"نبدو أكبر من عمرنا"... كيف يمكن لأنماط التفكير أن تصيبكم بالشيخوخة المبكرة؟

الخميس 17 سبتمبر 202006:18 م

كيف يمكن لشخص ما أن ينعم بصحة جيدة، بينما تبدأ علامات التقدم في العمر بالظهور مبكراً على شخص آخر؟

لطالما شغل هذا السؤال بال البشر منذ آلاف السنين حتى يومنا هذا، واللافت أنه في الآونة الأخيرة، أصبح واضحاً للعلماء أن الاختلافات في معدلات الشيخوخة لدى الناس تكمن في التفاعلات المعقدة بين الجينات والعلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة، بحيث أن الطريقة التي يعيش فيها المرء يمكن أن تؤثر على جيناته، بمعزل عن الجينات التي يحملها بالأصل.

التيلومير والشيخوخة

في كتاب The Telomere Effect: A Revolutionary Approach to Living Younger, Healthier, Longer، تحدثت كل من إليزابيث باكبرن، عالمة الأحياء الحائزة على جائزة نوبل في الطب في العام 2009، وأخصائية علم النفس، إليسا إبل، المهتمة بدراسة الإجهاد والشيخوخة والسمنة، عن تأثير التيلومترات على عمر الخلايا وعلى الشيخوخة.

يحتوي طرف كل كروموسوم في الخلايا على تيلوميرات تلعب دوراً في عملية الشيخوخة، بحيث يتناسب طول التيلومير مع عدد مرات الانقسام ومع عمر الخلية، فمع تقدم الخلايا في العمر يتقلص طول التيلومير تدريجياً حتى يصل إلى أدنى حجم له، وهذا يعني توقف الانقسام والنمو وموت الخلايا.

وعليه، اعتبرت باكبرن وإبل بأنه كلما كانت التيلوميرات أطول كلما زاد العمر والعكس صحيح.

واللافت أنه يمكن إطالة التيلوميرات، ما يعني بوضوح بأن الشيخوخة هي عملية ديناميكية يمكن تسريعها أو إبطاء سرعتها.

كيف يمكن لشخص ما أن ينعم بصحة جيدة، بينما تبدأ علامات التقدم في العمر بالظهور مبكراً على شخص آخر؟

وبحسب ما جاء في الكتاب، فإن الشق المثير للانتباه أن التيلوميرات لا تنفّذ ببساطة الأوامر الصادرة عن الشفرة الجينية، بل "تسمع لنا"، فالأطعمة التي نتناولها، كيفية استجابتنا للتحديات، مقدار التمارين الرياضية التي نقوم بها، وغيرها من العوامل تبيّن أنها قادرة على التأثير على التيلوميرات الخاصة بنا، كما يمكن أن تمنع إصابة الخلايا بالشيخوخة المبكرة.

من هنا يمكن القول إن أحد مفاتيح التمتع بصحة جيدة هو ببساطة القيام بدورنا لتعزيز تجديد الخلايا بشكل صحي.

العدوانية

اكتشفت الباحثتان أن هناك أنماطاً معينة من التفكير تسرع من إصابة الخلايا بالشيخوخة، ما يجعل المرء يبدو أكبر سناً من عمره.

ومن بين أنماط التفكير المضرة بالتيلوميرات، النمط العدواني الذي يعني الغضب الشديد والأفكار المتكررة بشأن عدم الوثوق بالآخرين، فالأشخاص الذين يسيرون وفق هذا النمط من التفكير لا يقولون مثلاً: "أكره الوقوف في طوابير طويلة في محل البقالة"، بل يعتقدون أن المتسوق الآخر كان أسرع منهم وأخذ موقعهم في الصف، فيثورون غضباً.

واللافت أن الأشخاص الذين يسجلون درجات عالية في مقاييس النمط العدواني يميلون للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية واضطراب التمثيل الغذائي، وغالباً ما يموتون في سن مبكر، كما أن هذا النمط من التفكير يؤثر سلباً على التيلوميرات.

فقد كشفت دراسة أجريت على موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا، أن الرجال الذين سجلوا درجات عالية في مقاييس النمط العدواني كان لديهم تيلوميرات أقصر من الرجال الذين كانت درجات عدائهم منخفضة.

وقد تبيّن أيضاً أن هؤلاء الرجال لم يستجيبوا بطريقة صحية للتوتر، ففي العادة يستجيب الجسم للضغط من خلال ارتفاع حاد في الكورتيزول وضغط الدم، ويتبعه عودة سريعة إلى المستويات الطبيعية، ولكن عند تعرض هؤلاء المشتركين للإجهاد، انخفضت لديهم مستويات الكورتيزول، وبدلاً من العودة إلى المستويات الطبيعية، ظل ضغط الدم مرتفعاً لفترة طويلة بعد ذلك.

وكشفت الدراسة أن المشتركين الذين لديهم سلوكيات اجتماعية كانوا يفتقدون للروابط الاجتماعية والتفاؤل، أما من حيث صحتهم الجسدية والنفسية والاجتماعية، فكانوا معرضين بشكل كبير للإصابة بالشيخوخة المبكرة، والتي تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية والتهاب المفاصل وضعف جهاز المناعة.

وفي حين أن النساء بطبعهنّ يملن إلى أن يكون لديهنّ مستويات أقل من العدوانية، إلا أن هناك عوامل نفسية أخرى تؤثر على صحة المرأة وتصيبها بالشيخوخة المبكرة، مثل الاكتئاب.

التشاؤم

التشاؤم هو النمط الثاني الذي ثبت أن له تأثيرات سلبية على التيلوميرات.

عندما أجرى فريق إليزابيث باكبرن وإليسا إبل دراسة عن الرابط بين التشاؤم وطول التيلومير، وجد أن الأشخاص الذين سجلوا درجات عالية في التشاؤم كانت لديهم تيلوميرات أقصر.

وبالرغم من أن هذه الدراسة أجريت فقط على حوالي 35 امرأة، إلا أنه تم العثور على نتائج مماثلة في دراسات أخرى، بما في ذلك دراسة أجريت على أكثر من 1000 رجل، كما أكدت الأدلة على أن التشاؤم عامل يؤثر بشكل كبير على تدهور الصحة، فعندما يصاب المتشائمون مثلاً بمرض مرتبط عادة بالشيخوخة، مثل السرطان أو أمراض القلب، يزداد المرض لديهم بشكل أسرع من غيرهم.

الاجترار

يعرف علم النفس الاجترار على أنه الاهتمام المركّز على أعراض ضائقة واحدة، وعلى أسبابها ونتائجها الممكنة، دون التركيز على حلولها، أي إعادة طرح المشاكل مراراً وتكراراً من دون التفكير بكيفية إيجاد حل لها.

وبحسب ما جاء في كتاب إليزابيث باكبرن وإليسا إبل، فإن الاجترار هو النمط الثالث للفكر المدمر.

في هذا الصدد، قد يسأل البعض: كيف يمكن التمييز بين الاجترار والتفكير غير المؤذي؟

في الواقع، إن التفكير هو التحليل الطبيعي الاستبطاني حول سبب حدوث الأشياء بطريقة معينة، قد يسبب ذلك بعض الانزعاج الصحي، لكن الاجترار يكون فظيعاً ولا يؤدي أبداً إلى حل، بل فقط إلى إعادة طرح الأفكار من دون جدوى.

والاجترار يُبقي التوتر في الجسم لفترة طويلة بعد انتهاء سبب التوتر، ويكون ذلك عن طريق ارتفاع ضغط الدم لفترات طويلة، ارتفاع معدل ضربات القلب وارتفاع مستويات الكورتيزول، أما العصب المبهم (Vagus nerve)، الذي يساعد على الشعور بالهدوء والحافظ على صحة القلب والجهاز الهضمي ثابتاً، فيكف عن دوره، ويظل متوقفاً عن العمل لفترة طويلة بعد انتهاء الضغط.

في إحدى الدراسات، تم فحص الاستجابات اليومية للتوتر لدى النساء اللواتي كن يقدمن الرعاية للأسرة، وقد تبيّن أنه كلما زاد الاجترار بعد حدث مرهق، كلما انخفض إنزيم تيلوميراز في خلايا CD8 (الخلايا المناعية الحاسمة التي ترسل إشارات تحريضية عندما تتضرر)، ما يعني بأن الأشخاص الذين يركزون على فكرة واحدة ويعيدونها في ذهنهم مراراً وتكراراً، يعانون من عوارض الاكتئاب والقلق التي بدورها ترتبط بتيلوميرات أقصر.

كبت الأفكار

النمط الرابع من التفكير المدمر هو كبت الأفكار والمشاعر غير المرغوب فيها.

استند عالم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد دانيال فيغنر، لحكاية معروفة للكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي عن الدب الأبيض، جاء فيها: "حاول أن تطرح لنفسك هذه المهمة: ألا تفكر في دب قطبي، وسترى أن الشيء البغيض سيأتي كل دقيقة".

وقد وضع فيغنر هذه النظرية على المحك من خلال سلسلة من التجارب أطلق عليها ظاهرة "الخطأ الساخر"، والتي تقوم على الفكرة التالية: كلما دفعتم بأفكاركم بعيداً بقوة، كلما زاد ارتفاع صوتها لجذب انتباهكم.

وقد اتضح أن تجنب المشاعر والأفكار يجعل التيلوميرات أقصر، مع العلم بأن كبت الأفكار وتجنبها قد لا يكون السبب الوحيد لإلحاق الضرر بالتيلوميرات، ولكن قمع الأفكار قد يؤدي إلى إثارة التوتر المزمن والاكتئاب، الأمر الذي يقصر طول التيلوميرات ويصيب المرء بالشيخوخة المبكرة.

الشرود الذهني

استخدم عالما النفس في جامعة هارفارد، ماثيو كيلينغسورث ودانييل غيلبرت، تطبيق آيفون track your happiness (تعقب سعادتك) لطرح أسئلة على آلاف الأشخاص تتعلق بالنشاط الذي هم منخرطون فيه، ما تفعله عقولهم ومدى سعادتهم.

وقد اكتشف الباحثان أن الناس يقضون نصف يومهم في التفكير في شيء آخر بعيد عما يقومون به، الأمر الذي يجعلهم غير سعداء. بمعنى آخر، تبين أن الشرود الذهني السلبي، أي الانغماس في التفكير السلبي، يؤدي للتعاسة ولتقصير طول التيلومترات.

فبالرغم من أن الشرود الذهني قد يكون مفيداً لناحية الخروج بأفكار خلاقة، إلا أنه عندما يفكر المرء بأفكار سلبية عن الماضي، فإنه سيشعر بالتعاسة وقد يختبر مستويات أعلى من هرمون التوتر.

"لسنا بحاجة إلى تصديق كل ما تخبرنا به أفكارنا و لا يجب أن نصدق كل ما نفكر فيه"

في الختام، اكدت إليزابيث باكبرن وإليسا إبل أن أنماط التفكير السلبية التي تم وصفها في الكتاب هي تلقائية وتسيطر على العقل البشري: "يبدو الأمر كما لو أنهم وضعوا عصابة على عقلكم حتى لا تتمكنوا من رؤية ما يحدث بالفعل من حولكم. ولكن عندما تصبحون أكثر وعياً بأفكاركم، فإنكم تنزعون العصابة عن عيونكم. لن تتوقفوا بالضرورة عن التفكير، ولكن يصبح لديكم المزيد من الوضوح".

وأوضحت باكبرن وإبل أن الأنشطة التي تعزز التفكير الجيد تشمل معظم أنواع التأمل، جنباً إلى جنب مع مختلف تمارين العقل والجسم، بما في ذلك الجري لمسافات طويلة، وهكذا مع مرور الوقت يتعلم المرء كيفية مواجهة الأفكار السلبية، فيقول في نفسه: "هذه مجرد فكرة... سوف تتلاشى"، وختمت الباحثتان بالقول: "لسنا بحاجة إلى تصديق كل ما تخبرنا به أفكارنا أو كما يقال: لا يجب أن نصدق كل ما نفكر فيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard