قصة عنتر مسلم الذي ظلمه الأزهر حياً وميتاً... متى تنتهي هذه الديكتاتورية؟

الخميس 10 سبتمبر 202004:50 م

منذ عام، دُعيت لصالون ثقافي بحضور ممثلين عن الأزهر ومنظمات المجتمع المدني، للحديث عن دور الصحافة في تجديد الخطاب الديني، وحين دارت المناقشات، أكد ممثل الأزهر أن المشكلة في استضافة الصحف والقنوات لـ"لمن ليس لديهم علم" للحديث في الدين، فأجبت أن ذلك غير صحيح، وبعيداً عن أن الدين ليس حكراً لأحد، لكن الأزمة منع أصحاب الرؤى المختلفة من الحديث أساساً.

ما قلته لممثل الأزهر كان عن تجربة ووقائع، فمنذ ثلاثة أعوام تجهّزت لإجراء أحاديث صحفية مع أصحاب رؤية نقدية للأزهر لمناقشتهم حول تجديد الخطاب الديني، لكن لم يسمح لي بذلك خشية غضب المؤسسة الدينية. الغريب أن الرفض جاء قبل إجراء أي حوار، ما يعني أن مبدأ نقد الأزهر حتى لو كان صحيحاً، هو مرفوض.

هذا أمر لا يخص جريدتي وحدها، فحين تحدثت مع زملائي المسؤولين عن تغطية الأزهر في أكثر من صحيفة، كشفوا لي الكثير الذي يوضح كيف تحولت تلك المؤسسة إلى تابوه يمنع الاقتراب منه، بداية من تحرّيها لآراء كل صحفي مُرشح لتغطية أخبارها، وهو أمر يتحدد عليه قبوله أو رفضه، ووصولاً لأن يتصل مسؤول في المكتب الإعلامي للأزهر بزميل لي يلومه بسبب "لايك" على منشور ينتقد بعض القرارات الأزهرية.

لذلك لم يكن غريباً أن يعلن الكاتب طايع الديب، من أن صحفاً مصرية وعربية كثيرة رفضت تناول كتابه "الكروان الممنوع" الصادر منذ أسابيع قليلة، بعد نشر أخبار عن محتواه، الذي يكشف قصة ظلم الأزهر لعنتر مسلم، صاحب المدرسة الفريدة في التلاوة القرآنية، ليستكمل الأزهر اضطهاده للرجل حياً وميتاً.

و"الكروان الممنوع" يوثق رحلة قارئ القرآن، عنتر مسلم، المولود عام 1936، وكغيره من شيوخ التلاوة، حفظ القرآن وبسبب حلاوة صوته بات مطلوباً لإحياء المناسبات الدينية، حتى ذاع صيته وأصبح من النجوم.

منذ ثلاثة أعوام تجهّزت لإجراء أحاديث صحفية مع أصحاب رؤية نقدية للأزهر لمناقشتهم حول تجديد الخطاب الديني، لكن لم يسمح لي بذلك خشية غضب المؤسسة الدينية. الغريب أن الرفض جاء قبل إجراء أي حوار، ما يعني أن مبدأ نقد الأزهر حتى لو كان صحيحاً، هو مرفوض

لم يدم ذلك، فالاضطهاد بدأ حين اختار عنتر مدرسة جديدة فيما يتعلق بـ"القراءات القرآنية"، والمقصود بها طريقة نطق بعض الأحرف والكلمات للآية الواحدة، وقد تختلف بعض معاني الآيات من قراءة لأخرى، وهي قضية جدلية دفعت جمهور العلماء، مثلما أوضح أبو الخيري ابن الجزري، على الاتفاق أن هناك 10 طرق لقراءة القرآن جميعها صحيحة، بجانب 4 طرق أخرى وصفوها بـ"الشاذة".

لم يخرج "مسلم" عن القراءات الصحيحة، لكنه ابتكر طريقة جديدة وهي قراءة الآية القرآنية وإعادتها أكثر من مرة، وفي كل مرة بقراءة مختلفة، هذا في وقت اعتمد الشيوخ فيه طريقة واحدة للقراءة، ومن هنا ثار الجدل، خاصة بعد انتشار تلك المدرسة في التلاوة وسفر "مسلم" لعدة دول، دفعت محمود السعدني لوصفه بصاحب "أسلوب فذّ"، بل وأصبح الرجل محط دراسة باعتباره مجدداً في التلاوة.

وكأي تجديد يقابله في البداية نقد، صدرت ضد الرجل شكاوى تتهمه بتحريف القرآن والقراءة الخاطئة، ورغم رد "مسلم" لكن سرعان ما أصدر الأزهر قراراً بمنعه من الإذاعة أو تسجيل شرائط كاسيت، في وقت كانت تلك هي الوسائل الوحيدة للانتشار وكان معنى القرار "الموت الفني".

هذا بالفعل ما حدث قبل عودة "مسلم" للواجهة من خلال تسجيلات محبيه الذين استغلوا الإنترنت لإعادة نشرها، لتجذب كثيرين وتدفع أندريو سايمون، الباحث ببرنامج دراسات الشرق الأوسط بكلية "دارتموث" الأمريكية، لتخصيص فصل له في كتابه، بحسب ما يورد مؤلف الكتاب الذي وثق مسيرة "مسلم"، سواء من خلال التسجيلات أو أحاديث محبيه والباحثين في مجال التلاوة.

لذلك كان من الطبيعي عدم ترحيب الأزهر بتناول الكتاب لأنه يحمل نقداً للمؤسسة، وفي مصر، باتت معظم المؤسسات لا تقبل النقد، ويرى مسؤوليها الاختلاف معهم إهانة، وإن كان الأزهر يتخطى ذلك فالاختلاف معه يعني الاختلاف مع الدين نفسه.

لكن السؤال لماذا تقبل الصحف ذلك وما هي السلطة التي يملكها الأزهر للدرجة التي تدفع الصحف للمنع تطوعاً لأي شيء سلبي عنه، هذا السؤال تتلخص إجابته في أساليب الأزهر في التعامل مع الصحفيين ومسؤولي النشر.

وتلك الأساليب تتنوع بين الترهيب لكل من يكتب رأياً مخالفاً، وتشمل عدم التجاوب معه للحصول على معلومة رسمية أو الرد على استفساراته، وإن كان هذا الصحفي مسؤولاً صحفياً عن الأزهر، لا يبلغ بمواعيد المؤتمرات الهامة وهذا ما يضره في عمله كثيراً، كما حدث مع أكثر من زميل اختاروا في النهاية أن يتم إعفاؤهم من تغطية تلك المؤسسة.

ما لم أقله إنه ليس هناك قوة قادرة على حجب معلومة، والدليل قصة "عنتر مسلم"، فحين ظلمه الأزهر حياً ظن أن الأمر انتهى، لكنه عاد من جديد بفضل التكنولوجيا وبات متاحاً للجميع سماعه، وحين رفض الأزهر نشر أخبار عن قصته وجدت تلك السطور مكانها للنشر

أما الأسلوب الآخر وهو الترغيب لمن يعملون كأبواق، وهؤلاء يتم تسهيل عملهم وتقريبهم من الشخصيات الهامة في تلك المؤسسة، بجانب اصطحابهم للسفر في المؤتمرات خارج البلاد، وتلك الميزة بالتحديد لا تقتصر على صحفيين، بل تشمل رؤساء تحرير صحف كثيرة، وهؤلاء يردون الجميل من خلال عدم نشر أي شيء سلبي قد يمنع السفر والإقامة المجانية خارج البلاد. 

تلك العقلية هي ما دفعت أحد المسؤولين في الأزهر حين سألته في حديث ودي لماذا لا يقبل الأزهر النقد، للقول إن الصحفيين لا يتجرؤون على انتقاد مؤسسات أخرى - في إشارة للمؤسسات السيادية- وبالتالي يرون الأزهر ضعيفاً فينتقدونه، فأجبته أن ذلك غير صحيح، فالنقد أساس أي نقاش وليس دليل قوة وضعف.

كما أخبرته أن وجود مؤسسات ممنوع الاقتراب منها صحفياً هو وضع خاطئ، وبالتالي علينا أن نزيد من المؤسسات الممنوع الاقتراب منها عسى أن يأتي اليوم وتختفي تلك الظاهرة. 

أما ما لم أقله إنه ليس هناك قوة قادرة على حجب معلومة، والدليل قصة "عنتر مسلم"، فحين ظلمه الأزهر حياً ظن أن الأمر انتهى، لكنه عاد من جديد بفضل التكنولوجيا وبات متاحاً للجميع سماعه، وحين رفض الأزهر نشر أخبار عن قصته وجدت تلك السطور مكانها للنشر. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard