"بيتي هو المساحة الآمنة"... كيف ننشغل بقضايا الرأي العام دون أن نضطرب نفسياً؟

الثلاثاء 6 أكتوبر 202004:51 م

في نهاية عام 2014، وتحديداً في شهر كانون الأول/ديسمبر، وجد الصحافيون الباكستانيون أنفسهم في مأزق نفسي كبير، عندما اقتحم مسلحون من حركة طالبان الإرهابية، مدرسة حكومية في مدينة بيشاور، وقتلوا 144 طفلاً تحت سن الـ16 عاماً، ولم تكن تغطية جنازات الضحايا هي نهاية عملهم، بل ربما كانت البداية.

صرح الدكتور ميان موكتارول عازمي، الطبيب النفسي البازر، لـBBC أن "واحداً من أكبر مستفيات بيشاور قدم العون النفسي لأكثر من 500 شخص هم آباء وأمهات وأطفال، عانوا القلق والاكتئاب واضطرابات شديدة ما بعد الصدمة"، ولكنه يعتقد أن عدد الأشخاص المتضررين يصل لآلاف، من بينهم صحافيون.

فعلى مدار عام كامل، شارك عدد من الصحافيين في إنجاز مشروع إعلامي، كان هدفه تقديم لمحات من حياة كل ضحية، وهذا المشروع تطلب زيارة كل عائلة، ومعرفة المزيد عن الضحايا. قال بعض الصحافيين إنهم كانوا يبكون عندما يبكي والد إحدى الضحايا، وعانوا من الكوابيس، وشعروا بأنهم يفقدون عقولهم. تحدثوا عن التجربة باعتبارها "الرعب ينفجر في ساحاتهم الخلفية"، كما دونت الصحافية الباكستانية عتيقة رحمن.

"أصبح لديّ ما يشبه متلازمة رجل الكهف، لا أريد سوى البقاء في المنزل لأن خارجه شروراً ستطولني بشكل أو بآخر"

حالة التورط العاطفي التي عانى منها صحافيون باكستانيون ليست مقتصرة عليهم فقط، ولا على التغطيات الإعلامية بل تمتد لتطال النشطاء الحقوقيين والمشتبكين مع القضايا العامة من المدونين على مواقع السوشال ميديا. ولأن المشهد المصري يضج بالكثير من قضايا العنف والتمييز والانتهاكات، فإن كل مشاركة في قضايا الشأن العام مرشحة لتكون مصدراً للضغط العصبي والنفسي.

متلازمة رجل الكهف

"أكثر ما يؤذيني نفسياً هو متابعتي الدائمة لقضايا الاعتداءات الجنسية التي تفجرت أخيراً"، تقول الناشطة والمدونة النسوية، آلاء الكسباني (27 سنة)، من الإسكندرية.

وتضيف: "كنت أتخيل مع بداية انتشار وباء كورونا، وعملي من المنزل، أنها ستكون فترة راحة وابتعاد عن أي ضغط عصبي ونفسي، ولكن مع بداية موجة نشر شهادات ضحايا التحرش والاغتصاب على السوشيال ميديا واكتشاف تورط عدد كبير من الحقوقيين والصحافيين الذين كنا نعتبرهم في مرحلة ما، نموذجاً يحتذى به، حدث معي العكس، فتضخمت مخاوفي من التعرض لأي أذى، بل أصبح يطاردني هاجس أنني إذا خرجت من المنزل فسأصبح واحدة من الضحايا، وأنني بالضرورة سأتعرض لأي نوع من أنواع الاعتداء، وليس هناك ما يحميني، فكل مكان نذهب إليه نشعر أننا مهددات بالانتهاك، حتى لو ذهبنا لفنادق الـ5 نجوم، لن نسلم أيضاً" في إشارة منها لقضية الاغتصاب الجماعي في فندق فيرمونت.

"توجد حالة من التطبيع مع الاعتداءات الجنسية، لدرجة أن هناك ضحايا أطفال".

وتقول الكسباني لرصيف22: "الأمر محبط لأقصى درجة، فعندما نرى الجهود المبذولة من التيار النسوي المصري ضد تلك الجرائم، ورغم ذلك فإنها متأصلة في ثقافة المجتمع، وهناك حالة من التطبيع مع الاعتداءات الجنسية، لدرجة أن ثمة ضحايا أطفال، لذلك أصبحت طوال الوقت أشعر كأني إذا خرجت من المنزل سأتعرض لشيء ما".

توضح الكسباني تأثير ما تتابعه على شخصيتها، وروتين يومها قائلة: "أصبح لدي ما يشبه متلازمة رجل الكهف. لا أريد سوى البقاء في المنزل لأن خارجه شروراً ستطولني بشكل أو بآخر، وما يؤلم حقاً، أنه لو حدث هذا، فليس أي نسبة من الأمان بأن هناك من سيدعمك أو يقف في صفك، بل العكس، سيظلون يبحثون عن دليل إدانة، علما أنه ليس هناك نساء من أي طبقة محميات".

"لن أعود شخصاً طبيعياً"

تحكي الكسباني أنه لم يتوقف شعورها بالتهديد والخطر عند حدود منزلها، بل امتد أثره ليلقي بظلاله على قرار الإنجاب، فرغم كل الضغوط التي تتعرض لها لتنجب طفلاً فإنها تتساءل طوال الوقت: "ماذا لو أنجبت فتاة، كيف سأوفر لها بيئة آمنة، تختار هي فيها ما يحدث في حياتها دون أن يمسها أي أذى أو أن يجبرها أحد على شيء لا تريد فعله؟".

وتتابع الكسباني: "كل من يضغطون عليّ لا يتفهمون مقدار خوفي من شعور العجز عن حماية أطفالي، إذا كنت غير قادرة على حماية نفسي فكيف سأحمي طفلي خاصة لو كان فتاة".

"أصبحت مهووسة بالخوف على أختي، فهي تعمل مصورة فوتوغرافية، وكلما سافرت إلى مكان ما لتصور فيه، أو تحضر حفلة أو زفاف، لتؤدي عملها، أظل قلقة عليها وأنتظر وصولها للمنزل بسلام، لأنني متيقنة أن المنزل هو المكان الوحيد الآمن. لن أعود لأكون شخصاً طبيعياً مرة أخرى، بعد كل ما قرأته ودونته من شهادات الضحايا خلال الشهور الماضية".

تواصل آلاء الكسباني حديثها مع رصيف22: "أكثر ما يرعبني أن هناك أشخاصاً يسمون أنفسهم دعاة أو شيوخاً على رأسهم عبدلله رشدي، يبررون للتحرش والاغتصاب من منطلقات دينية. حقاً شيء مرعب".

"بدأت أشعر إنني أحتاج لمساعدة متخصص في الطب النفسي، حتى أنجح في تجاوز كل ما حدث لي، ولكن حتى هذا أصبح محفوفاً بالخوف والخطر بعدما تم فضح الطبيب النفسي المتحرش في طنطا، فحتى رغبتي في اللجوء لطبيب نفسي أصبحت ثقيلة وصعبة"، تنهي الكسباني حديثها.

"انعزلت في منطقة نائية"

يتحدث نادر. ن. (22 سنة) طالب بكلية الصيدلية، من الإسكندرية، مدون ومهتم بالشأن العام، عن مدى تأثره العاطفي بقضية الناشطة سارة حجازي، التي أقدمت على الانتحار في منتصف حزيران/يونيو من العام الجاري.

يقول نادر: "انتحار سارة سبب لي الكثير من الضيق والاختناق، ولأننا بالطبع كنا في حالة من الحجر المنزلي معزولين، ونولي السوشال ميديا تركيزاً أكبر من المعتاد، الأمر الذي دفعني لإدراك قسوة البشر أكثر من ذي قبل، وهذا ما جعلني أشعر بالعزلة وعدم الأمان، ورغم أنها لم تؤثر على تعاملاتي اليومية، غيرت نظرتي لكل من حولي. آلاف التعليقات والمنشورات لم يكتف أصحابها بما عانته سارة في حياتها وسجنها، بل استمروا في هذه الهجوم عليها حتى بعد وفاتها".

"بدأت أشعر إنني أحتاج لمساعدة متخصص في الطب النفسي، ولكن حتى هذا أصبح محفوفاً الخطر بعدما تم فضح الطبيب النفسي المتحرش في طنطا، فحتى رغبتي في اللجوء لطبيب نفسي، أصبحت ثقيلة وصعبة"

بالتأمل والتفكير واقعي، استطاع نادر أن يتجاوز تلك المرحلة الصعبة، يروي لرصيف22 رحلته تلك: "انعزلت في منطقة نائية في الاسكندرية تسمى الكينج مريوط، واستغللتها للتأمل، وبعث الهدوء لنفسي، والابتعاد عن متابعة السوشال ميديا، وهو ما ساعدني في خلق حماية نفسية داخلية من كل ما يمكن أن آراه أو أقرأه، ففي النهاية تبرز أصحاب الأصوات العالية والعنيفة والغوغائيين على السوشال ميديا، مجتمعنا بات عنيفاً وقاسياً على أي شخص مختلف، وفي النهاية، هذا أمر واقع، ولكن السؤال كيف نتجاوزه ونستمر".

قلق دائم وضغط عصبي

بالطبع لا يمكن أن تخلو صفوف المتورطين عاطفياً من الصحافيين، تقول إيمان.ع. وهي صحافية وباحثة إعلامية مهتمة بمتابعة قضايا الصحفيين المحبوسين، (27 عاماً)، من القاهرة: "متابعة القضايا التي تهتم بها المنظمة التي أعمل بها تؤثر علي بشكل كبير، ليس بالأذى النفسي فقط، وإنما كذلك بدخولي في حالة من القلق الدائم والضغط العصبي، حتى شعرت بأنني غير قادرة على العمل أو المتابعة، فطلبت اعفائي، وبالفعل تم تكليف زميل آخر، ولكن كما يقولون "الطبع غلاب"، فاضطررت للعودة للعمل على ملف الصحافيين المحبوسين، لأنني في الحقيقة، أهتم بهذه القضايا، وأشعر وكأنها تمسني أنا شخصياً، خاصة عندما يكون هناك صحافية بين المحبوسين".

"ليس أمامي سوى الإجازة والابتعاد عن السوشال ميديا".

وتتحدث عبدالفتاح لرصيف22 عن كيفية تجاوزها المشاعر السلبية التي تلحق بها بسبب طبيعة عملها، تقول: "ليس أمامي سوى طلب إجازة من الحين للآخر، أو الابتعاد عن السوشيال ميديا وغلق حسابي الشخصي على فيسبوك، لأنني مشتركة في كافة الغروبات الخاصة بالمقبوض عليهم من الصحافيين، ومتابعة لأهاليهم الذين يحكون في منشوراتهم عن الزيارات في السجن وما يحدث خلالها".

تشعر عبد الفتاح كثيراً بالإحباط أثناء متابعتها الصحافية، وتقول إن هذا الشعور يصيب أهالي المحبوسين أيضاً، وتقول: "حتى النشر الإعلامي وتعريف الرأي العام، لم يعدا محركين للتغيير، كل هذا كفيل بأن يصيب أي شخص بالإحباط والحزن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard