تصريحات ماكرون والأزهر… أليس الإرهاب أيضاً هو فرض رأيك بالقوة مستغلاً سلطتك؟

الاثنين 12 أكتوبر 202006:17 م

كنت أعلم أن تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التي قال فيها "إن الإسلام دين يعيش أزمة في جميع أنحاء العالم، ولا بد من حل"، لن تُقابل سوى بهجوم وتنديد، واعتبار الرجل جزءاً من مؤامرة على الدين الإسلامي لحساب "الغرب المسيحي واليهودي".

رأيي هذا لا يتعلق بماكرون، سواء أكان مصيباً أم مخطئاً في ما قاله، ولكن يتعلق بالعقلية الإسلامية التي تُفضّل أن تواجه أي انتقاد حول "الإسلام" وبعض مفاهيمه، بانتقاد مضاد، وتكتفي بذلك دون نقاش أو نظر في جوهر ما يقال. وهذا ما حدث حين تصدى لتلك التصريحات شيخ الأزهر، الذي أصدر بياناً يندد فيه بما قاله الرئيس الفرنسي، معرباً عن غضبه من استخدام مصطلح "الإرهاب الإسلامي" ومحذراً من عواقبه، كما اتهم الغرب أنه يكيل بمكيالين. 

لكن شيخ الأزهر، ككثيرين ممن سبقوه لتولي هذا المنصب، لم يسأل نفسه لماذا تتردد تلك التصريحات باستمرار وأي أزمة يعيشها الإسلام في الوقت الحالي؟ وإنْ كان مَن يطلق تلك التصريحات مخطئاً، فهل نحن مسؤولون عن هذا الفهم الخاطئ، والأهم كيف نرد عملياً على ذلك؟ 

تلك الأسئلة غائبة ولم يلتفت لها أحد، أو ربما لا يُراد الالتفات لها، لذلك لم يكن غريباً أنه في الوقت الذي يهاجم فيه شيخُ الأزهر ماكرون ويدافع عن سماحة الإسلام، كانت قوات الأمن المصرية تقوم بالقبض على ثلاثة أشخاص بتهمة الانتماء لجماعة "القرآنيين" ونشر أفكار تثير الفتن!

إن ازدواجية المعايير التي يتعامل بها الأزهر في التصدي لأي تصريحات تربط بين الإرهاب والإسلام بالقول، بينما بالفعل يقوم هو بممارسات إرهابية باسم الإسلام

لا تؤمن جماعة "القرآنيين" بالسنّة النبوية المكتوبة، وترى أن القرآن الكريم كافٍ بالنسبة للمسلمين، والدليل على ذلك أن أجيالاً من الصحابة عاشوا وماتوا قبل تدوين السنّة النبوية، وهؤلاء لا يمكن الطعن في إيمانهم، ناهيك أن السنّة المكتوبة فيها الكثير من المغالطات التي تتعارض مع نصوص القرآن نفسه.

وبعيداً عن صحة أو خطأ أفكار "القرآنيين"، ففي النهاية هذا فهمهم للدين، لكن الأزمة الحقيقية هي تعرضهم لهجوم شديد منذ سنوات، من شيخ الأزهر أحمد الطيب، اتهمهم فيه صراحة بأنهم يهدمون الدين الإسلامي. وفي بلد مثل مصر، هكذا تصريحات تتُرجم إلى حملات أمنية تلاحق كل مَن ينتمي إلى تلك الفرقة الإسلامية. وحدث أن زُجّ بهم في السجون بتهم فضفاضة، مثل "إثارة الفتن" وما إلى ذلك. 

هذا لم يحدث مع "القرآنيين" فقط، ففي 2015 أصدر شيخ الأزهر قراراً بتشكيل لجنة لمواجهة أخطار الشيعة في مصر، ووصف محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء، وهي أعلى المؤسسات التابعة للأزهر، الشيعة بأنهم أخطر على المسلمين من اليهود أنفسهم. 

ويمكنني القول إن تلك الطريقة في التعامل تتكرر مع كل مَن يمتلك رؤية دينية مخالفة للأزهر، سواء جماعات أو أفراد، ففي النهاية يتم اتهامهم بهدم الدين وتشكيل لجان للتصدي لهم ثم ملاحقتهم أمنياً. 

والآن، علينا أن نسأل: أليس الإرهاب أيضاً هو فرض رأيك بالقوة مستغلاً سلطتك الدينية أو المادية للإطاحة بكل آخر يختلف معك، وأن تمنح نفسك سلطة إصدار أحكام على إيمان الآخرين؟ وإذا كان هذا بالضبط ما يفعله الأزهر، فكيف ينفي تهمة الإرهاب عن الدين الإسلامي وهو أول مَن يرسّخها في العالم، وكيف يتهم الآخرين بأنهم أصحاب مكيالين؟!

برأيي، إن ازدواجية المعايير التي يتعامل بها الأزهر في التصدي لأي تصريحات تربط بين الإرهاب والإسلام بالقول، بينما بالفعل يقوم هو بممارسات إرهابية باسم الإسلام، تعود بالأساس إلى قناعات الأزهر بأن الإرهاب يبدأ حين يمسك أحد سلاحاً ويقرر قتل الآخرين بسبب اختلافهم معه، أما ما عدا ذلك فهو ليس إرهاباً.

 اذا استمرت ازدواجية معايير الأزهر، فإن سيل التصريحات التي تتهم الإسلام بالإرهاب وتشير إلى أن لديه أزمة، لن تتوقف، والأهم أن الأزهر سيكون مساعداً قوياً في تدعيم تلك الآراء بأفعاله

الدليل على ذلك، أنه في الوقت الذي أعلن فيه الأزهر مراراً رفضه لكل ما ترتكبه الجماعات المسلحة الإرهابية، وتأكيده أنها تستغل الإسلام لتحقيق أغراضها، نراه يحتفي بشيوخ أفتوا بقتل ملايين من البشر، مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي ومحمد الغزالي، ومبرره أن هؤلاء لم يحملوا أي سلاح، رغم أن أي إرهاب يبدأ أساساً من الفتاوي.

حل تلك الازدواجية لن يكون إلا عن طريق رفع الوصاية الدينية من قبل المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر، حتى لو أدى ذلك لفقده جزءاً كبيراً من سلطته الروحية غير المطلوبة من الأساس، والاقتناع بأنه ليس هناك جهة بإمكانها احتكار الدين وتحديد كيف يعبد الناس ربهم، وحين يفعل ذلك سيكون على الأقل قادراً على الدفاع عن سماحة الإسلام. 

أما إذا استمرت تلك الازدواجية، فإن سيل التصريحات التي تتهم الإسلام بالإرهاب وتشير إلى أن لديه أزمة، لن تتوقف، والأهم أن الأزهر سيكون مساعداً قوياً في تدعيم تلك الآراء بأفعاله، مهما أصدر من بيانات تنديد، ففي النهاية العالم يرى ما تفعل لا ما تقول. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard