"أتحدّث إليه كأنّه يعيش معنا"... حياة أمّهات الشهداء كمتاحف للأمومة المجروحة

الثلاثاء 7 يوليو 202004:28 م

بعد أن أصبح الموت حالة شبه يوميّة في الشارع العربيّ في العقدين الأخيرين، تحول ألم الفقدان إلى صورة الواقع عند آلاف العائلات العربية. ألمٌ من الصّعب أن يتبدّد أو يزول مع مرور الوقت، وأسبابه تلح على أصحابه في كل مرحلة. فكيف إذا ارتبط الفقدان بالأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في الحروب؟

للأم الثكلى والمفجوعة صورة تتجسّد في أذهاننا أمّاً أضناها الحزن أو أمّاً تنتظر على عتبات الدار عودة الابن المفقود أو الغائب حيث ينفطر قلبها ألماً ولوعة. وهي صورةٌ تتدخّل القيم الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة في تشكيلها، أيضاً. من خلال تصوير الأمّ العربيّة كمضحّية بأبنائها على مذبح الوطن. لكن مهما تغيّرت ملامح هذه الصّورة الاجتماعيّة، تتّخذ كلّ أمّ شكل حدادها الشخصيّ ويوميّات ترتّبها على مقاس حزنها وكربها. وتتشارك، بالمقابل، مع أمّهات مكلوماتٍ أخريات بضيق الأنفاس حين تعود الذكريات لنهش روحها، تستعيدها وتستذكرها كلّما مسّت ذاك الجرح العميق الذي يصعب أن يلتئم.

وُضعت الأمّ دون خيارها في خانة الأمّ المضحّية التي يجب عليها ابتلاع ألمها والصمود في سبيل الوطن والقضية. 

"الجراح لا تلتئم"، هكذا تقول أمّ حيدر التي فقدت ابنها حيدر علاوي العامري (17 عاماً) في تشرين أول/ أكتوبر الماضي بسبب مقذوف دخاني في الرأس على يد وحدة مكافحة الشّغب، كما تسمّى في بغداد. وتضيف: "الجراح لا يمكن أن تلتئم. سيظلّ فقدان حيدر جرحاً ينزف على الدّوام. لا شيء بإمكانه التعويض أو العزاء. كنا قد أعددنا غرفة في البيت لحيدر وعروسه. نويت أن أخطب له في نفس الشهر، ذهب وعاد جثّةً ولم أخطب له". عن هذا الجرح تقول أمّ محمد من مخيم بلاطة في فلسطين والتي فقدت اثنين من أبنائها أثناء الانتفاضة: "عندما تفقد الأم ابناً لها فهي تفقد قطعةً من لحمها ودمها، فما بالك بولدين. هو فقدان تشعرين بأنّه ينهش جسدك وروحك. لا شيء بإمكانه تخفيف وتوقيف هذا الألم او التعويض عن الفقدان، لا شيء. إنّه ألمٌ يشبه ناراً تلتهم أحشائك". فيما تذهب أمّ نبيل، التي استشهد ابنها في الرّقة عام 2017، لوصف حالها قائلة: "لا يوجد أغلى من الابن إلا الله عزّ وجل. موته حوّلني إلى إنسانة بدون روح حية ميتة. أنا مت يوم استشهاده وهو عاش. ثلاث سنوات وما زالت ضحكته ترن في أذني وما زلت ابحث عنه كل يوم في كل زاوية كان يرتادها."

الذنب القاتل

لا يمكن اليوم الحديث عن تراتبية ثابتة وموحّدة لمعالجة الفقدان. فعلى الرّغم من أنّ الفقدان والموت شيءٌ مألوف للجميع، إلا أنّ معالجته لها علاقة بمركّبات ومعتقدات دينيّة واجتماعيّة وجندريّة وعقائديّة، والأهم بمبنى وطبيعة شخصيّة الفرد. صحيح أنّ تجربة الفقدان تجربة عامّة لا تفرّق بين البشر، غير أنّ كلّ منّا يتعامل معه بصورة مختلفة عن الآخر. فلا توجد مدّة زمنية محدّدة للحداد الشخصيّ. ثمّة من يستطيعون التأقلم مع واقع الفقدان فيتعايشون معه، وثمّة من لا يستطيعون التأقلم. منهم من يحوّل ذكرى الفقيد إلى مذبح للطقوس اليوميّة، ومنهم من يصارع الألم بالهروب من الذكريات التي لا تنكفئ عن المطاردة. تلك الذكريات تطارد أم حيدر بشكل يوميّ: "لا أستطيع النظر إلى صورته. في كلّ مرة أحاول النظر إليها بعد استشهاده، أشعر بأنّي لست قادرة على التنفس، وأنّ الألم أكبر من أن أستطيع تحمّله. وعليه، أفرغتُ المنزل من كلّ شيء يمكن أن يذكّرني به. ليس هناك ما هو أكبر من فقدان الابن".

على عكسها، حوّلت أمّ محمّد منزلها بأكمله لمتحف لصور أبنائها. وأبقت على غرفتهم وأغراضهم كما هي: "أقف أمام صورهم يوميّاً. أحياناً لساعات طويلة؛ أتخيّلهم، أبكيهم، أحضن ملابسهم وأشمّها، حتى تهدأ النار التي بداخلي لبضع دقائق".

ما يخفّف من ألم الشّوق لدى أمّ نبيل هو زيارتها لقبر نبيل، فتتكلّم معه لساعات طويلة: "أتحدّث إليه كأنّه يعيش معنا. أحدّثه عن أخبارنا وعما يجري من حولنا وأشكي له ألمي ولوعتي". ومع استرجاع الذكريات يأتي أيضاً الشعور بالذّنب. فكلّ أمّ تشعر أو تعي بأنّ الشعور بالذّنب يولد مع كلّ ولادة تجيء بإنسان إلى هذا العالم. فنحن ننشأ، كنساء أولاً ومن ثمّ كأمهات، على الشعور بالذنب. عساني لا أعرف أمّاً لم تشعر يوماً بالذنب لسبب ما تجاه أطفالها. لكنّ هذا الشعور في حالة الفقدان له إسقاطات وأبعاد أخرى. نجد أن أهل الشهيد يوجّهونه تجاه أنفسهم جرّاء عدم قدرتهم على حماية أبنائهم وزجر المخاطر عنهم. ولعلّ صورة استشهاد محمد الدرة أثناء الانتفاضة الثانية تجعل هذا الشعور مرئيّاً؛ حيث قُتل محمد بين أحضان والده، والذي كان من المفترض أن يكون الملجأ الأكثر أماناً. تقول أمّ نبيل: "هناك لحظات من الجلد الذاتيّ، أسال فيها نفسي لماذا لم أعمل على منعه من الخروج ذاك اليوم. كنت أعيش خوفاً وترقّباً لكارثة ستحل حتماً. شعور بالترقب لا يمكن وصفه". بدورها تقول أمّ محمد: " "أتساءل أحياناً إن كان بإمكاني منع فقدانهم من الحصول. دائماً أقول إنّه ربما كان باستطاعتي منع ذلك. على الرّغم من مرور أكثر من عشرة أعوام على فقدانهم، لا يمرّ يومُ دون أن أسال نفسي هذا السؤال".

بعد أن أصبح الموت حالة شبه يوميّة في الشارع العربيّ في العقدين الأخيرين، تحول ألم الفقدان إلى صورة الواقع عند آلاف العائلات العربية. ألمٌ من الصّعب أن يتبدّد أو يزول مع مرور الوقت، وأسبابه تلح على أصحابه في كل مرحلة. فكيف إذا ارتبط الفقدان بالأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في الحروب؟

الصّدمة كابوسٌ بلا نهاية

إنّ الخسارات الصادمة التي تعتبر الأكثر شيوعاً في العالم العربيّ، هي الأكثر تعقيداً. فالخسارة بعد الحدث الصادم تعمل على خلق شعور دائم بالعجز والقلق، وتؤثّر على العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة. يُظهر من يعانون منها ردود فعل عاطفيّة شديدة وأعراض (ما بعد الصدمة). فخسارة الأبناء بإمكانها أن تؤدي إلى انهيار عالم من المعتقدات والقيم الاجتماعيّة والعقائديّة. وعلاوة على ذلك، يمكن للصدمة أن تؤثّر على معالجة الفقدان والمقدرة على ترويضه والتعايش معه. وعادة ما تكون عملية التأقلم طويلة ومؤلمة وآثارها عميقة، حيث ينصبّ مجهود هذا التأقلم في استكمال عمليّة وداع الابن والتي غالباً ما تكون عملية وداع مفاجئة وسريعة سيّما في الظروف التي خلّفتها وتخلّفها الحرب الطاحنة كما في سوريا.

عملية الحداد لا تنتهي أبداً، حيث يتعلّم الشخص التعامل وترويض الفقدان بطريقته فيعيش تفاصيله ويوميّاته ويحاول أن يكيّف نفسه حسب إيقاعه. تقول أمّ نبيل إنّ حياتها قبل استشهاد نبيل وبعده هي ليست نفس الحياة. فلا شيء يغويها منذ رحيله. تقضي الساعات والساعات بجانب قبر نبيل. حتّى أنّها نامت ليلة أحد الأعياد بجانب القرب. وإذا لم تكن في المقبرة فهي حتما في غرفته، تبحث بين أوراقه عن قصاصة أمل أخرى كان قد دوّنها. أمّا أمّ حيدر فتقول بأنّ البكاء والصلاة يخفّفان من ألمها: "عندما أبكي أشعر بالراحة لبعض من الوقت حتى يتجدد الألم". تقول لي "امتنع من مصادفة أي غرض يخص حيدر لأني أشعر بأن الذكريات بإمكانها قتلي".

الفقدان والتفاعلات الاجتماعيّة

لا يمكننا التعامل مع التفاعلات الاجتماعيّة حول الفقدان والثكل بمعزل عن الجندر وتقسيمات الجنوسة الاجتماعيّة، والتي أعطت أدواراً ذكوريّة وأدواراً أنثوية للتعامل مع الفقدان. فالأنماط الجندريّة الاجتماعيّة هي التي تشكّل وتبلور تجربة الفقدان. وعليه، فقد تمّ ربط المرأة بكلّ أنحاء العالم بصورة مفهوم الحداد وليس بمحتواه الفعليّ. فعادة ما نرى صور الأمهات يندبن ويبكين أطفالهن وأبناءهنّ. ويجب الإشارة إلى أنّ الربط بين الفقدان والمرأة كان دائماً وأبداً من خلال أمومتها وليس من خلال كونها المرأة الإنسانة. ويظهر استخدام الأمومة في السّياقات الوطنيّة والصراعات من أجل التحرّر الوطنيّ. فيتمّ استخدام القوميّة والتقاليد الثقافيّة لإنشاء صورة للأمهات اللواتي يضحين بأبنائهنّ على مذبح الوطن.

"ليس هناك ما هو أصعب من أن تفقدي ابنك على يد ابن بلدك"

ولم تختلف المرأة العربيّة في ذلك عن النساء في شتّى بقاع الأرض. فتصوير المرأة العربيّة كحاضنة الأمة وأمّ الوطن والشهداء، وحاملة الجماعة برحمها. وقد حرص الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ على توجيه رسائل للأمّهات العربيّات، رسائل لم تحمل كلمات الرثاء أو العزاء، بل توجهت إليهنّ بصفتهنّ حاميات الوطن الحقيقيّات، اللاتي يتحملن مسؤوليّتهنّ بالتضحية بأبنائهنّ من أجل الوطن. أي وُضعت الأمّ دون خيارها في خانة الأمّ المضحّية التي يجب عليها ابتلاع ألمها والصمود في سبيل الوطن والقضية.

كذلك، فرض مصطلح الشهادة نفسه على هذه السيرورة. فأيّ صورة أفضل من تلك الصورة التي يوصف بها الشهيد بالبطل الذي ضحّى بحياته من أجل الوطن وأبنائه، فهم أحياء عند ربهم يرزقون. تأتي هذه الآليّة بحسب المفهوم الاجتماعيّ الدينيّ لدعم وحماية الأهالي الثكالى نتيجة تجربتهم الصادمة. ودون شك، كان لهذا المصطلح التأثير الأكبر والأعظم على جميع الأمهات اللواتي تحدّثتُ إليهن، فجميعهنّ أشرن إلى أنّ الشهادة هي من المركّبات التي تعزّي الأمّ. ورغم أنّ معظمهن قلن إنّهنّ كنّ يفضلن حياة أبنائهن على الشهادة، إلا أنّ الإيمان المتجسّد بمصطلح الشهادة، والذي يرى بالشهيد الميّت الحيّ، بحيث بإمكاننا التحدث إليه ومناجاته وإرسال وتلقّي الرسائل منه، كان له أثر معزّ لدى معظم الأمهات.

أم حيدر ترى بأنّ في فقدانها لابنها كشهيد عزاءً كبيراً لها ولأبناء بيتها. فهي على قناعة تامّة بأنّ حيدر حيٌّ يرزق، وهو يرقبهم ويرافقهم في كلّ خطوة كعائلة. وكذلك أم محمد، التي قالت: "أبنائي لم يموتوا. فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. يكفيني أنّي أمّ شهيدين وأنّهما سيدخلانني الجنّة لأكون معهم هناك. أولادي أبطال ضحّوا من أجل فلسطين. أحياناً أشعر بالحسرة لأنّي لم أزوّجهما، لكنّي أصحح نفسي فوراً وأقول: تزوّجا فلسطين".

إلى جانب عمليّة الحداد الشخصيّة للأمهات والعائلات الثكلى، تشكّلت ثقافة الحزن الجمعيّ من خلال استخدام مصطلح الشهادة، الذي غالباً ما يخلق هالة وإحساساً بالفخر والتقدير. وهذا ما وضع الفقدان السياسيّ في قمّة هرميّة الموت والفقدان

هرميّة الموت

للفقدان في العالم العربيّ هرميّته أيضاً. فثقافة الموت وتطوير مصطلح الشّهادة حوّلت الفجيعة الفرديّة إلى فجيعة جمعيّة. فإلى جانب عمليّة الحداد الشخصيّة للأمهات والعائلات الثكلى، تشكّلت ثقافة الحزن الجمعيّ من خلال استخدام مصطلح الشهادة، الذي غالباً ما يخلق هالة وإحساساً بالفخر والتقدير.وهذا ما وضع الفقدان السياسيّ في قمّة هرميّة الموت والفقدان.

إلا أنّ التغييرات الحاصلة في العالم العربيّ في العقود الأخيرة جعلت مصطلح الشهادة مستهلكاً اجتماعيّاً ووطنيّاً. ذاك بعد أن تفتّتت البنى الاجتماعيّة والسياسيّة، وحصل تنافسٌ على مفهوم الشهادة وسط الفئات الوطنيّة والسياسيّة المختلفة، سيّما بعد الربيع العربي الذي قسّم العالم العربي إلى شعوب وطوائف مذهبيّة وعرقيّة، وحوّل الإخوة إلى أعداء يعمل كلّ منهم على تدمير الآخر. قد تُستثنى الحالة الفلسطينية بوضوح معالم العدوّ.

يمكن لمس هذه المسألة من خلال أصوات الأمهات، فتقول أمّ حيدر: "ليس هناك ما هو أصعب من أن تفقدي ابنك على يد ابن بلدك. هذه تجربة في غاية الصعوبة. تعتقدين أنّ وظيفة الجيش والشرطة حماية الشعب. لكن يتّضح أن وظيفتهما هي قتل الأبناء، وبأكثر الصور وحشيّةً وبشاعةً". وتضيف: "خرج ابني في مظاهرة سلميّة. لماذا أطلقوا النار على رأسه؟ هؤلاء وحوش. كان بإمكانهم إطلاق النار على الأرجل وليس أن يقتلوه عمداً."

أما أمّ نبيل فتقول: "هذا ألمٌ لا يمكن وصفه. ابن وطنك الذي كان صديقاً لابنك في المدرسة ودخل بيتك وأكل من صحنك يحمل سلاحه ويقوم بتصويبه باتجاه أخيه. هذا أمر لا يمكن غفرانه. اليوم أمشي في الشارع وأتّهم أيّ شابّ من أيّ فصيل بقتل ابني. عدمت الثقة". إذن، لا شكّ أنّ لوجود عدوّ من أبناء شعبك وقعٌ آخر على أمّهات الشهداء.

يمكن القول إنّ تجربة الفقدان لدى الأمهات في العالم العربي هي تجربة مربكة ومركّبة، مؤلمة حتى النخاع وشائكة بمحتوياتها وبميزاتها. فالفقدان على الصعيد الشخصيّ هو نفس الفقدان. أمّا عندما نتناول عدساتنا الاجتماعيّة، نرى كيف تصبح هذه التجربة ثقيلة لدرجة لا تُطاق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard