"أسماء عديدة لامعة تدين له ولدار نشره"... رحيل الكاتب والناشر الأردني إلياس فركوح

الخميس 16 يوليو 202004:37 م

لا موعد اجتماعه المحدد يوم الأحد المقبل مع مؤسسة عبد الحميد شومان سيعقد، ولا اتصاله الذي وعد به لترتيب لقاء صديق في القريب العاجل سيجرى، ولا حتى الـ "لا تقلقي" التي طمأن بها صديقة له سيكون لها داع بعد اليوم، ببساطة لأن صاحب تلك الوعود، الكاتب والمترجم الأردني إلياس فركوح، قد رحل عن هذا العالم، يوم الخامس عشر من تموز/ يوليو الجاري، عن عمر ناهز 72 عاماً.

تلك الالتقاطات جاءت على لسان كتّاب وكاتبات ومثقفين/ات أردنيين/ات في حديث لهم مع رصيف22، وهم ينعون أنفسهم وينعون المشهد الثقافي الأردني والعربي، على وفاة إلياس فركوح الذي توفي إثر إصابته بنوبة قلبية حادة، لم تتسبب برحيله فقط، بل تسببت بفاجعة حزن للوسط الثقافي.

ويعدّ الراحل فركوح المولود في العام 1948، واحداً من أهم الكتاب والمترجمين الأردنيين، وحاصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية، كما أنه مؤسس دار الأزمنة للنشر، ومن رواياته: "أرض اليمبوس".

من يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن منذ يوم أمس وحتى اللحظة، يكاد يرى من خلال المنشورات التي نعت رحيل فركوح، دموع كتابها، بل يكاد يلتقط شعور القهر عندما أصبح فركوح خبراً عاجلاً عبر منصات افتراضية، وهو الذي كان من يغذي المنصات الثقافية الواقعية بوجبات لا تنضب من الأدب والفكر والترجمة.

شعور القهر ذلك يعبر عنه الكاتب الأردني، عريب الرنتاوي، في حديثه لرصيف22، وهو الذي كان قبل يومين، وفق ما يرويه، قد أغلق سماعة الاتصال مع فركوح، بعد وعد بلقاء قريب لمناقشة أنشطة في المستقبل تتعلق بجوائز للقصص القصيرة وقصص الأطفال.

ويقول: "انقهرت جداً عندما قرأت خبر وفاة رجل كان طوال حياته في قمة تألقه، عبر فيسبوك، خبر وفاته وأنا أقرؤه كان كالمطرقة على الرأس"، مضيفاً: "حدثني منذ أيام قليلة وكان في ذروة تألقه وحماسه، ومتشجعاً للنشاط، حتى أنني طلبت منه أن نحدد لقاء بناء على طلب صبية أعرفها، تريد أن تستشيره لأول عمل روائي لها، وبكل لياقة كما عودنا، إلياس رحّب بذلك".

يعدّ إلياس فركوح المولود في العام 1948، واحداً من أهم الكتاب والمترجمين الأردنيين، وحاصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية، كما أنه مؤسس دار الأزمنة للنشر، ومن رواياته: "أرض اليمبوس"

وبين الكاتب الرنتاوي أن صداقته بفركوح كانت منذ سبعينيات القرن الماضي، وخلال الأعوام الماضية أصابها حالات انقطاع وعودة، لكن وبعد مرحلة مرض الكاتب الراحل أمجد ناصر، عادت العلاقة وتوطدت من جديد، حتى أن حفل تأبين ناصر كان بتنظيم كل منهما، بحسب الرنتاوي، ويقول: "أعاد رحيل ناصر الدماء إلى عروقنا أنا وإلياس، لكن فجأة توقف ضخ الدم دون علم وتهيئة مسبقة، ورحل إلياس عنا".

ولم يستغرب الرنتاوي من حجم الفاجعة على رحيل إلياس فركوح التي وصلت من الأردن إلى فلسطين أيضاً: "الفجيعة في فلسطين لا تقل عن فجيعتنا في الأردن، وأنا منذ يوم أمس أتابع شعراء وكتاب وروائيين في فلسطين، ولاحظت أن هناك مراثي فجائعية على رحيل إلياس".

ما أكثر ما تتذكره عن إلياس؟ سألت الرنتاوي، وأجاب: "طالما كان إلياس حاضراً ثقافياً وإنسانياً، ولم يسبق أن دخل في مهاترات وعصابات وشلل نشهدها في مختلف الأوساط، كالثقافية منها، باختصار كان جينتل مان".

أما عن موعد يوم الأحد المقبل الذي لن يجرى، يتحدث مسؤول الأنشطة الثقافية في مؤسسة عبد الحميد شومان، الكاتب موفق ملكاوي، لرصيف22، ويقول: "أول من أمس أنهيت اتصالاً مع إلياس، نسقنا من خلاله ذلك الاجتماع، باعتبار أنه عضو لجنة عليا لجائزة أبدع، وهو اجتماع إجرائي، لكنني كالعادة لمست مدى تحمسه له".

ويرثي ملكاوي فركوح ويقول: "الراحل كان واحداً من الملتزمين بهموم الكتابة الإبداعية والمعرفية وبهموم النشر، وهو الذي أسس دار الأزمنة للنشر في تسعينيات القرن الماضي، خصصها في البداية للكشف عن الإبداعات الشابة، دار الأزمنة التي مثلت على مدى عقدين تقريباً، الوجهة المفضلة لدى الشباب الأردني، الذين ومن خلالها نشروا إنتاجاتهم الإبداعية، ومن المعلوم أن هناك أسماء عديدة لامعة اليوم تدين لإلياس ولداره بوجودها الإبداعي".

وختم ملكاوي حديثه: "إلياس فركوح ليس رقماً عابراً في معادلة الإبداع المحلي والأردني، فهو من جيل الكبار الذين سنتذكره معهم منذ اليوم".

ووصف وزير الثقافة الأردني، الدكتور باسم الطويسي، الراحل فركوح في حديثه لرصيف22، بالقامة الأردنية والعربية، مستعرضاً أبرز الجوانب التي أطل عليها فركوح وأثر فيها بالكثير، أهمها "مجال الإبداع الأدبي، حيث قدم إضافات نوعية في القصة والرواية، كذلك في مجال صناعة النشر، كما أن حضور إلياس الشخصي أثّر في تقديم أدباء شباب ووضعهم في الطريق الصحيح، فضلاً عن مجال الترجمة الذي ساهم من خلاله في تحديث السرد العربي".

وحتم الوزير الطويسي حديثه: "أثر إلياس فركوح سيبقى شاهداً على الإنجازات التي قدّمها طوال مسيرته، ونحن اليوم، مثقفين أردنيين وعرباً، فقدنا منارة مهمة من منارات التنوير".

"أثر إلياس فركوح سيبقى شاهداً على الإنجازات التي قدّمها طوال مسيرته، ونحن اليوم، مثقفين أردنيين وعرباً، فقدنا منارة مهمة من منارات التنوير"

تكررت كثيراً خلال حديثي مع تلك المصادر وغيرهم، كلمة "شباب"، وهم ينعون الراحل إلياس فركوح، مثل الكاتبة والروائية الشابة رشا سلامة، التي تحدثت لرصيف22، عن تجربتها الخاصة في الدعم الذي قدمه لها فركوح ومحا من خلاله تخوفاتها من الظهور في الوسط الأدبي والثقافي الأردني.

تقول رشا: "التقيت بفركوح أول مرة في العام 2009 لطباعة روايتي القصيرة الأولى 'تماثيل كريستالية'، والتي كانت تتحدث عن الثورة الفلسطينية، وفتحت الحديث معه بشكل شخصي باعتباره شخصاً منخرطاً بتلك الثورة، مرة قال ممازحاً إنه وأثناء العمل الفدائي، كلما كان يذهب للأردنيين ويسألونه: ماذا تفعل لدى الفلسطينيين؟ وكلما كان يذهب إلى فلسطين يقولون له ماذا تفعل بيننا؟ وختم تلك الدعابة بضحكة عالية لن أنساها".

وتضيف: "منذ ذلك كنت أنظر إلى إلياس النظرة ذاتها، ذلك الأديب والمناضل، حتى أننا خلال لقائنا الأول أصر على قراءة مخطوطة روايتي، وقال لي إنه لا يترك مخطوطة لأي كتاب يطبع في داره إلا ويقرؤه، خصوصاً لدى جيل الشباب، وقال: أنا لا أفعل ذلك تجملاً لكن يهمني أن أعرف كيف يفكر هذا الجيل الصاعد".

وحين علمت رشا بمرض إلياس الأسبوع الماضي عندما قرأت ذلك على الفيسبوك، أرسلت رسالة له للاطمئنان عليه، وأجابها إلياس: "لا تقلقي!".

لم يكن الراحل فركوح منحازاً فقط لجيل الشباب من الكتّاب، بل أيضاً لكل فئات المجتمع، مثل سامي أبو حسين، صاحب واحدة من المكتبات الصغيرة في منطقة وسط البلد في العاصمة عمّان، سألته: ماذا تذكر من مواقف بينك وبين إلياس؟ أجاب دون تردد: "كثير من المرات، يكون بده مني فلوس ثمن كتب طبعتها داره 'أزمنة للنشر'، وكان يرفض ياخدهم، ولما كنت أسأله عن السبب كان يقول: يا أخي أنا بدي أدعمك"، ويختم سامي: "والله العظيم كان يعمل هيك".

من الجدير ذكره أن لإلياس فركوح كتباً كثيرة، بما فيها روايات وقصص قصيرة. وكانت قد ترشحت روايته "أرض اليمبوس" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 في دورتها الأولى. وحاز فركوح على جائزة أفضل مجموعة قصصية من رابطة الكتّاب الأردنيين عام 1982، عن مجموعته القصصية "إحدى وعشرون طلقة للنبي"، وفاز بجائزة الدولة التشجيعية عام 1990 عن روايته "قامات الزبد"، ونال الجائزة التقديرية للدولة عام 1997 في فرع الآداب، وبالإضافة إلى الأدب والقصص، صدر له مجموعة من الدراسات، منها "بيان الوعي المستريب: من جدل السياسي- الثقافي" عام 2004، و"الكتابة عند التخوم: الذات الراوية هي الرواية"، من تقديم أمجد ناصر عام 2010.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard