"انتصرنا" ولكن بلا وطن!... حفلة تكاذب وطني سوري

الثلاثاء 28 يوليو 202001:00 م

في أحد مشاهد مسرحية "كاسك يا وطن"، يسخر دريد لحام من فهم المثقف للقضية "التي كانت فلسطين حينها"، ويقول لشاب أخبره أنه متزوج من القضية: "اشتري ولد يلعبلك بقضيتك". ينتهى المشهد بضحك شديد من الجمهور، ضحك استمر لسنوات كلما عُرضت المسرحية. القضية ظل اسمها فلسطين، وبقيت على عصمة بعض المتاجرين بها، ولكن أصبح فعل "اجترار القضية" تجارة رابحة.

لنُعد المشهد مرة أخرى، ولنستبدل قضية فلسطين بقضية سوريا: "اشتري ولد يلعب بقضيتك". سينتهي المشهد ولن يضحك الجمهور. فالمشهد المضحك طُبخ قبل بضع عشرات من السنين، ونسينا وضعه في الثلاجة، وبعد أن استبدلنا القضية وأعدنا تخيّل المشهد لم نُضحك الجمهور.

اتفقنا جميعنا أن نضحك بأنفسنا على مشهدنا في حفلة تكاذب وطني بدأت بعد أول ستة أشهر من سلمية الثورة السورية، الثورة التي نفتش عنها في ذاكرتنا فلا تسعفنا بأي مشهد لكثرة ما تراكم فوقها من ضحايا ولاجئين وبيوت مهدمة وإسلاميين وسياسيين كاذبين وممولين وشعارات أصبحت أقرب إلى النكتة.

لنبدأ من الأحدث للأقدم. يطلق النظام السوري انتخابات لمجلس الشعب، يعرف هو ويعرف جمهوره ويعرف المرشحون أنها صورية، لا معنى لها ولا فائدة سوى إكمال المشهد الذي دأب على رسمه منذ 2011. ونعرف نحن أننا اليوم بعد تسع سنوات نرتكب ذات الفعل بذات المخرج والممثلين وبأسماء مختلفة قليلة.

ولكن المشهد الذي نخرج به نحن أكثر ركاكة وخالٍ من الديمقراطية الصورية. يتم تغيير "طرابيش" مسؤولي المعارضة بين الكراسي وتعلن النتيجة للجمهور، ليتقدم النظام على الثوار في مسرحية الديمقراطية. ولندافع عن أنفسنا، نتخذ قراراً بإفشال تمثيليته عن طريق الكوميديا، ونجتمع في حفلة من التكاذب الوطني لنسخر ونشتم ونروج ونضحك من أفعال وأفكار النظام الذي انفصل عن واقعه منذ سنوات، بالنسبة إلينا، ونصمت أو نتجاهل تمثيليتنا الركيكة، لأن معظمنا يعمل في مؤسسات تابعة لممولي أصحاب الطرابيش، أو ربما لأننا يئسنا من إصلاح معارضتنا السياسية، وهذا عذر ركيك لا يبرر رقصنا على جثة الثورة.

قبل انتخابات مجلس الشعب، انتفضت السويداء، وجرت الدماء مجدداً في الثورة مع الشعارات التي رفعتها السويداء والتي استعادت شعارات الأشهر السلمية الأولى الستة، وسرعان ما دشنّا حفلة تكاذب وطني، فتحولت السويداء إلى رمز الصمود والتصدي، وأطلقنا شعارات غريبة رغبوية مثل "الثورة بدأت من جديد"، وفُتح بازار التنظير والبكاء، وأصبح المجترون أبطالاً من جديد مع قدرة هائلة على إخراس أي سؤال يطرحه العقل: لماذا ترفع السويداء شعارات ثورة لم تشارك بها على مدى تسع سنين رغم كل المآسي التي رافقتها والتي حركت العالم بأكمله حينها؟ ولماذا ترفع السويداء صور الساروت، "البطل السنّي" الذي يتهمه كثيرون بالطائفية والإسلامية؟ ولماذا بدأت السويداء ما أنهيناه بأيدينا عبر سنوات من الارتزاق والارتهان والتفوق على النظام نفسه بالفساد؟

"اتفقنا جميعنا أن نضحك بأنفسنا على مشهدنا في حفلة تكاذب وطني بدأت بعد أول ستة أشهر من سلمية الثورة السورية، الثورة التي نفتش عنها في ذاكرتنا فلا تسعفنا بأي مشهد لكثرة ما تراكم فوقها من ضحايا ولاجئين وبيوت مهدمة... وشعارات أصبحت أقرب إلى النكتة"

إذا ما غلّبنا أمنياتنا، يمكن فهم الحماس الذي أصابنا، ولكن مرحلة النشوة انتهت بعد أيام، واختفت الثورة الوليدة من أجنداتنا، وفي تآمر جماعي اتفقنا عليه بدون أن نتحدث مع بعض. صمتنا مرة أخرى بلا أي سؤال حول سبب خروجهم وسبب رجوعهم.

لم ينتهِ المشهد، وحفلة التكاذب الوطني لا تزال سارية المفعول، إذ نعرف ويعرف جمهور النظام أن ثمة قاعدة معروفة في سوريا ما قبل 2011، مفادها وباختصار أن النظام السوري لا يسمح لأي مشروع إعلامي بالولادة إلا إن كان متأكداً من أنه سيقف على يمينه، على يمينه في كل التفاصيل، في مدح السلطة، في تغلغل الفساد، في الاعتماد على الحكم المخابراتي، وبالطبع في الحفاظ على الصورة الوطنية والممانعة للنظام، وفي تلميع وتضخيم هذه الصورة.

تأخّر الإعلام الخاص كثيراً قبل أن يظهر بصورة مطابقة للإعلام الحكومي ما قبل 2011، ليتحوّل ويقف على يمين الإعلام الحكومي بعد 2011، وبهذا ربح النظام السوري رهانه.

"أما النصر، فهو بالتأكيد شعار يرتدي ثياباً أكبر منه بكثير، ومعنى فضفضاض يختلف باختلاف نوعية حفلة التكاذب الوطني التي ننوي أن نفتتحها عندما سنعتقد أننا انتصرنا، وإلا ما معنى أن يكون ثمة كلمة ‘نصر’ في الحالة التي وصلنا إليها كسوريين، بلا وطن؟"

اليوم، في عام 2020، يبدو المشهد مشابهاً لما كان قبل تسع سنوات، مع استبدال النظام بالدول الممولة للإعلام. ويبدو أن شرط النظام ما قبل تلك السنوات بات شرط الممول، فتكاثرت وسائل إعلام أطلق عليها اسم "إعلام بديل"، وحملت في معظمها شعارات أكبر من شعارات الثورة نفسها فوقفت ظاهرياً على يمين الثورة، لتتحول تلك المشاريع من إعلام "ثورة" كما يحب "ثوارها" أن يسموها، إلى إعلام تكاذب وطني متخصص في إسكات الأصوات العقلانية لأنها لا تناسب الممول، ويحافظ بأمانه على اجترار ثورة ماتت أشهرها الستة السلمية مع مَن ماتوا خلال السنوات التسع المليئة بالدمار والفساد والعصاباتية والإسلامية.

صار إعلام الثورة يقف على يمين إعلام النظام بالاحتفاء والتشهير والتلفيق لتحقيق هدفه بإعلان أن الثورة مستمرة، لأن موت القضية يعني موته نفسه.

لدينا إعلام "ثورة" جاهز لشتم أقلام عربية صنعت رأياً عاماً مسانداً لثورة السوريين، لأن أصحاب هذه الأقلام مسّوا بالممول، وإعلام "ثورة" وجد نفسه عالقاً في حالة النشطاء ليكسب الجمهور، فتبنى ظاهرياً أشد الأفكار تطرفاً، وساير الشارع بدل أن يكون شجاعاً ويطرح أفكاراً لا تملك شعبية ولكنها تؤسس لحالة من النقاش، وأعدّ وصفات لحرب أهلية يقدّمها لإرضاء الدولة الممولة أو الدولة المحتضنة على حساب الوعي الشعبي.

في كل دول العالم التي شهدت أوضاعاً مماثلة، جرى تحديد المسؤولين عمّا جرى ببضعة أشخاص هم أعلى جهة في السلسلة القيادية في البلد. أما في الحالة السورية، فقد جرى التشهير بكل مَن يعيش في مناطق النظام وهدر دمه، ليصبح الوصف الأصح لهذا الإعلام أنه أقرب إلى حمام دم إعلامي، بعدما شارك بـ"الشعبوية" وبتوسيع المسؤولية بطريقة فاشية.

استخدم الجانبان، النظام والمعارضة، تعبير الحواضن الاجتماعية، وأصبح كل مَن أيّد أو كتب أو شارك بتغطية أو بفن أو مسرح أو كرة قدم، متهماً رئيسياً، وهذا يعني عملياً تحوّل كل السوريين إلى قتلة، وبكلمات أخرى يُصوَّر أنه لا يوجد سوريون غير قتلة.

أعلن لي صديق أن الثورة انتصرت فعلاً، وعندما لحظ استغرابي وعدم فهمي، قال لي: أصبحنا أسوأ منه في كل شيء، ولسنا بعيدين عن الانتصار.

وأما النصر، فهو بالتأكيد شعار يرتدي ثياباً أكبر منه بكثير، ومعنى فضفضاض يختلف باختلاف نوعية حفلة التكاذب الوطني التي ننوي أن نفتتحها عندما سنعتقد أننا انتصرنا، وإلا ما معنى أن يكون ثمة كلمة "نصر" في الحالة التي وصلنا إليها كسوريين، بلا وطن؟

ليس كشف حساب أسود ما ورد أعلاه، ولكنه دعوة إلى تغيير المشهد، المشهد الذي يتصدره انفصال عن الواقع، وارتزاق على حساب العذابات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard