا ليس واقعياً. أفراد العائلة مثل أي شخص آخر تقابلونه، مع فارق أنكم تتشاركون معهم بحمضكم النووي".

من هنا شددت فايل على أن الاختلاف هو أمر طبيعي، بخاصة حين يحدث مع الوالدين، بحيث يشمل ذلك جزءاً من ديناميكية الآباء- الأبناء المتغيرة، بحيث يمكن للتفكير النقدي أن يتطور من خلال التعليم العالي أو من أحداث الحياة والتجارب الحية الأخرى، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار، وهذه الأنواع من المواقف تقود البعض للتشكيك في معتقداته وتجعله يشكل آراء جديدة تنفصل عن بقية أفراد عائلته، بحسب ما أكدته رايت: "لفترة طويلة، كان اتجاه التعلم يأتي من الأعلى إلى الأسفل... الآباء هم المصدر المؤثر الأساسي على نظرتكم/نّ إلى العالم وكيفية تشكيل الحجج، لكن مع النضوج ومرحلة البلوغ تبدؤون بالتشكيك وتكوين أفكاركم/نّ الخاصة حول الأشياء، لا سيما إذا تم وضعكم/نّ في وضعية تتطلب تفكيراً نقدياً".

التعصب الحزبي في مجتمعاتنا الهشة

في معرض الحديث عن احتدام النقاشات السياسية من منظور اجتماعي- نفسي، استهلّت الأخصائية في علم النفس لولوا كالويروس، حديثها بالقول إننا نفتقد في مجتمعاتنا العربية للتدرب على كيفية إجراء نقاشات موضوعية وهادفة، بدءاً من افتقاد المعرفة لطرح الأسئلة المناسبة، الأمر الذي يؤدي من الناحية النفسية إلى التصادم بين المتحدث/ة والمتلقي/ة.

وأوضحت كالويروس لموقع رصيف22 أننا غالباً ما نلاحظ الكثير من الأشخاص يقومون بطرح سلسلة من الأسئلة على الطرف الآخر من دون أن ينتظروا منه حتى الأجوبة عليها، وهذا أمر، وفق رأيها، "ملفت ويدخل في بنية تقاليدنا التربوية ونمط تعاملنا مع الآخرين"، معتبرة أن القمع الذي قد يتعرض له البعض في طفولته يخلق لديه الشعور بأهمية أن يكون السؤال مركباً، لكسب الوقت ولإعطاء دور أكبر لنفسه.

وتحدثت لولوا عن مشكلة أخرى نواجهها في النقاشات السياسية في مجتمعاتنا القبلية، وهي الإقدام دوماً على تبرير رأينا مع ما يرافقه ذلك من عدائية وهجوم و"تحقير" للآخر، وذلك لصعوبة التفرقة أحياناً بين الفكر والشخص، شارحة ذلك بالقول: "في الكثير من الأحيان يكون هناك ردة فعل دفاعية وهجومية غير مبررة على سؤال معيّن مطروح، وذلك بسبب افتقاد المرء للتفكير النقدي (critical thinking) الذي يعدّ مهماً لبناء الهوية الاجتماعية أو السياسية أو الدينية أو حتى الجندرية".

من هنا أشارت كالويروس إلى أن غياب ثقافة التفكير النقدي، بالأخص في مجتمعاتنا، تخلق ازدواجية بين "الأنا" والمعتقدات التي نؤمن بها.

الدين والسياسة... وجهان لعملة واحدة

بالحديث عن التعصب الحزبي تحديداً في لبنان، اعتبرت لولوا أن الدين والسياسة هما وجهان لعملة واحدة، بحيث أنهما يلتقيان في العديد من النقاط، الأمر الذي يجعل المسألة معقدة وشائكة، لا سيما عندما يتم تعزيز مبدأ التبعية العمياء وربط الأحزاب بالمعتقدات الدينية، في حين يتم ربط الأحزاب العلمانية بالإلحاد: "بصير أي حدا بدو يتهجم على الحزب يلي أنا بنتمي لإلو يعني عم بيتهجم بنفس الوقت على ديني وعليي وعلى بيئتي"، على حدّ قولها.

 "للأسف عنّا الحزب بيختصر بشخص وبينتهي مع زوال الزعيم"

وفي السياق نفسه، تحدثت كالويروس عن مشكلة عدم تطور الأحزاب كمؤسسات تحتضن الفكر الفلسفي: "للأسف، الأحزاب عنّا مبنية على شخص واحد وبالتالي الانتماء الحزبي بكون لهالشخص ومش للفكر، وهون منكون عم نسخف مفهوم الحزب يلي هوي بمثل الحركة الاجتماعية لفكر سياسي، فلسفي وأيديولوجي..."، وتابعت بالقول: "إن المؤسسات الدينية وارتباطها بالسياسة جعلت الأفراد يقفون بين خيارين: الفكر أو الدين، ومن الملاحظ أنه في المجتمعات الهشة، يفوز الدين دوماً في هذه المعادلة، حتى ولو كان ذلك في اللاوعي لدى الأفراد".

وعن السبب الذي يكمن وراء "تقديس" الزعماء، قالت لولوا إن هذا يحدث عندما تكون "الحركة السياسية كلها مبنية على شخص واحد وليس على أي فكر أو فلسفة أو قيم أو طروحات سياسية معيّنة"، مضيفة: "للأسف عنّا الحزب بيختصر بشخص وبينتهي مع زوال الزعيم".

وعليه، اعتبرت لولوا أن التعصب السياسي داخل المنزل ليس تعصباً فكرياً وعقائدياً، بل هو تعصب لشخص معيّن يمثل طائفة أو منطقة، بحيث يعتبر المرء أن "زعيمه هو خط أحمر" وذلك يكون في الغالب بسبب مصالح فردية وشخصية: "يصبح الانتماء السياسي هو هوية الفرد الاجتماعية الذي يريد الدفاع عنها بشتى الطرق، ونحن كبشر نبحث عن هويتنا من خلال انتماءاتنا التي تتشكل من خلال ما يسمى في علم النفس Peer pressure، أي تأثير الأغلبية على رأي المرء، ولأننا لا نعرف كيف نحاور ونناقش يصبح هناك تعصب وتشنج فكري، يعني كل واحد بيوقف على متراسه، فننتقل من حرب الشوارع والأسلحة إلى حرب فكرية يستفيد منها الزعماء السياسيون".

"لمّا اعتبر الموضوع إلو علاقة بهويتي رح يكون في عندي ردة فعل عاطفية كل مرة ينطال فيها زعيمي، بمعنى أنو ما بعود فرّق نفسي عن رئيس الحزب أو الزعيم يلي بكون بالنسبة للبعض منزّه عن الخطأ، وبيعتبره أعلى شأناً من سائر البشر"

وفي ظل هذا الوضع السياسي المحقون، أعربت كالويروس عن خشيتها مما يحمله المستقبل لنا وللأجيال القادمة: "السؤال هو إلى أي مدى نربي أجيالاً قادرة على خلق أفكار جديدة مبنية على فكر سياسي وفلسفي، ينطلق منه مفهوم المجتمع والحياة الاقتصادية وحرية وحقوق الإنسان ويعزز حسّ المشاركة بين الأفراد؟".

وختمت لولوا كالويروس حديثها بالقول: "باختصار، لمّا اعتبر الموضوع إلو علاقة بهويتي رح يكون في عندي ردة فعل عاطفية كل مرة ينطال فيها زعيمي، بمعنى أنو ما بعود فرّق نفسي عن رئيس الحزب أو الزعيم يلي بكون بالنسبة للبعض منزّه عن الخطأ، وبيعتبره أعلى شأناً من سائر البشر".

في الختام قد تكون الجدالات السياسية سامة أحياناً أو مؤذية عاطفياً، إذ من السهل أن تشعروا/ن بأن أحدهم ينتقدكم/نّ شخصياً عندما ينتقد معتقداتكم/نّ، لذلك تتخذ هذه الأحاديث طابعاً عاطفياً وحتى شخصياً، هل هذا كله يعني بأنه لا يمكننا أبداً مناقشة المواضيع السياسية مع أفراد الأسرة الذين يختلفون معنا؟ بالطبع لا، بل على العكس يجب أن نجري مثل هذه المحادثات مع الأشخاص الذين يختلفون معنا في التوجهات السياسية، لا سيما بالنظر لمدى الانقسام الذي أصبحت عليه مجتمعاتنا، لكننا نحتاج إلى التعامل مع هذه النقاشات السياسية بعقلية متفتحة وتواصل فعال، من خلال سماع وجهات النظر المختلفة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard