بين حمص وبرلين… سيارة "سكودا بيك أب" هُناك ومحل حلاوة الجبن "داماسكوس" هُنا

الخميس 8 أكتوبر 202004:25 م

السيارة والموسيقى وطريق العودة من النادي الرياضي. شارد الذهن، هرمونات سعادة ما بعد الرياضة تغني مع ما تيسر من صوت مولانا الشيخ محمد عمران. طريقي في برلين إلى النادي الذي أسميه "الكهف" يمر عبر ثلاثة بيوت قد سكنتها من قبل في المدينة.

 أحياناً، في لحظات الشرود مع ما يسكرني من طرب، اقترب من الالتفاف والذهاب إلى أحد البيوت السابقة، فأضحك على نفسي واستمتع بلحظة من الجذور والذكريات. فهذا البيت قد سكنته مرة واشتريت حاجاتي من هنا. وعدت من عند أصدقائي وركنت السيارة هنا. ومرة زارني منار وأقام على السرير الإضافي هنا وتكلمنا، طبعاً، عن الموسيقى هنا، ولم أجد مرات كثيرة مكاناً لركن السيارة هنا. هنا احتفلت بذكرى تلك المسرحية التي قدمتها هناك، وهناك كتبت فيلماً قصيراً لم أزل أحاول إنتاجه هناك، وهنا تقيم الجدة التي أصبحت جدتي في الغربة، وهذا بيت بنت خالتي التي أصبحت أمها خالتي الغربوية هنا، وهذا مكاني المفضل للقاء الزملاء وهذا خط المترو المفضل هناك.

طيب، هل من الممكن أن تصبح برلين مخزناً للذكريات كافياً ليعوض عن العدية الأصلية حمص؟ 

أربع سنوات في برلين، تتلخص في مشوار واحد بين "الكهف" والبيت الحالي الأخير. في هذا الطريق الذي حاولت حياتي في العدية برلين، والعدية هي كل مدينة سكنتها في ألمانيا، إنشاء حياة كاملة تقابل حياة كاملة في العدية حمص، مدينة الشمس كما أسميها دائماً في نصوصي.

طيب، هل من الممكن أن تصبح برلين مخزناً للذكريات كافياً ليعوض عن العدية الأصلية حمص؟ 

الاحتكاك يولد الأفكار، والاحتكاك يولد الذكريات. والأسئلة تطرح من تلقاء نفسها دون رغبة من صاحبها. إذاً هل تصبح برلين مدينتي؟ هل أستطيع العيش بين المجتمعات والهويات بشكل متناسق وهارموني؟ بين اللهجة السورية مع الأصدقاء الأحباء كاتمي السر وقد ازداد عددهم في برلين، وبين الأصدقاء والأحباء ناطقي الألمانية، وبين لغة الراحة الإنجليزية الرابطة بين كل الأصدقاء؟

كيف سيكون لون شعر أولادي؟ بنياً محروقاً مجعداً أم أشقر سابلاً سهل التسريح كشعر أمهم؟ أمهم؟ هل أمهم تلفظ الراء سورياً أم ألمانياً؟ لا، لا تجعل الموضوع معقداً أكثر مما هو عليه يا أستاذ! المشكلة أن تجعل اسمها قابلاً للفظ من الألمانية للحمصية مع لمسة سويدية. 

كيف سيكون لون شعر أولادي؟ بنياً محروقاً مجعداً أم أشقر سابلاً سهل التسريح كشعر أمهم؟ أمهم؟ هل أمهم تلفظ الراء سورياً أم ألمانياً؟ لا، لا تجعل الموضوع معقداً أكثر مما هو عليه يا أستاذ! المشكلة أن تجعل اسمها قابلاً للفظ من الألمانية للحمصية مع لمسة سويدية

ولكني أحب التعقيد. طيب، في حال كانوا مجعدي الشعر بلون أشقر فكيف سأحدثهم عن حمص؟ عن جدي الذي سافر بعربته بين الأرياف بمسرحية عنوانها لا ترهب حد السيف؟ أي سيف؟ فهنا لا سيف ولا حد ولا حمص. طيب، ماذا عن الطريق بين الكهف والبيت؟

كيف سأصف جدي الأنيس الأول وهو جالس أمام محله التاريخي أمام الجامع الكبير وهو يتصيد أصحابه، ولاد السوق، بخفة دمه اللاذعة متسائلاً في أي منزول، الكلمة الحمصية عن بيت أو عزلية مخصصة للضيافة، ستكون السهرة؟ كيف سأصف كيف كان يغني لستي مؤلفاً أغاني لاذعة وبعدها يلتفت إليّ، ويقول: "صحي جدك هداك"، ويقصد البلبل، و"هو فنان، بس وأنا كمان فنان". ثم يكمل تعليمي بعض الكلمات اللاذعة.

في بداية 2017 كنت في حفلة لكورال حنين، وإحدى الأغاني التي قدموها كانت "سنعود يوماً"، فالتفت لمن كانت قربي كشريكة وقلت: "لقد حوّلنا هذا الكورال إلى فلسطينيين!".

 حتى أنا لم أستوعب تماماً صعوبة الجملة، فقد كانت تعني أننا، كما صديقي الفلسطيني اللبناني الذي لا يعود لزيارة فلسطين إلا كألماني، لن نزور مدينة الشمس مرة ثانية. الأصعب أن جواز السفر الأحمر بكل جبروته لن يسمح لي بأن أكون ممرضاً لأحد أصدقائي وأقربائي (وأنا ممرض ممتاز).  حتى الجواز الأحمر بكل قوة النسر الذي عليه، لن يسمح لي بأن أزور مسرحاً فقيراً لا يملك أي تقنيات في حمص المغدورة. 

في زمانٍ مضى كانت أصعب وأجمل الأحلام أن يشتري الحمصي سيارة سكودا بيك أب موديل 1995 ويفتح محل جينز ويتزوج فتاة "كربوجة" وبيضاء وبنت عيلة، من "حركات جوات السور".

 هذه الأحلام البسيطة لم تكن أحلامي الشخصية، فقد كنت أحلم أن أحول حمص لأثينا أو نابولي مع صعوبة استجرار البحر المتوسط لطرف حمص الغربي، وهذا على ما يبدو كان أمراً صعباً، لا أقصد إحضار البحر لحمص فهذا أمر سهل على ما يبدو مقارنة بمحاولتي تغيير البلد التي أدت لخسارتي البلد نفسها والعدية وأغلب أصدقائي.

 تخيلوا أن إحضار البحر لضفة حمص أو نقل حمص لضفة البحر أسهل من نقل المدينة والبلد زمنياً لنعيش في القرن الحالي كما يعيش الجميع. تخيلوا أن نقل البحر مسافة لا تتجاوز خمسة وثمانين كيلومتراً هو أسهل من السماح للناس بوضع ورقة في صندوق خشبي، أو ما يسميها البشر صندوق الاقتراع. 

أي أن مقارعة البحر أسهل من مقارعة الصندوق، لا ننسى سخرية اللغة حيث مقارعة البحر أيضاً تكون بصندوق يسمى سفينة! فالمقارعة، المشابهة لكلمة اقترع، اقتراعاً فهو مقارع على قارعة الطريق، أدت لمشكلة اختيار لون وشكل شعر طفلي! 

أحياناً أظن أن هذه الأفكار معقدة ولكن على ما يبدو ما زلت بسيطاً وأني... آسف لا أستطيع إكمال الكتابة، فقد وصلت لبيتي الحالي في برلين الفقيرة الجامحة قرب محل حلاوة الجبن الحمصي المفضل المسمى "داماسكوس".

 تخيلوا أن إحضار البحر لضفة حمص أو نقل حمص لضفة البحر أسهل من نقل المدينة والبلد زمنياً لنعيش في القرن الحالي كما يعيش الجميع. تخيلوا أن نقل البحر مسافة لا تتجاوز خمسة وثمانين كيلومتراً هو أسهل من السماح للناس بوضع ورقة في صندوق خشبي، أو ما يسميها البشر صندوق الاقتراع

 كيف سأشرح لأولادي أنه من الطبيعي على الحمصي أن يسمي محله "داماسكوس" أو "عين ترمة" وإلا شككت في حمصيته! 

كيف سيفهمون غرابة أصدقائي الدراويش الذين يأتون من مدينة الشمس حمص، كما أسميها دائماً في نصوصي، حين ينظرون إلى جهة اليسار ويدورون دورة شبه كاملة للتحدث مع شخص على جهة اليمين؟

 لحظة، لا يزال الحلم البسيط في محل الجينز وبيك آب السكودا الأبيض، وحتى الأخضر كان مميزاً يذيب قلوب الكربوجات، لا يزال الحلم يبدو جميلاً في طريق الليل من "الكهف" إلى المنزل الحالي عبر النصف الشمالي من برلين العدية. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard