“يخرج في زحمة الصباح لا للعمل ولا للدراسة“... متحرشون في المواصلات العمومية التونسية

السبت 31 أكتوبر 202003:13 م

الساعة تشير إلى السابعة صباحاً، تسير مروة بخطى متثاقلة في اتجاه محطّة السعيدية في العاصمة تونس، تستقلّ المترو الخفيف للذهاب إلى عملها، تتمسّك بحقيبتها خوفاً من تعرّضها للسرقة، فهي تؤكد أنّ "وسائل النقل أصبحت تشكّل خطراً على مستقلّيها، خصوصاً النساء والأطفال".

"أريد الصّراخ بصوت عالٍ"

علاقة مروة (28 عامًا) بالمواصلات العمومية ليست جيّدة، تقول لرصيف22: "أستقلّ المترو مضطرة لأنني لا أملك سيارة، أشعر بالتوتّر والخوف الشديدين وأنا أتوجّه كل صباح إلى المواصلات العمومية".

تتابع مروة، مبرّرة سبب خوفها المفرط: "تعرضتُ للسرقة في المترو مرات عديدة، لكن الأفظع من ذلك أنني كنت ضحية تحرش جنسي من رجال في عمر والدي". تذكر جيداً، قبل أشهر عندما صعدت إلى المترو، وهو مزدحم، كيف التصق بها رجل خمسيني من الخلف، وشرع يتحسّس مؤخرتها، تقول: "اعتقدت في البداية أن ذلك بسبب الازدحام، حاولت الابتعاد، فلحق بي، فهمت حينها أن الذي يقف ورائي متحرش جنسياً".

وتضيف مروة بنبرة حزينة: "ابتعدت مرة أخرى، ونظرت إلى وجهه بغضب، كان المتحرش يقف شامخاً يستمع إلى الموسيقى، وكأنه لم يكن قبل لحظات يعتدي على حرمتي الجسدية، نظرت إليه علّه يفهم أنني عرفت نواياه الخبيثة، لكنه تجاهلني، وواصل النظر من النافذة، وبقيت أنا صامتة، ومهزومة".

"صعد بسرعة ثمّ التصق بإحداهنّ من الخلف، حينها تأكدت أن ذلك الرجل الأربعيني لا يخرج باكراً للدراسة أو العمل بل يخرج للتحرش بالنساء والفتيات في النقل العمومي دون خجل"

"في كل مرة أتعرّض فيها للتحرش في المواصلات أتمنّى لو أنني أستطيع أن أصرخ بصوت عالٍ، وأن أقول للمتحرش "أنت متحرش ومجرم"، لكن لا الزمان ولا المكان ولا المجتمع يسمح بذلك"، تقول مروى.

ترى مروة أن ثمة قوانين تحمي المرأة في تونس من العنف والتحرش الجنسي، لكن معظم الأرقام والإحصاءات تشير إلى أنّ المرأة التونسية تتعرض يومياً لانتهاكات واعتداءات.

"حسبته ابني"

سمية (32 عاماً)، معلمة في تونس العاصمة، تستقلّ المترو كلّ صباح ومعها ابنها ذو الخمس سنوات، تقول لرصيف22: "أتعرض للتحرش يومياً تقريباً، في الصباح الباكر، وفي المساء عند العودة من العمل. حينما يكون المترو مكتظاً يستغل المتحرشون ذلك، ويندسّون وسط الركاب، ليمارسوا أفعالهم القذرة".

وتتابع: "تخيّلي أنّ أحدهم أمسكني من يدي، وبدأ يتحسّسها، ظننته ابني في البداية، لكن حين وجدته كهلاً غطَّى الشيب رأسه، رشقته بنظرة غضب، فتراجع إلى الوراء دون أن ينبس ببنت شفة، فهو يعلم أنه قام بفعل شائن أمام طفلي الصغير".

وتضيف: "لا أقدر على مواجهة المتحرش، أفضّل الصمت، كل ما أستطيع فعله هو النظر في عينيه علّه يخجل، لكنه لا يخجل".

"تجرأتُ على المتحرش، وصرختُ".

على عكس سمية ومروى، تجرَّأت ليلي (24 عاماً) على مواجهة رجل أربعيني تحرّش بها في الحافلة، مستمدة قوتها من الدعوات المتكررة التي أطلقتها وزارة النقل التونسية، والمنظمات الحقوقية لتشجيع ضحايا التحرش على التكلّم، وفضح المتحرشين.

تسترجع ليلى، طالبة بكلية 9 أفريل في العاصمة، ما حصل معها ذات شتاء، تقول لرصيف22: "لن أنسى وجه ذلك الرجل المتحرش ما حييت، يومها كانت الحافلة مزدحمة جداً، كنت منهمكة في الحديث مع صديقي على فيسبوك، فجأة أحسستُ بجسم صلب يلامس مؤخرتي، لم أصدق في البداية، وعندما عرفت صُدمتُ".

وتتابع ليلى: "استغل ذلك الشخص القذر ازدحام الحافلة، وأخرج قضيبه، والتصق بي في غفلة مني، ذعرت، وصرخت في وجهه، واتهمته بالتحرش بي أمام جميع الراكبين، لكنه تحول فجأة إلى ضحية، واتهمني بالكذب والافتراء، وقال صائحاً في وجهي: أنت كاذبة، كيف سأتحرش بفتاة بشعة مثلك، وأنا متزوج وزوجتي أجمل منك بكثير، وبدأ بالاستغفار".

وتضيف ليلى: "صعقت من هول ما سمعت، لم يتجرّأ أحد من الحاضرين على الوقوف إلى جانبي ومساندتي، تجاهلوني، ونظروا إليّ نظرة ازدراء ولوم، حينها أدركت أنهم نبذوني، ووقفوا في صف المتحرش، بكيت كثيراً، لكنني قررت أنني لن أصمت، وسأتكلم وأفضح المتحرشين بأعلى صوت".

متحرش محطة خزندار

"للمتحرشين حكاياتهم وأسرارهم وطرقهم الخاصة في التلون أو في لعب دور الضحية عند اكتشاف أمرهم، لكن لمتحرش "محطة خزندار" حكاية أخرى أغرب من الخيال"، تقول هاجر (30 عامًا).

تضيف هاجر، تعمل بائعة في محل تجاري، لرصيف22: "إنه رجل قصير القامة، ملامحه تقول أنه تجاوز الأربعين بقليل، يخرج في الصباح الباكر، أراه تقريباً يومياً في محطة المترو بخزندار، يلاحق الفتيات والنساء بنظرات غريبة، ويرتدي معطفاً طويلاً في كل الفصول كي لا يُفضح أمام الناس".

"ينتظر المترو الأكثر ازدحاماً، ولا يصعد إلّا في الباب الذي توجد فيه نساء".

وتتابع: "رأيته مرات عديدة عندما كان يتخلّف عن الصعود في المترو الذي لا يكون مزدحماً، يجلس بكل هدوء، ينتظر المترو الأكثر ازدحاماً، ولا يصعد إلّا في الباب الذي توجد فيه نساء".

تواصل هاجر حديثها عن المتحرش الغريب: "ذات يوم بارد أذكر بالتفصيل ما حدث، كان يرتدي معطفاً شفافاً عازلاً لمياه الأمطار، وعندما أتى المترو، وجده مزدحماً بطريقة لا توصف، اختار مصعد إحدى العربات الذي توجد به ثلاث فتيات، صعد بسرعة ثمّ التصق بإحداهنّ من الخلف، حينها تأكدت أن ذلك الرجل الأربعيني لا يخرج باكراً للدراسة أو العمل بل يخرج للتحرش بالنساء والفتيات في النقل العمومي من دون خجل".

وتكمل هاجر: "بقيت لأسابيع أراقب تصرفاته، نعم الرجل يخرج خصيصاً للتحرش الجنسي لأنه يدرك جيداً أنه لن يعاقب على فعلته وأن الضحية لن تتكلم".

حملات ضد المتحرشين

تحاول وزارة النقل التونسية والمنظمات الحقوقية والنسوية العمل على الحدّ من ظاهرة التحرش المُسلَّط على النّساء في وسائل النّقل العمومية، وتشجيع الضحايا على فضح المتحرشين.

ويوجد في الحافلات والقطارات والمترو في تونس لافتات لمناهضة التحرش، مثل "المتحرش ما يركبش معانا" بهدف حماية النساء من العنف المسلط عليهنّ في وسائل النقل.

وتمّ منذ سنة 2018 إطلاق تطبيق "يزينا" (YesZina) للإبلاغ عن حالات التحرش داخل وسائل النقل العمومي، وهي تعمل إلى اليوم، ويظهر التطبيق أيضاً أن 90 في المئة من النساء التونسيات تعرضن للتحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي، نقلاً عن دراسة أعدها "الكريديف".

يقول مروان الدريدي، عضو فريق مشروع (يزينا)، لرصيف22 إن التطبيق يهدف إلى رصد شهادات ضحايا التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي، ويتم بعد ذلك توجيه الضحايا، وتقديم النصح لهن"، ويتابع أنهم سينطلقون قريباً في العمل على رصد شهادات ضحايا العنف الإلكتروني.

"حان وقت التغيير"

تقول راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، لرصيف22: "إن ظاهرة التحرش الجنسي تشهد نسقاً تصاعدياً، مشيرة إلى أنه حان الوقت أن يعترف الجميع بأن التحرش نوع من أنواع العنف".

وتضيف الجربي: "المرأة أصبحت عرضة لجميع أنواع العنف في ظل وجود تشريعات منقوصة، وأخرى غير مفعّلة، وأيضاً في ظل غياب الإرادة السياسية، وسيطرة العقلية الذكورية على المجتمع".

 "تخيّلي أنّ أحدهم أمسكني من يدي، وبدأ يتحسّسها، ظننته ابني في البداية، لكن وجدته كهلاً غطَّى الشيب رأسه"

وتكمل: "في تونس قوانين وتشريعات ونصوص جزائية تناهض العنف المسلّط على النساء، لكنه لم يتمّ إلى اليوم العمل على ردع المتحرشين والمعتدين وإنصاف الضحايا".

وتتابع: "التحرش في المواصلات انتشر بشكل لافت، وهو نتاج فشل الطبقة السياسية في العمل على تغيير عقلية المجتمع، وعدم توفير وسائل نقل عمومية لائقة تحمي النساء والفتيات والمسنات، وعدم الاشتغال على تغيير المسألة الأخلاقية، وإشعار الجميع بقيمة المرأة، ودورها في المجتمع".

وتشرح الجربي أكثر: "عادة ما تختار المرأة الصمت وعدم مواجهة المتحرش، وفي حال وجدت الشجاعة، وأفصحت عمّا تعرضت له، تتحوّل من ضحية إلى متهمة، وعوضاً عن مساندتها والتعاطف معها يتنكّر لها الجميع، سواءً في المواصلات أو في مكان العمل".

"عادة ما تختار المرأة الصمت وعدم مواجهة المتحرش".

وتؤكد الجربي أنّ "العنف المسلط على النساء لا يميّز بين المكان، وأن المرأة عرضة للتحرش في وسائل النقل، وفي الطريق العام، وحتى في أماكن علمها، وحان وقت تطبيق القوانين بصرامة ضد كل المعتدين".

وينصّ الفصل السابع عشر من قانون مكافحة العنف ضد النساء على أنه "يعاقب بخطية من خمس مائة دينار إلى ألف دينار (بين 200 و400 دولار أمريكي) كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في فضاء عمومي، بكل فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها".

وضاعف القانون، الذي صادق عليه البرلمان التونسي سنة 2017، عقوبة التحرّش الجنسي من سنة إلى سنتين، إضافة إلى الترفيع في الخطية من ثلاثة إلى خمسة آلاف دينار، وتتضاعف العقوبة (أربع سنوات) إذا كانت الضحية طفلًا، أو إذا كان الفاعل من أصول أو فروع الضحية من أي طبقة، أو إذا كانت للفاعل سلطة على الضحية أو استغلّ نفوذ وظيفة، وإذا سهّل ارتكاب الجريمة حالة استضعاف الضحية الظاهرة أو المعلومة من الفاعل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard