كلمات الرئيس... أزمة التمثيل السياسي والكتّاب الأشباح

الخميس 8 أكتوبر 202005:42 م

عام 1920 وأثناء إحدى جولاته الانتخابية، بدا أن المرشح الرئاسي الأمريكي وارن. ج. هاردينج، يناقض ذاته ولا يتفق مع الكلمات التي يرددها، إذ أشار إلى الورقة التي يقرأ منها وقال: "لم أر هذا من قبل، لم أكتب هذا الخطاب، كما أني لا أؤمن بما أقوله!".

ما نحاول أن نشير له عبر هذه الحادثة هو الأصوات المتعددة التي يمتلكها الرئيس أو أي رجل حاضر ضمن خطاب السلطة الرسمي، وينتمي إلى الفئة التي يمتلك كلامها قيمة سياسية وأدائية على أرض الواقع. تعدد الأصوات هذا نتحدث عنه بمعناه الحرفي لا النقدي، وينشأ عادة بتأثير الكتاب الأشباح، وهم أفراد مُقرّبون من الرئاسة أو السياسيين، ومسؤولون عن "كتابة" ما يقال لنا علناً على لسان من يدّعون تمثيلنا، ونستثني من هذه المقاربة ونستون تشرشل، الذي حاز عام 1953 على جائزة نوبل للأدب، بسبب "براعته في الوصف البيوغرافي والتاريخي وقدرته الخطابية في الدفاع عن القيم الإنسانية".

الكتّاب الأشباح هم أفراد مقرّبون من الرئاسة أو السياسيين، ومسؤولون عن "كتابة" ما يقال لنا علناً على لسان من يدّعون تمثيلنا، لذلك يمثلون جزءاً جوهرياً من أي حملة انتخابية أو سياسية

يمثل حالياً أولئك الأشباح جزءاً جوهرياً من أي حملة انتخابية أو سياسية، وأخذت وظيفتهم مع ترامب شكلاً جديداً، وصلت إلى حد وصف سياسته الخارجية بأنها "حرب الميمز"، كما حصل بينه وبين قاسم سليماني، والتهديدات التي تبادلاها عبر صور مستوحاة من مسلسل "لعبة العروش"، إذ حول ترامب تويتر إلى مساحة للخصومة السياسية، أساسها السخرية وتبادل الاتهامات والأكاذيب. هذا التوظيف لوسائل التواصل الاجتماعي يعني الحضور الدائم أمام شاشة الهاتف، والنشر والرد والتعليق بصورة دائمة، ما ترك الكثيرين أمام سؤال: "متى يقوم ترامب بإدارة البلاد؟".

إشكالية هذه التقنية هي أن حساب ترامب على تويتر يمثل الرئاسة لا شخصه فقط، أي يخضع لمعايير سياسية تختلف عن تلك التي يمتلكها المستخدم العادي. مثلاً، لا يحق لترامب أن يحظر أحدهم كون ذلك يعني حرمانه من الوصول إلى المعلومات الرسمية، لكن السؤال هل فعلاً يقوم ترامب بكتابة كلّ تدويناته؟ هل صحيح ما يقال إنه يستيقظ ليلاً ليغرد بشيء ما ثم يعود للنوم؟

نعم ولا، الإجابة عن السؤال السابق، خصوصاً حين نعلم أن الحسابات الرسمية، يتم التعامل معها بذات الأسلوب الذي يتم التعامل فيه مع البيان الرسمي، أي أنها جزء من الخطاب السياسي الذي يدخل في الأرشيف الرسمي الرئاسي، لكن ترامب وغيره لا يمتلكون الوقت الكافي لدراسة أثر كل تغريدة على "الشعب"، ولا الوقت الكافي للرد والتعليق على كل ما يحصل في "العالم"، وهنا يظهر في حالة ترامب "دان سكافينو"، مدير حسابات التواصل الاجتماعي للبيت الأبيض، والذي كان سابقاً مساعد ترامب أثناء لعب الغولف، والذي يعتبر مع اثنين غيره مسؤولين عن حساب ترامب الرسمي @realdonaldtrump، إذ شوهد سكافينو عدة مرات يلتقط صوراً للرئيس ولمناصريه وينشرها على الحساب الرسمي، في الوقت الذي يلقي فيه ترامب واحدة من خطبه، أي لم يكن ترامب نفسه من يمسك بالهاتف.

يمكن النظر إلى سكافينو ومن معه ككتاب أشباح لكنهم مرئيون، أي هوياتهم معروفة، لكن الإشكالية هي أن الحساب الرسمي للرئيس يمثل نظرياً "صوت الرئيس"، أي كلامه المباشر ورأيه وانطباعاته، لكن الانفصال بين صوته الذاتي وكلماته المكتوبة بسبب دور الكاتب الشبح يجعلنا أمام إشكالية: من يكتب ما نقرأ؟ ترامب أم أشباحه؟ خصوصاً أن الجدل والإساءات والتناقضات الهائلة في حساب ترامب تهدد مفهوم "كلام الرئيس" ومدى مصداقيته، كون كلامه، سواء كان مكتوباً أو منطوقاً، يعتبر "حقيقة" من نوع ما وذا أثر على الواقع.

ما يعني أن "كلمات" الرئيس في حال تدخّل الكاتب الشبح ليست ملكه، هو يرددها فقط، ولا نحاول القول إن ترامب هو أول من ابتدع هذا الأسلوب، لكن الحالة التي وصل لها الخطاب الرسمي الذي يقدّمه شكلت تساؤلاً عن قدرة الرئيس على التعبير عن ذاته، بكلماته الخاصة وأفكاره الذاتية، كما حصل مع جورج بوش الابن الذي اتهم بأنه لا يجيد القراءة والكتابة، وهنا تتكرر نفس الإشارة، وهي أن ما يقال لا يعبّر بشكل كامل عن شخص الرئيس، بل خطاب مدروس لا يمكن لشخص الرئيس إنتاجه لوحده.

سؤال الأصالة وثقافة الرئيس

مع تصاعد سطوة وسائل التواصل الاجتماعي وضرورة وجود السياسي، أو من يشبهه، في الفضاء العام، أصبح سؤال الأصالة يتردد بكثرة، خصوصاً أن شخص الرئيس أمام تحد معرفي يتمثل بضرورة امتلاك القدرة على إعطاء الرأي بكل ما يحصل في العالم، وهنا تظهر إشكالية أخرى يسببها هؤلاء الكتاب الأشباح أو غير الأشباح.

يساهم الكتّاب الأشباح بخلق إحساس زائف بأصالة الرئيس ومعارفه المختلفة، التي لا تكون ملكه في كثير من الأحيان

هم يساهمون بخلق إحساس زائف بأصالة الرئيس ومعارفه المختلفة التي في كثير من الأحيان لا تكون ملكه، وهذا ما نراه مع ترامب ذاته، الذي يصف الاحتباس الحراري بالخدعة الصينية للسيطرة على أمريكا، فترامب يتحدث في "العلم" ويصف المؤسسة العلمية بالخدعة. هذه الكلمات المنشورة على تويتر تتحول إلى وثيقة تاريخية، جنباً إلى جنب مع تغريدته التالية: "إن لم تكن هيلاري قادرة على إشباع زوجها فكيف يمكن لها إشباع أمريكا"، في إحالة إلى خيانة بيل كلينتون لهيلاري مع مونيكا لوينسكي. هذا الذمّ والكلمات التافهة جزء من الأرشيف الوطني للرئاسة، ولا نحاول هنا أن نسخر أو نطالب بالجدية، بل نطرح سؤال التمثيل: هل هذه الكلمات تمثل فعلاً جميع من صوتوا لترامب؟

إن كان الصوت الفردي للرئيس أو المرشح عرضة للتضخيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية ليغطي أكبر قدر ممكن من الأحداث، ولمخاطبة الفئة الأوسع من الناس، يظهر الكتاب الأشباح لا فقط كمن يقدمون مقترحات، بل كأولئك المسؤولين عن الكلمات الرسمية ذاتها، الكلمات التي تقسم العالم وتصنفه وتُكسب السياسة معناها. هؤلاء الكتاب هم أولئك الذي يكسبون الشخص الرئاسي خصائص معرفية تظهر في الكلمات والتعليقات العلنية والأسلوب الذي تُصاغ به الجمل، خصوصاً أن هناك كلمات وجملاً تدخل التاريخ لشدّتها ووقعها، كعبارة جون كيندي الشهيرة: "لا تسأل ما الذي يمكن لوطنك أن يقدمه لك، بل أسأل ما الذي يمكن أن تقدمه إلى وطنك"، والتي تُعزى إلى تيد سورينسون، كاتب خطابات كيندي حينها، والذي يحاول ألا ينسب كل الخطاب لنفسه، بل يشير إلى دور كيندي في صياغته.

مع ذلك نطرح هنا سؤال عن البلاغة وقدرة السياسي التعبيرية في عصرنا الحالي، والتي كانت سابقاً جزءاً جوهرياً من ترشحه. هذه المهارات اللغوية كانت جزءاً من عمل الخطيب والمحامي والسياسي في أول أشكال الديمقراطية اليونانية، والتي تختزل في القدرة على الإقناع عبر الكلمات والخطابة والمجازات.

المسافة بين ما يقال وبين صاحب القول تشعل أيضاً حرباً سياسة واتهامات متبادلة ترتبط بسطوة وصوت الفرد، إذ يتهم ترامب بايدن بأنه ليس هو من يكتب على تويتر، وهذا ليس بالجديد، لكن صيغة الاتهام تعني أن هناك مسافة بين الفرد نفسه وبين كلماته، هذه المسافة تفتح الباب أمام الشك، وقدرة الفرد على تمثيل من يمثلهم، فهل هو حقيقة يتحدث بصوتهم، أي هل يمثل السياسي أصوات أولئك الذي انتخبوه أو رشحوه؟ إن كانت كلماته التي من المفترض أن تخاطبهم، لِمَ لَمْ تكتب من قبله؟

هذا السؤال الساذج يتضح أثره في الأنظمة القمعية كما سنرى لاحقاً، لكن مجرد وجود هذه المسافة، يحول الفرد أو المرشح إلى صورة فقط، تنطق ما لا يتطابق مع صوتها، هذه المسافة تثير الشك بمفهوم التمثيل نفسه وتضعف موقف المرشح وتشكك بمهارته الأهم، ألا وهي القدرة على الإقناع، والتي إن تلاشت، وهذا ما حصل مع ترامب نفسه، تنسف أهمية التصويت، وتتحول العملية الديمقراطية إلى وظيفة تتعلق بالعلاقات العامة لا القدرة على تمثيل الشعب والحديث بصوته، بالتالي هل فعلاً يختزل هذا "الصوت" أصوات الآخرين، أم أن هناك ماكينة تتحرك وراء السياسي وتلقنه الكلمات التي قد لا يكون مقتنعاً بها، كحالة هاردينج في العشرينيات من القرن الماضي؟ الجواب ببساطة نعم، فترامب لم يفز بالتصويت الشعبي، بل بأصوات ممثلي الولايات الكبرى.

الصوت الذي لا يمثل أحد

يقال في سوريا إن خطابات حافظ الأسد كان يكتبها إسكندر لوقا، ويشير الكاتب الساخر خطيب بدلة إلى هذا الأمر في مقال له بعنوان "كذلك قال الأسد"، ويقدم مقارنة بين أسلوب إلقاء بشار الأسد لخطبه وتعديلاته الشخصية عليها، وبين أسلوب حافظ الأسد الذي يتصف بـ"حيادية مفرطة، ومن دون حركة، وبنبرة صوت رتيبة، لا توجد فيها أية اهتزازات طالعة أو نازلة، ووجه يابس، رؤيتُهُ تجعل الأطفال المشاهدين يَخْرَؤُون في حَفُّوضاتهم هلعاً مما تتضمنه من تهديد ووعيد وتَكَبُّر".

يقال أن اسكندر لوقا كان الكاتب الشبح الذي يعد خطابات الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، ولهذا أشار الكاتب الساخر خطيب بدلة إلى أسلوب إلقائه الذي يتصف بحيادية مفرطة ونبرة رتيبة ووجه يابس يهلع من رؤيته المشاهدون لما فيه من تهديد ووعيد

ما يهمنا في هذه الإشارة إلى المعرفة العامة بمن يكتب الخطاب الرسمي، هو قدرتها على تعميق الهوّة بين "الشعب" ومن يدعي" تمثيله"، هذه الهوة تحول كلمات الرئيس من صيغة سياسية تعبر عن الشعب وموقف السيادة إلى كلمات لا تعبر عن أحد، أي يستمع لها الناس ويدّعون تصديقها دون الإيمان بها حقيقة. هذه المسافة تنفي التمثيل، وتجعل من صوت الرئيس صوتاً ليس بالأصيل، أي لا يتطابق معه ولا يتطابق مع تطلعات المستمعين الذين يدّعي تمثيلهم، أشبه بخطاب ساخر لكاتب شبح، تلقيه "صورة" لا تؤمن بما يقال، لتكون الكلمات ساخرة، متهكمة، لا تمثل أحداً، فقط صوت يتكرر وينفي أي صوت مختلف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard