"ثقافة الذكور لا تحترم وجود المرأة"... ماذا يحدث في الغروبات المغلقة للرجال فقط؟

السبت 5 سبتمبر 202005:27 م
لم أستطع منع فضولي حينما أمسك صديقي بهاتفه متصفحاً أحد الغروبات من نوع "للرجال فقط"، والتي تكون "سرية" عادة، كنت أنظر مشدوهة لهاتفه وأنا أطالع المنشورات والتعليقات، بعد حوالي نصف ساعة كانت رأسي معبأة بتعليقات عديدة، بعضها غاضب وبعضها متعجب.

"ماذا يحدث في المجموعات السرية والمغلقة للرجال فقط بفيسبوك؟"، ربما تبادر هذا السؤال على أذهان الكثير من الفتيات، هل ينشر الرجال صوراً لأجسادهم العارية عبر مجموعاتهم؟ وعن أي شيء يتحدثون؟ لماذا يلجأ الرجال إلى غروبات خاصة، رغم أن المجال العام لا يوصم الذكور في مصر بالحديث عن أمور مثل الجنس كما يوصم النساء.

العوالم الخفية للجنس

لوجو أصفر لرأس رجل بشارب، هو علامة مميزة للمجموعة والتي كتب عليها "هو جروب للرجال فقط، يهتم بمناقشة العوالم الخفية للجنس وكل ما يخص العلاقة الزوجية"، هذه هي العبارة التعريفية لأشهر المجموعات الحالية عبر موقع فيسبوك، تم إنشائها لدعم الرجال، وتقديم محتوى عربي للجنس، رغم تحفظ مؤسس المجموعة "م. ه" والذي أراد أن نشير إليه باسم مستعار هو "أُسيم نصار"، يرفض تداول أي معلومات شخصية عنه، لأن هناك غالبية من متابعيه أكبر سناً منه، أنشأ مجموعته في أكتوبر 2019، لكنها الآن تخطت الـ 750 ألف عضو.

"عدداً من  متابعينا من طبقات رفيعة، أطباء ومحاسبين ووكلاء نيابة وأحياناً كتائب ووحدات كاملة من الجيش المصري، ولن يكون محبذاً أن ينشروا على صفحاتهم الشخصية منشورات جنسية"

يشترك صديقي "أحمد. ر" في عدد من غروبات تخص الرجال عبر فيسبوك، ومنها "شكة دبوس"، امتعضت قليلاً من الاسم، يقول أنه يقدم محتوى جنسياً بالعربية للرجال، بصور كرتونية أو مرسومة. يلتقط صديق آخر الحديث، ويشير إلى المجموعة ذاتها أنه أحد متابعيها، بحثنا عنه، لنجده غروب مغلقاً، يمنع دخول النساء والفتيات، ويضع عقوبة على الرجال الذين قد يفعلون ذلك، وربما يتيح هامشاً نسبياً للفضوليين أمثالنا، عبر صفحة فيسبوكية، والتي ستكون منصة لنشر مقالات "موقع شكة دبوس" مستقبلاً، بلغات مختلفة وللجنسين.

تواصلنا مع مؤسس ومدير مجموعة "شكة دبوس"، هو شاب درس الشريعة والقانون ويعمل في مجال التجارة وإدارة الأعمال، لكن لم يمنعه ذلك من تأسيس مجموعته لتقديم محتوى جنسي يخدم الرجال، بهدف "نشر التوعية بينهم ولإنقاذ بيوت قد تخرب بسبب فشل الزوجين في تحقيق الاستمتاع الجنسي".

"ما يتفق مع ثقافتنا وديننا"

أسيم والذي وُلد ويعيش حالياً في القاهرة، يقول لرصيف22: "نتحدث عن الجنس باحترام في إطار ديننا الحنيف. هناك أمور في الجنس كثيرة مخالفة للدين لا نلتفت إليها، أنقل فقط ما هو متسق مع دار الإفتاء والعلم والشرع. قرأت مئات الأبحاث والكتب عن الجنس، مثل الكاماسوترا الهندي، لكنني آخذ فقط ما يتسق مع ثقافتنا وديننا، للأسف في مجتمعنا هناك 3 أو 4 أوضاع جنسية فقط متفق عليها، رغم أنه سطر في كتب الأولين أن أوضاع القيام وحدها قد تصل إلى أكثر من ألف وضع. لذلك نحن نعرِّف الناس أن هناك أشكالاً مختلفة من الجنس لتجديد روتينية الحياة الجنسية في البيت".

اختار أسيم "شكة دبوس" وهو اسم مستقى من المقولة الشعبوية التي تخبرها الأمهات لفتياتها عن ليلة الدخلة، حينما تريد تبسيط أمرها، ولأنهم يقدمون محتوى جنسي مبسط، من هنا جاء الربط.

كانت المجموعة في البداية "خاصة" تقبل عدداً محدوداً من الأعضاء، ولكن زاد عددها لتصل حالياً إلى 750 ألفاً رغم كونها سرية، وربما يتفق أحمد. ر (صانع محتوى) مع طرح مؤسس مجموعة "شكة دبوس"، بأن المجموعات من هذا النوع ينبغي أن تكون سرية ومقتصرة على الرجال فقط، لأنه إذا كان المحتوى عاماً سيصبح عرضة للتسفيه والسخرية، وربما لـ"قلة الأدب" حسبما قولهما.

"إذا كان المحتوى عاماً سيصبح عرضة للتسفيه والسخرية".

أحمد، شاب عشريني مقيم في القاهرة، يقول إنه فور قبول دعوته لأي من هذه المجموعات، يقوم فوراً بعدم تفعيلها وإلغاء المتابعة، هو فقط عضو غير متفاعل لكن حال إشارة أحد الأصدقاء لأي منشور بها ربما يتفاعل.

رغم أن هناك مجموعات تقدم محتوى جنسياً تضم شباب وفتيات، مثل "سيكسولوجي"، لكن "شكة دبوس" محصورة بالرجال فقط، بحسب مؤسسها، لأن الاختلاط سيكون "مجالاً لتعارف أو خناق أو حديث غير محبذ بين الشباب والفتيات"، ورغم أن منشوراتهم تقدم معلومات عن ممارسة الجنس، إلا أنها تتحدث في إطار مؤسسة الزواج التقليدية وكذلك بين الرجل والمرأة فقط، وبحسب قوله: "إحنا بنتكلم عن الأغلب في المجتمع وهو مجتمع شرقي مسلم، لا يجوز نتكلم عن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لأنه حرام في الدين الإسلامي والمسيحي، ولا نتكلم عن ممارسته بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة".

رد فعل إيجابي يتلقاه مؤسس مجموعة "شكة دبوس" بناء على المحتوى الذي يقدمه، إذ يؤكد أن هناك مئات من الرجال أكدوا له تحقيق قدر أكبر من الاستمتاع بالعلاقة الحميمية بعد نصائحه، وساعد حوالي 134 بنصائحه على إتمام "الدخول" ليلة الزفاف، بحسب حديث أسيم.

"أبوية معاية في الجروب"

"إذا تحدث رجلان بمفردهما أمر عادي، لكنهما سيتحفظان إذا كان في جلستهما امرأة، وربما يمتنعان عن روي بعض الحكايات والقصص والكلمات"، يقول محمد. ع، وهو شاب ثلاثيني مقيم بالقاهرة، لرصيف22، إنه بعد تعليق تلقاه من شقيقته إثر منشور تحدث فيه عن الجنس، حذفه وقرر أن ينشئ مجموعة خاصة لا تتعدى 30 شخصاً من أصدقائه المقربين وبعض أقاربه الذين يمكن أن يتحدث معهم بحرية، في نكات جنسية ومواقف طريفة وجريئة لن يتيح له حسابه العام الحديث عنها.

"حذفتني زميلة عمل بسبب منشوراتي وخوفاً من أن يراها زوجها"، يقول محمد والذي أنشأ غروب "نادي الرجال السري"، ووصل عدد أعضائه إلى 80 ألفاً قبل أن تغلقه إدارة فيسبوك، معلقاً على ذلك بالقول: "في رجالة ما بتاخدش راحتها على حساباتها الشخصية، زي مثلاً مدير عام في أواخر الخمسينيات، عنده كم كبير جداً من النكت الجنسية، لن يأخذ راحته في نشرها على حسابه الشخصي، بسبب عائلته وأبنائه والموظفين العاملين تحت يده. بيعمل أكونت فيك".

ويضيف محمد: "نادي الرجال السري كان فيه حرية نشر، لكن ناس من التيار الديني كانت بتعلق: ما ينفعش... ما يصحش، وحاولوا يسيطروا عليه وعملوا ريبورتات وقفلوه، عملت جروب تاني فيه رجالة وستات، جات كمية مشاكل كبيرة من وراها وصلت إلى ممارسة جنس، وأحد الجروبات كانت هتقلب "دعارة"، ناس داخلة تشقط بعض، وأنا اللي بشيل المسؤولية. في بنت اشتكت لي إنه 11 واحد كلموها من الجروب عاوزين يعملوا سكس فون معاها، منهم اثنين كتاب عندهم أكثر من نصف مليون متابع، وقتها أغلقت الجروب نهائياً".

"نادي الرجال السري كان فيه حرية نشر، لكن ناس من التيار الديني كانت بتعلق: ما ينفعش... ما يصحش، وحاولوا يسيطروا عليه وعملوا ريبورتات وقفلوه"

أما مدير مجموعة "شكة دبوس" فيؤكد أن عدداً من المتابعين من طبقات مختلفة، معظمها "علية القوم"، أطباء ومحاسبين ووكلاء نيابة وأحياناً كتائب ووحدات كاملة من الجيش المصري، ولن يكون محبذاً أن ينشروا على صفحاتهم الشخصية منشورات جنسية، هم بانضمامهم للمجموعة يزيلون الحرج المجتمعي عنهم ويشعرون براحة نفسية في الحديث بحرية، مضيفاً: "شيلت من عقولهم فكرة إنه ده هلس وقلة أدب ووزرعت في عقولهم إنه علم، حتى أنا أبويا معايا في الجروب وبيتناقش معايا أحيانا في اللي بكتبه".

"مستشارو شكة دبوس" هكذا يسميهم مؤسسها، هم أطباء من مختلف المجالات والتخصصات، عددهم 22، منهم 8 أساتذة ورؤساء أقسام، نساء وذكور وجلدية وجراحة، و6 صيادلة، يستشيرهم علمياً قبل نشر مقاله على الغروب.

تناقلنا أنا وعدد من الصديقات منضمات إلى غروب سري للنساء فقط، أحد منشورات "شكة دبوس" يتحدث فيها عن ختان الإناث، رغم أن فتوى دار الإفتاء واضحة في هذا الشأن، ودفاعاً عن نفسه بعدم الترويج للختان، قال أسيم إنه ضد الختان المعروف في مصر والصومال، لكن بعض الأحاديث تتحدث عن تجميل العضو الأنثوي في حالة أرادت المرأة البالغة إزالة ما يسمى بـ"الهود" لتتحسن علاقتها الحميمية، وهو ما تندرت عليه طبيبات في مجموعتنا الخاصة، أنهن أول مرة يسمعن بهذا الاسم، ولا توجد مبررات طبية جراحية لإزالة جزء من أجسامهن طالما يمكن علاج أي عارض بالأدوية بدلاً منها، كما تندرن على معرفة الرجال بأجسادهن وما تحتاجه النساء أكثر منهن، كما يزعمن.

"لا للجنس أو السياسة أو الكورة"

على العكس تماماً من غروب "شكة دبوس"، منع غروب "جت في السوستة" أشياء عديدة بقواعد واضحة: "ممنوع الحديث عن الجنس، كرة القدم، السياسة والدين"، وهو أكبر وأشهر المجموعات الرجالية عبر فيسبوك حالياً، ويضم أكثر من اثنين ونصف مليون رجل من كافة أنحاء الوطن العربي وعرب مغتربين في أوروبا.

"اسم مميز وغريب ومقصود"، هكذا تحدث مؤسسه محمد عبد الغفار لرصيف22، وهو شاب مصري ثلاثيني، يعمل في مجال السيارات، يقيم في دبي، يقول إنه فوجئ في أحد الأيام بأعراض حادة، ذهب على إثرها إلى المستشفى ليجد نفسه يعاني من الفتاق في عضوه الذكري، ليمزح وقتها مع صديقه قائلاً: "جت في السوستة"، ثم يكتب هذه القصة كمنشور عبر فيسبوك، لكن ردود الأفعال لم تكن جيدة، فقرر نقلها إلى غروب خاص في مايو 2017، وصل إلى مليون في 3 أشهر، ورغم أنه بدء كجروب يتحدث في أمور مختلفة منها الجنس، إلا أن مؤسسه أوقف ذلك.

"ممنوع الحديث في الأشياء التي تسبب الخلاف بين الناس".

يقول عبد الغفار لـرصيف22 إنه منع الحديث في كل الأشياء التي تسبب الخلاف بين الناس، وهي الدين والجنس والسياسة وكرة القدم، كما قصره فقط على الرجال. يقول: "السبب الوحيد هو التحرش، ماروحش أمنع الإباحية بين الشباب وأقوم مدخلهم بنات وأكون المسؤول عن أي حادثة تحرش أو اغتصاب بسبب الجروب، أنا لن أتحمل هذا الذنب، احنا ما بنتعاملش مع ملايكة، الرجالة عمرهم ما كانوا ملايكة، ثقافة الشعب المصري لسه ماوصلتش لمرحلة احترام وجود الأنثى بدون ما يتحرشوا بيها".

لماذا مجموعة مغلقة؟ يجيب عبد الغفار، إنه ليعزز "الانتماء"، ربما كلمة أكبر من مجرد مجموعة تفاعلية عبر فيسبوك، يقول عنها إنه استطاع أن يحول غروب إباحي إلى غروب خدمي، جعل "السوستجية"، وهو وصف أطلقه على المنتمين إلى مجموعته، يميلون ليساعدوا بعضهم بعضاً: "الناس عندها شغف يبقوا سوستجية، في كيان على السوشيال ميديا".

وبينما لا يعتبر عبد الغفار الغروب مكاناً لتداول الأسرار مثل مجموعات الفتيات، لكنه مكان لتقديم خدمات تطوعية، يعتبر مؤسس "جت في السوستة" أنه صاحب مشروع لـ 50 عاماً، يقول إن مجموعته تنشر إنجازات الشباب وطلبات الوظائف وإعلانات غير مدفوعة ومسابقات وغيرها من الأنشطة الخدمية والتطوعية، إحدى هذه المسابقات كانت "مسابقة مقرئ الجروب"، كان من محكميها أحد أئمة المسجد الأزهر بمصر، وربح الفائز مجموع جوائز وصل إلى 10 آلاف جنيه مصري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard