بزجاجة خمر فقط... قصة انتقال الكعبة من خُزاعة للقرشيين

الأحد 13 سبتمبر 202005:08 م

لم يتفق المؤرخون على المدة التي قضتها قبيلة خزاعة في حكم مكة، فما بين ثلاثمائة سنة حتى خمسمائة يتّضح البون الشاسع في الآراء، لكنهم مجمعون على أبرز الأسماء التي تسيّدت الحكم من أبناء هذه القبيلة بالغة الأثر في منطقة شبه الجزيرة العربية، في فترة ما قبل بزوغ نجم القرشيين، الذين ستكون لهم السيادة فيما بعد.

ثلاث شخصيات فقط من أبناء خُزاعة، اعتبرهم المؤرخون الأبرز من بين أبناء تلك القبيلة مندثرة الأثر، أولهم، هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، الملقب بـ"لحي"، أول من تولى الحكم في مكة، وثانيهم، ابنه عمرو، الذي اشتُهر بأنه "قَدِمَ بِصَنَمٍ يُقَالُ لَهُ هُبَلُ مِنْ هِيتَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ هُبَلُ مِنْ أَعْظَمِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ عِنْدَهَا، فَنَصَبَهُ عَلَى الْبِئْرِ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ"، وفقًا لما أورده أبو الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار".

أما ثالث تلك الأسماء البارزة في خزاعة، وآخر ولاتها، فكان حليل بن حبيشة بن سلول، الذي بوفاته انقطعت علاقة الخزاعيين بحكم مكة، وانتقلت السيادة للقرشيين على يد أبرز أبنائهم، وصاحب الفضل في علوّ شأنهم لقرون لاحقة، وهو قصي بن كلاب، الجدّ الرابع للنبي محمد بن عبد الله.

يعد الجد الرابع للنبي محمد، قصي بن كلاب، صاحب الفضل في علو شأن القرشيين وانتقال السيادة إليهم من بني خزاعة الذين تزعموا مكة لأكثر من ثلاثة قرون، لنتعرف على هذه القصة

قصي بن كلاب.. ابن مكة الذي ترعرع في الشام!

في أوائل القرن الخامس للميلاد، ولد قصي لرجلٍ يدعى كلاب بن مرة، وجدّه الرابع هو فهر بن مالك، الذي يرى الزبيري والزهري أنه هو ذاته قريش، لأنه "كان رئيسًا بين الناس في مكة" كما يورد الطبري، كونه يتمتع بمَلَكة الجذب والتجميع، التي تعني في اللغة التقريش، وإليه نُسبت قريش.

وبحسب الشنقيطي: "الْفِهْرِيُّ قُرَشِيٌّ بِلَا نِزَاعٍ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ أَوْ أَوْلَادِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، فِيهِ خِلَافٌ هَلْ هُوَ قُرَشِيٌّ أَوْ لَا؟ وَمَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ كِنَانَةَ مِنْ غَيْرِ النَّضْرِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ بِلَا نِزَاعٍ". ووفقاً لتأكيد الشنقيطي بأن "ما كان من أولاد كنانة فهو قرشي"، إذًا فقصي قرشي "بلا نزاع"، وهو ما أكده ابن سعد في "الطبقات الكبرى"، ووافقه كلُّ النسابيين على ذلك، حسبما ذكر ابن حزم في "جمهرة أنساب العرب".

طفولة قصي بن كلاب تحمل درامية تتفق مع شخصيته التي ستلمع في شبابه، ومن ثم يُنسب إليه كلُّ الخير الذي عمّ أبناءه وأحفاده من بني هاشم من بعده؛ فالرّجل ولد في مكة وتربى في الشام، حين ولدته أمه فاطمة بنت سعد، وأسمته زيدًا. وبعد بضع سنوات توفي أبوه، وتزوجت أمّه من ربيعة بن حرام بن ضنّة، أحد أشراف الشام، وحملها وطفلها معه إلى بلاده في ديار قُضاعة، ومن هنا سُمّي الطفل قصيًا " لِتَقَصِّيهَا بِهِ إِلى الشَّام".

قضى قصي فترة صباه ومستهل شبابه في ديار قٌضاعة بالشام، وعرف عنه بأنه كان رجلًا "جليدًا، حازمًا بارعًا". ويذكر الشنقيطي أن في يوم "نَاضَلَ رَجُلًا مِنْ قُضَاعَةَ يُدْعَى رُفَيْعًا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: وَهُوَ مِنْ عُذْرَةَ فَنَضَلَهُ قُصَيٌّ فَغَضِبَ الْمَنْضُولُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ حَتَّى تَقَاوَلَا وَتَنَازَعَا، فَقَالَ رُقَيْعٌ: أَلَا تَلْحَقُ بِبَلَدِكَ وَقَوْمِكَ فَإِنَّكَ لَسْتَ مِنَّا، فَرَجَعَ قُصَيٌّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَتْ: أَبُوكَ رَبِيعَةُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ ابْنَهُ مَا نُفِيتُ، قَالَتْ: أَوَقَدْ قَالَ هَذَا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَحْسَنَ الْجِوَارَ وَلَا حَفِظَ الْحَقَّ أَنْتَ، وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ أَكْرَمُ مِنْهُ نَفْسًا وَوَالِدًا وَنَسَبًا وَأَشْرَفَ مَنْزِلًا أَبُوكَ كِلَابُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ الْقُرَشِيُّ، وَقَوْمُكَ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَمَا حَوْلَهُ، قَالَ: فَوَالله لَا أًقِيمُ ها هُنا أبدًا". 

ساعدت زيجة قصي بن كلاب من ابنة آخر زعماء بني خزاعة على تقربه من الأسرة الحاكمة، لكن تختلف الروايات حول انتقال السلطة لقصي، فمنها ما يقول أنه انتقال سلمي عن طريق وصية حليل لصهره، ومنها ما يقول أنه تم عقب انتصار عسكري للقرشيين

قصي يضع القرشيين على سدة الحكم في مكة وهكذا ترك قصي أمَّه مع زوجها في بني عِذرة، وأخًا له من أبيه لأمّه، هو رزاح بن ربيعة، وعاد إلى مكة حيث كان يعيش أخوه الشقيق زهرة بن كلاب، وكان أكبر منه سنًا، وقد تركته أمّه مع قومه حين تزوجت ربيعة وغادرت مكة للإقامة معه في موطنه، الذي ما إن رأى قصيًا حتى سعى إلى تزويجه من حُبّى بنت حليل بن حُبيشة بن سلول الخزاعي.

ساعدت زيجة قصي من ابنة حليل، الذي كان "يلِي أَمْرَ مَكَّةَ وَالْحُكْمَ فِيهَا وَحِجَابَةَ الْبَيْتِ"، من تقرّبه من الأسرة الحاكمة، حتى هلك حُليل، وهنا انتقلت الولاية لقصي، وبالتبعية إلى القرشيين.

ونقل الرواة طريقة انتقال السلطة إلى قصي بن كلاب بأكثر من رواية، منهم من رأى أنها تمت عقب نصر عكسري مظفر للقرشيين، وآخرون يرونها انتقال سلمي عن طريق وصية أوصاها حليل لقصي من بعده، أو لابنته حُبى التي أعطتها لقصي.

وعن ذلك يقول الطبري في "تاريخ الرسل والملوك"، إن قصيًا "رأى أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشًا فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام- وهو ببلاد قومه- يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك".

ويضيف الطبري في السياق ذاته: "فبلغنا- والله أعلم- أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تفنيهم، فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورءوس جبال مكة".

شراء البيت الحرام بزجاجة خمر!

السيطرة على حكم مكة سياسيًا وعسكريًا ليست بمعزل عن سيطرة أخرى لا تقل أهمية، وهي السيطرة الاقتصادية، ووسيلة الاقتصاد في مكة آنذاك كانت الكعبة، التي يحج إليها العرب من كل حدب وصوب، آتونَ بأصنامهم، أو لعبادة الأصنام الموجودة. وانتقال ولاية قصي بن كلاب على الكعبة وراءها قصة لم ينفِها أحد من الرواة القدامى وغالبية المحدثين، مفادها أن قصيًا اشتراها بـ"بزق/زجاجة" خمر وقعود/جمل حسن.

تلك الرواية تبدأ عند أول مؤرخ في التاريخ الإسلامي، وهو ابن إسحاق في "السيرة"، في معرض ترجيحه للرواية القائلة بأن الانتقال كان عبر وصية حليل لابنته، التي لم تقوَ على ذلك، فذهبت لقصي، بقوله: "قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غبشان- وهو سليم بن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى- فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وقعود".

ترجح بعض الروايات أن جد النبي، قصي بن كلاب، اشترى ولاية الكعبة من أبي غبشان، الذي أوصى إليه حليل، آخر زعماء بني خزاعة، "بزق خمر وقعود"

ويرويها الفاكهي تفصيلًا كما ترد في "أخبار مكة" بقوله: "وَكَانَت البحائر تنحر عِنْد الْبَيْت عِنْد إساف ونائلة، فَكَانَ أَبُو غبشان لَهُ من كل بحيرة رَأسهَا والعنق ثمَّ أَنه اسْتَقل ذَلِك فَأبى أَن يرضى بذلك، فَقَالَ يزِيدُونَ الأكتاف فَفَعَلُوا ثمَّ أدب لَهُم فَقَالَ يزِيدُونَ الْعَجز فَأبى النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ فَأتى رجل من بني عقيل يُقَال لَهُ مرّة بن كثير أَو كَبِير ببدنة لَهُ وَكَانَت سَمِينَة فنحرها وَأَبُو غبشان قَائِم فَقَالَ أبدأ بالعنق وَالرَّأْس والكتف وَالْعجز فَقَالَ الْعقيلِيّ فَمَا بَقِي إِذا لمن سيقت إِلَيْهِ قَالَ الأكارع قَالَ فرفده النَّاس وَمن حضر من قُرَيْش وَغَيرهم وَقَالُوا عَبث كنت أَولا تَقول الرَّأْس والعنق فَكَانَ هَذَا أخف من غَيره ثمَّ تعديت إِلَى الأكارع فَقَالَ لَا أقيم فِي هَذَا الْبَلَد أبدا إِلَّا على ذَلِك فَلَمَّا أَبَوا عَلَيْهِ قَالَ من يَشْتَرِي نَصِيبي من الْبَيْت بأداوة تبلغني إِلَى الْيمن أَو بزق خمر فَاشْترى نصِيبه فِي ذَلِك قصي وارتحل أَبُو غبشان إِلَى الْيمن".

وبعد ابن إسحاق، والطبري، والأزرقي، وابن سعد، والتقي الفاسي، والفاكهي، وغيرهم، أوردها المتأخرون، مثل المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وكذلك هاشم يحيى الملاح في "تاريخ مكة المكرمة والدعوة الإسلامية فيها".

قصة ملهمة لأدباء قريش

وكعادة العرب قديمًا في النيل من أعدائهم شعرًا، كان لأبي غبشان الملكاني وقصة بيعه للكعبة بزق خمر نصيبهما من ذلك، حين أصبح الرجل الخزاعي مادة للتندر على لسان الهجائين المجهولين اسمًا، لكن أبياتهم ظلت محفوظة، وصارت من كلاسيكيات العرب.

يقول أحد الشعراء عن ذلك: "أبو غبشان أظلم من قصي/ وأظلم من بني فهر خُزاعة/ فلا تلحوا قًصيًا في شراه/ ولوموا شيخكم إن كان باعه"، ويقول آخر: "إذا فخرت خزاعة في قديم/ وجدنا فخرها شرب الخمور/ وبيعًا كعبة الرحمن حمقًا بزق/ بئس مُفتخر الفخور".

دخلت قصة شراء الكعبة بزجاجة من الخمر في أبواب الطرائف الأدبية والنوادر والهجاء، مثل كتاب "مجمع الأمثال" للميداني الذي خصص فيه فصلاً عنوانه "أحمق من أبي غبشان"

بالنظر لتلك الأبيات وغيرها، نجد أن تأكيد القصة هدفه القدح في أحقية الخزاعيين في حكم مكة، وإثبات الولاية للقرشيين، فيقول شاعر آخر: "باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت/ بزق خمرٍ فبئست صفقة البادي/ باعت سدانتها بالخمر وانقرضت/ عن المقام وضل البيت والنادي".

وبمرور الزمن، تأصلّت قصة شراء الجد الرابع للرسول للكعبة بزق خمر، حتى دخلت أبوابًا أدبية أخرى، مثل الطرائف والأعاجيب، حيث أوردها ابن الجوزي في "أخبار الحمقى والمغفلين"، وأصبحت مثلًا شهيرًا يدل على الخسارة، كما في "مجمع الأمثال" للميداني، الذي خصص لها فصلًا عنوانه "أحمق من أبي غبشان"!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard