أحلام فيدريكو فيلينيّ على الورق

الأربعاء 2 سبتمبر 202002:40 م

حاز فيلم " La Dolce Vita" للإيطالي فيدريكو فيليني في أيار عام 1960 على السعفة الذهبيّة في مهرجان كان، حينها كان فيلني بعمر الـ40، وفي شهر تشرين الثاني من ذات العام نصحه إريرنست بيرنهارد المحلل النفسي اليونغي بأن يدوّن ويرسم أحلامه كي تكون جزء من جلساتهم، ومن هذه اللحظة بدأت حكاية "كتاب أحلامي".

صدر كتاب أحلامي هذا العام بطبعة جديدة وحجم كبير عن دار فلاماريون الفرنسيّة، وكان قد سبق لفيلني أن نشر أجزاءً منه، لكن هذه الطبعة مقسّمة ومنقحة تأخذنا إلى عوالم المخرج الإيطاليّ الليليّة، إذ يدوّن ويرسم فيلني أحلامه بصورة متواترة، لنرى أنفسنا أمام ما يشبه الكتاب المصور، أو اليوميات، أو الكوميكس، دون أن نستطيع أن نحسم بدقّة "نوع" الكتاب،  المقسم إلى أجزاء أربعة، شكلت لفيلني مساحة شديدة الحريّة وأسلوباً لمواجهة الاكتئاب واكتشاف نفسه و"الآخرين".

في كتاب "أحلامي" الذي صدر بطبعة جديدة، يدوّن فيلني أحلامه بصورة متواترة، لنرى أنفسنا أمام ما يشبه الكتاب المصور، أو اليوميات، أو الكوميكس، دون أن نستطيع أن نحسم بدقّة "نوع" الكتاب الذي شكل لفيلني مساحة شديدة الحريّة وأسلوباً لمواجهة الاكتئاب واكتشاف نفسه و"الآخرين"

تقول لينا ويلتمولر، التي عملت معه كمساعدة مخرج في فيلم 8 ½ ، أنه كان يسأل كل من حوله عن أحلامهم ليس فقط فضولاً منه، بل رغبةً بمعرفة تلك العوالم التي تظهر وراء العيون. بل تجزم بأن قلة ساعات نومه بسبب مرضه آخر حياته، أثرت على عدد ساعات عمله، لكن بالعودة إلى الكتاب الذي يزن 3كيلوغرامات ونصف، ويحوي 584 صفحة، نلاحظ أن القسم الأول، يحوي الأحلام التي دوّنها فيلني بين عامي 1960 و 1968، والقسم الثاني الأحلام بين عامي 1973 و1990،  أما القسمين الثالث والرابع فهما أوراق منفردة لأحلام راودته خارج الأعوام السابقة.

لن نحاول مطابقة أو مقارنة التخطيطات والرسومات في الكتاب مع أفلام فيلني اللاحقة، لأنها موجودة طبعاً، بل أن تجارب الأداء التي كان يوصي فيليني بنشرها في الصحف تستهدف ممثلين وهواة يشابهون "الأشكال" التي تظهر في أحلامه حسب تعبير ويلتمور. لكن السؤال الذي نطرحه هو كيف يمكن قراءة هكذا كتاب، تغيب عنه علامة التجنيس، و يتقاطع مع أنواع أدبية وفنيّة متعددة؟ خصوصاً أن الهالة التي تحيط بفيلني تمنعنا من الاستخفاف بهذه "الأحلام" والأهم، طبيعة كتابتها ورسمها تجعل فيلني أقرب إلى مؤلف في كل حلم، لا مجرد شخص يحاول فقط تدوين أول ما يخطر على باله حين يستيقظ.

ما يثير الاهتمام و يحرك هذه الملاحظة هو وعي فيلني نفسه بأن ما ينجزه سُيقرأ يوماً ما أو سينشر، إذ كتب قبل الحلم الأول : "في أحلامي، أرى نفسي في أغلب الأوقات من الخلف، مع شعر أكثر، ووزن أقل، كما كنت منذ حوالي 20 أو 30 عاماً، هكذا أرى نفسي، وسوف أرسم نفسي هكذا لاحقاً في هذا الكتاب الذي سأدون فيه أحلامي"، أي أن فيلني واعٍ بذاته في الحلم، ومدرك للاختلاف بين "أناه" خارج الحلم و"أناه الأخرى" في الحلم نفسه، تلك التي تظهر في وضعية مستحيلة، من الخلف، التحديقة التي لا يمكن للشخص أن يحققها إلّا عبر وسيطي الحلم أو الصورة.  

نشاهد في كل حلم "لقطة" يقوم فيلني بتحريك عناصرها عبر النص، هناك أفعال تقوم بها الشخصيات واستمرار خارج الصورة الثابتة، وكأن أقلام وألوان فيلني تلتقط لحظةً واحدةً فقط على الورق في حين تتكشف الحكاية ضمن النص.

لا يمكن حصر الموضوعات التي تحويها "الأحلام"، إذ تتكرر موتيفات النساء ذوات الأثداء الكبيرة، ونهاية العالم، والتغيرات السياسية وتاريخ السينما،  فنحن أمام عالم لا متناهٍ من المخيلة، لكن المثير للاهتمام هو الحلم الأول ذاته، فاتحة المخيّلة، الذي يبدأ بمحطة قطار، كأول تسجيل سينمائي عرض علناً، لكن عوضاً عن مغادرة المحطة، فيلني في حلمه الأول يفوّت القطار الذي يحوي زوجته، ويحاول اللحاق بها، أشبه ببداية مختلفة لتاريخ الصورة المتحركة، فهناك حرب، والقطار رحل، وعلى فيلني أن يجد وسيلة كي يصل إلى محبوبته وفيلمه.

الحلم الأول: 1960- 30 نوفمبر

"في محطة قطارات في الشمال، أنا وغيوليتا (زوجة فيليني) على وشك الرحيل إلى برلين، أعلم أن غيوليتا مازالت في القطار، وأنا أبحث عن سيجارة، غريبة هي القاطرات التي سنستقلها!، أفران الفحم تشتعل وينبعث الدخان من القاطرتين المتوازيتين، ألوانها زرقاء داكنة، غنية بالزخارف والتفاصيل، أشبه بالعربات الكرنفاليّة التي كانت تستخدم في الاحتفالات في عهد نابوليون.

في كتاب "أحلامي" للإيطالي فيلني نجد أنه واعٍ بذاته في الحلم، ومدرك للاختلاف بين "أناه" خارج الحلم و"أناه الأخرى" في الحلم نفسه

أظن أننا كنا نمتلك وقتاً قبل الرحيل، ما يعني أني لم أكن على عجل، أدخل إلى البار القريب من القاطرتين، وأطلب من صاحب البار علبة سجائر دون رضا، لان صاحب البار يلبي طلبات الزبائن الآخرين الموجودين سابقاً، أبدأ بفقدان صبري، أخاف أن يتحرك القطار، فيخبرني صاحب البار هازاً كتفيه بنبرة خالية من أي اعتذار " مازال هناك وقت!" لكن في هذه اللحظة الحاسمة، كنت متيقناً بأن القطار سيرحل، نظرت إلى الخارج متوتراً ورأيت القطار يمضي، أسرعت إلى الخارج، لكن القطار اختفى، لم يعد في مكانه. بقيت المقطورة الثانية ذات الزخارف الباروكيّة.

 يخنقني القلق، غيوليتا وحيدة في ذاك القطار، كيف ألحق بها؟ هل أستأجر سيّارة وأسرع إلى بيلونو-Belluno، لكن غيوليتا لا تعلم أنها وجهتنا، لن تنزل من القطار حين تصل إلى هناك، بل ستتابع الرحلة إلى حيث يعلم الله (فيلني يستخدم هذا التعبير)، والله يعلم متى سأراها....لكن هاهنا جندي ألماني شاب، كأنه طفل، يقود سيّارة عسكريّة، قال أنه من الممكن أن يقدم لي خدمة وإيصالي،-إن تحركنا الآن- إلى المحطة المقبلة- قبل أن يصل القطار الذي يقل غيوليتا إليها. كنت جاهزاً لأن أدفع للجندي-الطفل المبلغ الذي يريد، لكنه تردد، يبدو أن هناك حرباً، وقد يراه واحد من قادته..."

20/ 10/ 1961

"أنا سجين في قصير صيني تسكنه بائعات هوى محترفات يرتدين ثياب الغيشا، هن ساديات شرسات، يتقن أسمى فنون الشبق وألعابه الخياليّة القاسيّة. أشعر بهنّ من حولي، قويّات، لعوبات كحيوانات وحشيّة، أشعر بأنفاسهن الحارّة تخرج من أفواههن، وكأنهنّ ذئبات جائعات، إنهن يعضضن كتفيّ وذراعي، ويضحكن ذبّاحات لي بأعينهن.

تتكرر موتيفات النساء في أحلام فليني. نساء بأثداء كبيرة، وثيمات نهاية العالم، والتغيرات السياسية وتاريخ السينما، فنحن أمام عالم لا متناهٍ من المخيلة: "أنا سجين في قصير صيني تسكنه بائعات هوى محترفات يرتدين ثياب الغيشا، هن ساديات شرسات، يتقن فنون الشبق وألعابه

يلتمع الضوء في أعينهنّ المضطربة، هل يلعبن؟ هل يمزحن؟ وصل ليوبولد تريستي، Leopoldo Trieste، مرتعداً، قال لي "اهرب ! سيلتهمنك نيّئاً!" لكني أكملت العراك مع بائعات الهوى. أنا مقتنع بأن كل هذا ليس إلا لعبة، حتى ولو كانت عنيفة، خطيرة، لكن نهاية، كي أتمكن من الهرب برفقة ليوبولدو عليّ أن أقاوم حقاً، وأواجه لسعة سوط، وركلات ونهشات، أقاتل بعنف على ظهورهن الناعمة، ومؤخراتهنّ الضخمة، حطمت كل أثاث الشقة، المصابيح، ...كل شيء.

أخرج من القصر وأنا أشعر بالعار لأنني بالغت، تملكتني الوضاعة لأني تعاملت بهذه الطريقة مع أولئك الشراميط المسكينات. ربما لم تكن إلا لعبة ! أردن فقط إثارتي كي أمارس معهن الحبّ، لكن عاد الشكّ إلى قلبي. ماذا لو أردن فعلا قتلي...

7/8/1963

" كنت ألعق شَفر أنيتا، التي أًصبحت سمينة، وتتفادى النظر في عيني، هي تنظر إلى الخارج عبر النافذة، وتقذف بكرم..."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard