ظل عبد الناصر وزعيم الأهلاوية... لماذا نفتقد نموذج صالح سليم؟

الجمعة 11 سبتمبر 202002:02 م

مثل عالم السياسة أيضاً هناك في كرة القدم ما يسمى بظاهرة "الرجل القوي"، التي سيطرت على نظم الحكم العربية منذ وجود جمال عبد الناصر، لكن هذه الظاهرة لم تفرض دكتاتورية كروية، بعكس ما جرى في السياسة والحكم، وإنما فرضت قوانين لا تلين في وجه الفوضى، وكانت سمة من سماته الشخصية حيث أصبح أسطورة تمشي بين الناس فعلاً، خاصة إذا ما قورن بما يحدث حالياً في الكرة المصرية، من استخدام رجالها واشتغالهم لدى أجهزة الأمن، وانسحاقهم تحت هوى المصالح التي كان صالح سليم بعيداً كل البعد عنها.

صلابة الجريء

كل ما سجلته المواقف عن صالح سليم، رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي لفترتين من 1980 إلى 1988 ثم من 1992 إلى يوم رحليه في 2002، تقول إنه رجل استثنائي، خُلق ليكون نجماً فقط، وقد صدّق هو هذه الرؤيا فيما يبدو، وصار يتصرف باعتباره أصلاً أسطورة قبل أن يكون فعلاً.

كان منحازاً لإرساء قواعد لا تلين أمام أي فوضى في عالم كرة القدم، التي راجت في زمنه كهواية لا احتراف، وحتى حين بدأت لوائح كرة القدم في مصر تتغير إلى منهاج احترافي، فلم يطبق الاحتراف فيها فعلياً، من انضباط وعمل وإنتاج يليق بمهنة الكرة لا بهواية الكرة، إلا فيما يخصّ تنجيم لاعبين لا يستحقون كل هذه الهالات التي تُرسم حولهم، فضلاً عن صياح وجعجعة بلا طحن حرفياً.

بقي حال الكرة في عالم الاحتراف كما كان في زمن الهواة، وظهر صالح نقطة ضوء احترافية في عالم إدارة الكرة، التي صارت جزءاً من سياسة الدولة وعاملاً مؤثراً في شعبية الرؤساء وخوفهم من الجماهير في آن، ولنا في حادثتي مقتل جماهير الأهلي والزمالك في بورسعيد وملعب استاد الدفاع الجوي على التوالي، خير دليل.

واحد من أشهر المواقف في تاريخ الكرة المصرية كان واقعة التمرد التي حدثت من لاعبي الفريق الأول لكرة القدم بالنادي الأهلي قبيل مباراة الزمالك، في ربع نهائي كأس مصر عام 1985، ليقرر "المايسترو"، اسم الشهرة لصالح سليم، إيقاف 16 لاعباً يعدون من نجوم مصر في اللعبة وقتها، كما قرر خوض مباراة القمة مع النادي الأبيض بصغار اللاعبين في النادي، والعجيب أن القدر كافأه ليفوز ناديه على الغريم التقليدي بثلاثة أهداف مقابل هدفين.

بقي حال الكرة في عالم الاحتراف كما كان في زمن الهواة، وظهر صالح نقطة ضوء احترافية في عالم إدارة الكرة، التي صارت جزءاً من سياسة الدولة وعاملاً مؤثراً في شعبية الرؤساء وخوفهم من الجماهير في آن

يحكي اللاعب ربيع ياسين نجم الأهلي، الذي شمله قرار صالح سليم بالإيقاف لموقع FilGoal الرياضي، عن تلك الواقعة، أنه نشب خلاف بين صالح سليم وبين المدير الفني للفريق الأول، محمود الجوهري، بسبب المهاجم محمد عباس، إذ أصر الجوهري على عودة عباس للمران بعد خروجه من أزمة تسببت في القبض عليه وسجنه، فيما كان صالح سليم رافضاً عودته، انتصاراً لمبادئ النادي التي أهانها عباس بتصرفاته بشكل غير مسؤول، فاتخذ كبار اللاعبين بفريق الأهلي، ومنهم محمود الخطيب، مصطفى عبده، مجدي عبد الغني، علاء ميهوب وأيمن شوقي، موقفاً متضامناً مع الجوهري ضد إدارة صالح، الذي اتخذ قراراً بإيقافهم جميعاً وقبول استقالة الجوهري حين عرف بتضامنهم مع لاعب مخطئ، ورغم أن ربيع ياسين كان من بين الموقوفين فقد قال للموقع الرياضي إن هذا القرار "كان هو الأفضل في تاريخ الأهلي".

رغم خسارتهم يحبونه... أليس هذا وجهاً من موجة عبد الناصر المهزوم في النكسة أمام شعبه؟

تحولت نكسة اللاعبين إلى انتصار لناديهم ومبادئه وإدارته الصلبة الممثلة في شخص صلب جريء يعرف كيف ينتصر بصنع القرار دون أن يرى أحد أنه يفرض جبروته.

اللاعب والسينمائي الوسيم

لم تعرف ملاعب كرة القدم كثيراً ممن يتم وصفهم بالوسامة، حتى الذي كانت ملامحه الجمالية تؤهله للنجومية أكثر لم يتذكر أحد له تاريخاً في عالم الكرة، أكثر مما يذكرونه كرجل وسيم. وهنا يقول عالم الاجتماع الألماني، أولريش روزار: "لاعبو كرة القدم ذوو الصفات الشكلية القبيحة يلعبون بمستوى أفضل بكثير من نظرائهم المعروفين بالوسامة"، بحسب ما نشرت وكالة الأنباء الإسبانية.

كذلك كان صالح سليم..

لم يتذكره أحد كلاعب رغم إنجازاته، من فرط ما كان خطّافاً بملامحه التي تبدو عادية جداً، لكنه كان يتمتع بكاريزما الزعماء... كان أقرب إلى ظل من ظلال عبد الناصر بالفعل، الذي تيّم به الشعب المصري خصوصاً والعربي عموماً، وأهّلته تلك الملامح ليكون نجماً سينمائياً أمام أهم فنانات مصر، ليتحول إلى صاحب النجومية المزدوجة في عالمي الكرة والتمثيل.

كتبت كثيرات عن وسامة صالح سليم، وبينهن شاعرات كفاطمة ناعوت، ولو تصفحنا كثيراً من حسابات مواقع التواصل نرى أن كثيرات تيّمهن صالح سليم كنموذج للرجل، ولا يكاد يُذكر أي شخص آخر في مجال الرياضة المصرية إلا هو، باعتباره نموذجاً للرجل الوسيم المفقود في هذا الزمان، حيث يوضع جنباً إلى جنب مع نجوم السينما، أمثال عمر الشريف ورشدي أباظة.

ويبدو أن وسامته لم تكن نابعة من شكله على الإطلاق، بل أظنها كانت نابعة من قدرته على الحضور والتأثير في الناس، أو لنقل "وسامة التأثير"، وهذا لن نستطيع ملاحظته إلا بتتبع جذوره العائلية التي بالتأكيد كانت لها أثر كبير في تربيته وحمله لجينات التأثير في الناس فيما بعد، إذ يقول الكاتب الصحفي سلامة مجاهد، في كتابه "صالح سليم... أبيض وأسود": "كان الدكتور محمد سليم، والد صالح، عائداً للقاهرة بعد تخرجه كطبيب تخدير من لندن، واتصلت إحدى أسر أشراف الحجاز، التي غادرت إسطنبول بعد إلغاء مصطفى كمال أتاتورك لما سمي بالخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 وأعلنها جمهورية علمانية، بطبيب شهير آنذاك لفحص حالة ابنتهم، الشريفة زين، التي أصيبت بخُراج في زورها، وبعد الفحص تقرر إجراء جراحة فورية لها لإنقاذها من تداعيات خطيرة كان يمكن أن تلحق بمخها، وبعد الجراحة نشأت قصة حب تكللت بالزواج بين الدكتور الشاب محمد سليم وبين الشريفة زين، والدي صالح سليم".

كتبت كثيرات عن وسامة صالح سليم، وبينهن شاعرات كفاطمة ناعوت، ولو تصفحنا كثيراً من حسابات مواقع التواصل نرى أن كثيرات تيّمهن صالح سليم كنموذج للرجل، ولا يكاد يُذكر أي شخص آخر في مجال الرياضة المصرية إلا هو

جاء صالح إذن من زمن ومكان مختلف، كان "ابن ذوات" مثلما يقول المصريون، فقد وُلد لعائلة أرستقراطية، إذ كان والده الدكتور محمد سليم أحد رواد طب التخدير في مصر، وكانت والدته تفضل أن يلعب ابنها التنس أو البولو كبقية الأرستقراطيين، لكن والده شجعه على ممارسة لعبة الشعب الأولى، ومن فرط ما كان صالح محسوباً على الأرستقراطيين راجت شائعة أن والده كان مالكاً للأرض التي بُني فوقها النادي الأهلي، وأنه تنازل عن هذه الأرض حباً للنادي، فيما نفى صالح هذه الحكاية للناقد الرياضي ياسر أيوب، الذي كتب ذلك لجريدة اليوم السابع المصرية بعد وفاة صالح.

البطل الشعبي

تميل النفس غالباً للأغنياء، خاصة إذا ما تمتعوا بشهرة إلى جانب المال، وإذا ما أضيف أيضاً إليهما جانب ملامح البطل الشعبي، وليس أدل على اجتماع هذه الصفات كلها في صالح سليم، مثلما يمكننا أن نستنتج من تفاصيل تصرفاته مع مبارك، رئيس الجمهورية الأسبق، خلال نهائي البطولة العربية للأندية التي استضافها الأهلي في شهر آذار/ مارس عام 1995، ويروي ياسر أيوب أن مبارك أراد حضور المباراة وتسليم كأس البطولة للفريق الفائز بها - كنوع من الترويج له طبعاً – وأقيمت المباراة بين الأهلي المصري والشباب السعودي، وفوجئ صالح سليم برجال أمن الرئاسة ومسؤولي البروتوكول وقد تسلموا المقصورة باستاد القاهرة، وبدأوا توزيع مقاعدها ليجلس فوقها أصحابها قبل وصول الرئيس، واكتشف صالح أن رجال الرئاسة اختاروا له مقعداً في نهاية الصف الأمامي بعد أمير سعودي وعدد من الوزراء، فاعترض على هذا الترتيب وقال لرجال الرئاسة إن ما يجرى لا يعني إلا إهانة الأهلي، واعتذر رجال الرئاسة مؤكدين عدم استطاعتهم تغيير أي ترتيب، فما كان منه إلا أن قرر الانصراف قائلاً: لا الأهلي ولا رئيس الأهلي سيشاركان في هذه المهزلة، فنحن أصحاب الفرح ورئيس الدولة ما هو إلا ضيف، فاضطر رجال الرئاسة للتفاوض سريعاً واعتذروا لصالح سليم، طالبين منه البقاء ليجلس بجوار مبارك.

لم يكن يحركه إلا منطق "الصح والغلط" مهما كانت العواقب، وكان واثقاً من أنه ليس بحاجة لسلطة الدولة العليا مادام يتمتع بسلطة شعبية، نالها لكونه رئيساً لأكبر نادٍ في القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، أو كما يسمونه دائماً بـ"رئيس جمهورية الأهلاوية".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard