محمد عمارة... آخر "بلدوزر" إسلامي

الأحد 13 سبتمبر 202011:50 ص

ارتبط ظهور الحداثة في المنطقة العربية بحركة الاستعمار الغربي للعالمين العربي والإسلامي، والتي بدأت مع أول حملة استعمارية في العالم الحديث وهي الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، حملة أحدثت صدمة معرفية وحضارية لدى النخبة المصرية.

ومع نشوء دولة محمد علي كأول دولة حديثة في المنطقة تعتمد على الآلة الغربية الحديثة، ظهرت الحاجة إلى خطاب ديني إصلاحي يتماهى مع الوافد الجديد، مع الحفاظ على "الهوية الإسلامية". فظهرت أجيال متتالية ترفع شعار "الأصالة والمعاصرة" بدأت برفاعة الطهطاوي ومن بعده محمد عبدة وجمال الدين الأفغاني حتى آخر المُدافعين والمُنظّرين الإسلاميين وهو المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة.

محمد عمارة يتحدث عن نفسه

محمد عمارة مصطفى عمارة، وُلد في قرية صروة مركز قلّين في محافظة كفر الشيخ في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1931 وتوفي في 28 شباط/ فبراير 2020. هو مفكر وكاتب إسلامي مصري، مُؤلف ومُحقق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو هيئة كبار علماء الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة.

حفظ عمارة القرآن في كُتَّاب القرية، ثم انتقل من القرية إلى المدينة ليحصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية عام 1965 من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ثم حصل على الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية من نفس الكلية عام 1970، ثم الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية عام 1975 من نفس الكلية.

في مقاله "مسيرة قلم"، يقول عمارة: "قبل ما يقرب من سبعين عاماً، وفي مدينة دسوق يوم 8 أبريل (نيسان) عام 1948 وقفت أمام أكشاك لبيع الصحف والمجلات، واشتريت نسخة من صحيفة ‘مصر الفتاة’ الأسبوعية، ووجدت بها أول مقال نشرته لي صحيفة من الصحف، وكان عنوانه ‘جهاد’ وموضوعه عن جهاد الفدائيين العرب الذين دخلوا أرض فلسطين قبل دخول الجيوش العربية النظامية إلى الأراضي المقدسة".

ويتابع: "كان طموحي إلى أن أكون كاتباً لا موظفاً قد ملك عليَّ كياني منذ تلك اللحظات فلقد توجهت إلى عالم القراءة الحرة، وأعطيتها أغلب أوقاتي، أما أول كتاب كتبته ونشرته فكان إبان دراستي بكلية دار العلوم، وهو كتاب ‘القومية العربية ومؤامرات أمريكا ضد وحدة العرب’ الذي كتبته في أسبوع سنة 1957، والذي نشر عام 1958 أي بعد عشر سنوات من نشر أول مقال!".

من أحضان ماركس إلى دهاليز ابن تيمية

يُعتبر عمارة أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في النصف الثاني من القرن العشرين. منذ أن بدأ يكتب في أوائل الخمسينيات في صحف ‘مصر الفتاة’ و’الاشتراكية’ و’منبر الشرق’ و’الآداب’ البيروتية وغيرها من الصحف المصرية والعربية، وهو يصول ويجول مدافعاً عن أفكاره التي غيّرها أكثر من مرة.

في مسيرة عمارة ككاتب ومفكر إسلامي مرّ بثلاث مراحل مختلفة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. فقد بدأ ماركسياً ثم انتقل إلى الاعتزال ومنه إلى الدفاع عن السلفية.

يعتقد الباحث والكاتب المصري ومدير وحدة البحوث في مركز دال للدراسات والأبحاث بالقاهرة سامح إسماعيل أن "التحولات الفكرية التي مر بهل عمارة تعكس نوعاً من الارتباك المعرفي والانتهازية في شخصيته".

ويقول لرصيف22 إن "التحولات الفكرية الكبرى في حياة عمارة ارتبطت بالحالة السياسية التي تحكم الواقع المصري، فقد آمن بالاشتراكية في أوجّ فتراتها في التاريخ المصري وهي الفترة الناصرية، ثم انتقل منها عند أفولها إلى العقلانية الإسلامية، مع حالة المدّ الاسلامي في فترة السبعينيات بعد سقوط المشروع الناصري، من خلال البحث في التراث الإسلامي عمّا يوافق آراءه وتوجهاته الجديدة، وهو ما وجده عند تيار المعتزلة فكتب ‘مُسلمون ثوار’ و’المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية’، ومنه إلى السلفية التيمية في أواخر أيامه".

ويضيف إسماعيل "أن عمارة حاول مُغازلة التيار الإسلامي الصاعد من خلال عدة محاور معرفية واجتماعية. في الجانب المعرفي انتقل من القول بمدنية الدولة في كتاباته الأولى وذلك بمناصرة الشيخ علي عبدالرازق في كتابه ‘الإسلام وأصول الحكم’ إلى القول إن الإسلام دين ودولة وإن رسالة الإسلام جاءت إلى الدين والدنيا، وظهر ذلك في كتابات عدة كـ’الإسلام بين الدين والدولة’ و’الرسول: القائد السياسي’ و’نقض الإسلام وأصول الحكم’".

لم يكتفِ عمارة بالكتابة والتنظير تحت عباءة "الوسطية الإسلامية"، بل لجأ إلى استدعاء الماضي لمناصرته في معاركه مع التيارات المخالفة. عمل عمارة ككاتب ومؤلف ومحقق، وتعدّت مؤلفاته المئتي كتاب بما فيها الكتب المكررة تحت عناوين مختلفة، ومنها حوالي 13 تحقيقاً لأعلام النهضة المصرية مثل تحقيق ‘الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده’ والأعمال الكاملة لكل من الطهطاوي والأفغاني والكواكبي وعلي مبارك ومحمد رشيد رضا، فضلاً عن كتاباته عن أبي الأعلى المودوي وحسن البنّا وعلي عبد الرازق وقاسم أمين وطه حسين.

"محمد عمارة أذكى الإسلاميين من أبناء عصره، ففي حين اتجه الإسلاميون إلى عزل أنفسهم بنبذ رموز الثقافة المصرية واعتبارهم عملاء للاستعمار والثقافة الوافدة، عمد عمارة إلى جذبهم إلى صفه في مواجهة الآخر العلماني"

يعتقد سامح إسماعيل "أن تحقيقات عمارة تميّزت بأنها تحقيقات إيديولوجية، إذ حاول جذب رموز النهضة المصرية إلى الأيديولوجية التي يتبناها، فقد كان وصياً بالحذف والتعديل والإضافة في الأعمال التي عرضها، خاصة مع الإمام محمد عبده وهو في ذلك يجاري أستاذه رشيد رضا في تعامله مع تراث الإمام، وفي تعامله أيضاً مع رموز التنوير المصري، كمحاولته خطف شخصيتيْ طه حسين وعلي عبد الرازق إلى صفه الإيديولوجي بتأويل رحلة حج طه حسين الأخيرة باعتبارها عودة إلى الهوية الإسلامية، ثم تأويل فكر علي عبد الرازق لتبرئته من آرائه في مدنية الدولة".

ويرى الباحث المصري في التراث الإسلامي هاني عمارة "أن محمد عمارة أذكى الإسلاميين من أبناء عصره". ويقول لرصيف22: "في حين اتّجه الإسلاميون إلى عزل أنفسهم بنبذ رموز الثقافة المصرية واعتبارهم عملاء للاستعمار والثقافة الوافدة، عمد عمارة إلى جذبهم إلى صفه في مواجهة الآخر العلماني الذي يعتبر نفسه امتداداً لهم".

الصراع على التنوير

تميزت الحالة الثقافية المصرية والإسلامية في العصر الحديث بـ"الضبابية" حول مفاهيم سياسية/ اجتماعية أساسية كتعريف الهوية والمجتمع والدولة (هل هي دينية أم مدنية؟)، وماذا نعني بـ"مدنية الدولة"، كذلك الصراع على مفهوم التنوير ومكانته في البيئة المصرية والإسلامية.

في إطار موقفه العام الرافض للغرب السياسي والثقافي، رفض عمارة مفهوم "التنوير الغربي" والذي يعني باختصار حرية الفرد في تحديد مصيره، ووضع عمارة في مقابله مفهوم "التنوير الإسلامي".

يفرّق محمد عمارة في كتابه "الإسلام بين التنوير والتزوير" بين التنوير الغربي والتنوير الإسلامي باعتبار أن "التنوير الغربي هو تنوير علماني يستبدل العقل بالدين ويقيم القطيعة مع التراث بينما التنوير الإسلامي هو تنوير مُستمد من القرآن وأنوار الرسول".

رفض محمد عمارة المنظومة الأخلاقية والاجتماعية الغربية، فالتنوير الغربي يوازيه التنوير الإسلامي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوازيه الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان، والدولة المدنية توازيها الدولة الإسلامية

يأتي رفض عمارة للتنوير الغربي في إطار الرفض الشامل للمنظومة الأخلاقية والاجتماعية الغربية، فالتنوير الغربي يوازيه التنوير الإسلامي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوازيه الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان، والدولة المدنية توازيها الدولة الإسلامية.

ورغم رفض عمارة للمفاهيم والمضامين الغربية، فقد نادى بالحرية في عدد من كتاباته باعتبارها ضرورة إنسانية وفريضة إلهية، إذ يرى أن مفهوم الحرية هو من المفاهيم الأساسية في الإسلام.

محمد عمارة والآخر

يُشدد محمد عمارة على مفهوم الحرية. ففي كتابه "الإسلام وحقوق الإنسان"، يقول: "الحرية في الإسلام ضرورة إنسانية واجبة وفريضة واجبة، بغيرها لن تتحقق حياة الإنسان كإنسان، فهي واجبة لتحقيق وصيانة الحياة التي هي واجبة، بل ومُقدسة -إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب- كما استقر عليه الرأي عند مُفكرى الإسلام".

لكنه خالف ذلك في أول اختبار عملي. يرى هاني عمارة أن "مقولات محمد عمارة والإسلاميين عن الحرية والديمقراطية والتعددية ما هي إلا أفخاخ ينصبها الإسلاميون لحيازة قبول اجتماعي يُمكّنهم من الظهور في المجال العام، وتنفجر هذه الأفخاخ مع أول احتكاك بينهم وبين المُخالفين. فمع مناداة عمارة بضرورة الحرية الفكرية، توجّه بسؤال، أثناء مناظرته مع المفكر الراحل نصر حامد أبوزيد، لماذا لم ينطق بالشهادة أثناء مُحاكمته على آرائه! وهذا يُعتبر نسفاً لكل مقولات محمد عمارة عن الحرية".

يتابع هاني عمارة: "كذلك أثناء المناظرة الشهيرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1992، كان محمد عمارة أحد أعضاء الفريق الذي كفّر فيه الشيخ محمد الغزالي الكاتب الراحل فرج فودة وأباح دمه وهو ما حصل، إذ اغتيل فودة أمام مكتبه بعدها بأيام".

يعتقد هاني عمارة أن "مشكلة محمد عمارة ليست مع العلمانيين فقط، وإنما مع كل مَن يختلف معه، علمانيين أو مسيحيين، أو حتى مسلمين لكنهم شيعة المذهب أو مُتصوفة. ويَرجع ذلك إلى مشكلة في بنية الفقة التقليدي الذي يرفض التعددية بكل أشكالها، فلا أحزاب ولا معارضة ولا عقائد مختلفة وإنما حاكم ورعية".

آخر "بلدوزر" اسلامي

أحدث محمد عمارة بتحولاته الفكرية من الاشتراكية إلى التيار الإسلامي، وما قام به من كتابات ولقاءات ومناظرات، زخماً معرفياً لدى الإسلاميين حول مفاهيم الدولة والعلمانية والتنوير والتعددية السياسية، وظهر عمارة كمُنظر وداعية يحمل رؤية إسلامية تسعى إلى الانتشار في المجال العام.

تميز عمارة كمُتحدث لبق يُجيد الكلام ويسعى إلى النَيل من خصومه ومُناظريه، وهو ما أظهره كبطل لدى الجمهور. كان يُصرّ على الظهور كمُدافع عن الإسلام وحامل لرايته، حتى لو أتى ذلك عن طريق خطاب شعبوي يعتمد على المقولات الخطابية والمغالطات المنطقية والهجوم على الآخر ونعته بالعمالة للمستعمر أو اتهامه بإبطان الكفر وإظهار الإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard