بعد ربع قرن… محكمة إسرائيلية "تُشرعن" سرقة "تيجان دمشق" وبقاءها تحت وصاية الاحتلال

الجمعة 21 أغسطس 202010:27 ص

عقب معركة قانونية طويلة، وبعد أكثر من ربع قرن على سرقتها، أمرت محكمة القدس بإبقاء "تيجان دمشق" التي تعود إلى العصور الوسطى في مكتبتها الوطنية بالمدينة المحتلة بذريعة "الحفاظ عليها" كـ"كنوز مملوكة للشعب اليهودي".

و"تيجان دمشق" مجموعة من الأناجيل العبرية تضم تسع مخطوطات يهودية نادرة امتلكتها الجالية اليهودية السورية عدة قرون قبل أن يسرقها جواسيس إسرائيليون وناشط كندي وحاخام سوري في تسعينيات القرن الماضي.

خلافاً لمخطوطات التوراة التقليدية، تتميز هذه الأناجيل بأحرف متحركة وعلامات ترقيم وعلامات أخرى تساعد على النطق الصحيح، يعتبرها مختصون مهمة جداً لفهم التطور الذي عرفته نصوص التوراة.

وقبل بضعة أيام، قررت محكمة إسرائيلية أن تُبقى النصوص العبرية المقدسة "تحت وصاية المكتبة الوطنية من أجل الحفاظ عليها".

"كنوز مملوكة للشعب اليهودي"... محكمة إسرائيلية تأمر بإبقاء أناجيل عبرية نادرة في مكتبة إسرائيلية بعد نحو ربع قرن من سرقتها وتهريبها إلى إسرائيل

للحفاظ عليها؟

وادّعت المحكمة أن هذه المخطوطات "كنوز للشعب اليهودي" ذات "أهمية تاريخية ودينية ووطنية" ويجب الحفاظ عليها، معتبرةً أن "أفضل طريقة للقيام بذلك، هي إبقاؤها في المكتبة الوطنية تحت وصاية سلطة عامة". كما زعمت أن "الوصاية تهدف إلى الحفاظ على ‘تيجان دمشق‘ وحمايتها من أجل الجمهور والشعب اليهودي والأجيال المقبلة".

وعند وصولها إلى إسرائيل، احتاجت المخطوطات ترميماً لمنع المزيد من التهرؤ. وزعمت المكتبة أمام المحكمة بأنها تحافظ عليها "في ظروف مناخية خاصة" لحمايتها. ولفتت إلى أن "قلة من المؤسسات لديها الموارد أو الخبرة للحفاظ على الكتب القديمة"، واصفةً ذلك بالأمر "المكلف والصعب جداً على مؤسسة مستقلة".

هذه المخطوطات تم تأليفها في أوروبا خلال القرنين الثالث عشر والخامس عشر قبل أن تستقر في دمشق. 

وطالما اعتنت الجالية اليهودية الدمشقية بهذه الأناجيل المزخرفة بشكل متقن إذ لم تظهرها للعلن إلا في مناسبات نادرة.

وكثيراً ما اشتهر يهود سوريا بثرائهم واعتزازهم بمثل هذه المخطوطات النادرة. لكن فرارهم تباعاً من سوريا بعد قيام إسرائيل عام 1948 رافقه تهريب الكثير منها بدعم من السلطات الإسرائيلية.

كيف تمت السرقة؟

وخططت وكالة المخابرات الإسرائيلية (الموساد) مع الناشطة الكندية جودي فيلد كار والحاخام أبراهام حمرا، آخر زعيم للجالية اليهودية في دمشق، لتسريب "تيجان دمشق" من سوريا وإحضارها إلى إسرائيل.

وبرغم أن العديد من تفاصيل العملية غير معلن للجمهور إلى الآن، قالت فيلد كار في إفادة خطية قدمت إلى المحكمة إنها نسقت عام 1993 مع حمرا لتسليم واحدة من المخطوطات إلى دبلوماسي كندي، وهذا هربها خارج سوريا في حقيبة تسوّق بلاستيكية سوداء.

وتحتفظ المكتبة الوطنية الإسرائيلية في القدس، التي تُعنى بجمع التراث اليهودي والحفاظ عليه، بـ"التيجان" منذ وصولها إلى إسرائيل. وأكد حمرا مراراً أن المسؤولين الإسرائيليين وعدوا بإعادة المخطوطات إليه كي يحتفظ بهز في مركز ثقافي خاص بيهود سوريا.

وقال أيضاً إنه حصل على قطعة أرض في ضاحية تل أبيب لإنشاء هذا المركز، الذي لم يُبنَ حتى الآن برغم مرور عقود عدة.

ورفع حمرا دعوى قضائية ضد المكتبة الإسرائيلية مطالباً فيها بملكية "التيجان"، ورفعت المكتبة دعوى قضائية مضادة عام 2014، مطالبةً بإبقاء "التيجان" تحت وصايتها.

وقبل إعلان قرار المحكمة، أوضح حمرا: "جئت للقتال من أجل العدالة والنزاهة".

"الوصاية وشروطها تهدف أولاً إلى الحفاظ على ‘تيجان دمشق‘ وحمايتها من أجل الجمهور والشعب اليهودي والأجيال المقبلة"... ماذا عن حق الملّاك الأصليين وعن القانون الدولي الملزم بإعادة التراث المنهوب؟

القانون الدولي وعودة الآثار المهربة

موقف المكتبة الإسرائيلية من ملكية التيجان ليس سوى انعكاس لمخاوفها بشأن الأسس القانونية للاحتفاظ بمواد التراث الثقافي اليهودي المهربة من دول أخرى.

بحسب اتفاقات الأمم المتحدة التي تمنع الاتجار بالموروث الثقافي، ينبغي أن يعود كل موروث إلى بلده الأم في حال تهريبه. مع ذلك، يشير متخصصون إلى سعي إسرائيل الممنهج إلى حصر كل الإرث اليهودي بها لحرف النظر عن فكرة الوجود التاريخي لليهود خارج "الأرض الموعودة".

وتبدو إسرائيل غير مكترثة للقانون الدولي إذ طالما تباهت وسائل إعلامها بعمليات نهب التراث الفلسطيني أو الأجنبي اليهودي، علماً أن اتفاق اليونسكو لعام 1970 يمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، ويطالب بإعادة كل القطع المسروقة بعد 1970 إلى دولها الأم. ويحق لسوريا، الموقعة على الاتفاق، المطالبة باسترداد المخطوطات.

وبرغم أن سوريا لم تطالب بالمخطوطات النادرة، فإن دولاً عدة - مثل العراق- تواجه ضغوطاً للمطالبة بإعادة ممتلكاتها الثقافية المسروقة والمهربة إلى إسرائيل.

وتعقيباً على الحكم المتعلق بـ"تيجان دمشق"، صرح مائير هيلر، محامي المكتبة الإسرائيلية، بأن حكم المحكمة كان انقلاباً للحفاظ على التراث الثقافي في إسرائيل، مضيفاً: "لقد نجحنا في إنقاذ المخطوطات من مكان مروع"، ومبرزاً أنها وجدت الآن مكاناً آمناً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard