الوصف... الفن البصري في الشعري العربي الكلاسيكي

الأربعاء 8 يوليو 202005:10 م

يخبرنا علماء الآثار من الألواح المسمارية السبعة عن أسطورة الخلق البابلية (إنوما إليش)، التي عثر عليها العالم الإنكليزي أوستن هنري ليورد تحت ركام مكتبة آشور بانيبال قرب الموصل في العراق عام 1894، أن النص سبق الرسومات ب 100 سنة على الأقل. ففي حين يعود النص إلى الألفية الثانية قبل الميلاد (عهد حمورابي)، تعود الرسومات التي تحاكي الأسطورة إلى الفترة الممتدة ما بين القرن التاسع عشر والسادس عشر قبل الميلاد.

ولا نغفل عن عدد غير قليل من اللوحات والمنحوتات التي استوحاها الفنانون من النص التوراتي في تعبيرهم عن هبوط الإنسان إلى الأرض، فكما أشرنا في مقال سابق، رسم ألبريخت دور "هبوط الإنسان" وحول هانز بالدينغ "حواء وآدم" إلى احتفال لوني بالجسد الآدمي، وتمثلت الأسطورة المتأثرة بقصيدة ميلتون عن الفردوس الضائع في لوحة "الغواية" لرسام القرن التاسع عشر ويليام سترانغ.

يقول الألماني فان غوته: "الكلمات والصور، عناصر وثيقة الارتباط، لا تنفك تبحث عن بعضها البعض". فمن أين جاء هذا الارتباط؟ وكيف عبر عنه الشعراء والفنانون والفلاسفة منذ القدم؟ وهل ينطبق هذا الترابط اللفظي- المرئي على الشعر العربي القديم، أم أن الكلمات هي التي ترسم الصور؟

الوضوح الصوري في الفنون البيانية الغربية

أصل الفن البلاغي أو البياني ekphrasis في التقليد الغربي مشتق من الفعل اليوناني “ekphratzein,” بحسب ما يذكر الناقد الألماني فريتز جراف في كتابه "بروز الخصائص الوصفية في الفن البلاغي" (1995). ويعني هذا الاصطلاح وصول الخطيب أو المتكلم إلى الهدف المنشود من كلامه. أي استخدام النشاط (اللفظي) لتوضيح شيء بدقة متناهية. كمصطلح، يأتي في الأصل من مجال البلاغة في العصور القديمة، ويترجم ببساطة إلى "الوصف"، أو descriptio في المكافئ اللاتيني.

والنص الوصفي تعريفاً هو النص الذي يضع المسألة بشكل واضح ومميز أمام أعيننا، أي "يصورها". وبحسب برنارد شولز في مقاله "البلاغة والوضوح الصوري: رحلة في فن الوصف القديم"، (1997) فقد اعتبرت فنون البلاغة منذ أواخر القرن السادس عشر، بأنها "إجراء يُعنى بوصف أي شيء مهما كان، فمادة الوصف لا تهم بقدر كيفيته، لأن التقنية البلاغية، تهدف إلى الدقة في الوصف، بغض النظر عن موضوعه لتمكين الخطيب من الإقناع بالقوة اللفظية "للصورة" المنتجة أمام عين المستمع العقلية". وهذا ما سمي باليونانية Enargeia أو "الوضوح الصوري" الذي يحول القارئ إلى مشاهد.

البيان عند العرب

 في القرن العاشر للميلاد بدأ العرب يضعون قواعد البلاغة والوصف والتصوير اللفظي الذي درج منذ ازدهار القصيدة الكلاسيكية في القرن الخامس الميلادي وحتى انحدارها كنوع أدبي في القرن العشرين. من هؤلاء، كان ابن رشيق القيرواني مؤلف كتاب "العمدة في صناعة الشعر ونقده وعيوبه" الذي اعتبر أن أكثر الوصف إتقاناً هو ما يمتلك القدرة على تحويل "المسموع إلى مرئي"، لأن أصل الوصف بالنسبة له هو في "الكشف والإظهار".

تقارن الباحثة اليابانية أكيكو موتويوشي سومي في كتابها "الوصف في الشعر العربي الكلاسيكي" (2004) Akiko Motoyoshi Sumi بين المنهجين العربي والغربي في وصف البلاغة ليرى حقيقة التشابه بين ما نص عليه كتاب ابن الرشيق وبين نظرية شولز في اعتبار تحول النص من المسموع إلى المرئي هو ما يجعله بلاغياً، إلا أن حضور المجاز في الشعر العربي، كما تشير، يفرض شرطاً لتمكن القارئ من الخضوع لتجربة هذا التحول، وهو أن يكون على معرفة بالمعجم الثقافي الذي اعتمده المؤلف في نصه.

وبشكل خاص لدى فهم النصوص الشعرية التقليدية، يتوجب أن يتشارك الشعراء والمستمعون أرضية واحدة من المعاني بناء على خبراتهم الثقافية المشتركة. فقد يكتفي النص بالتلميح، كما هو حال الشعر غالباً، لأن المستمعين سوف يسدون الفجوات بناء على هذه الخبرة. حيث تعتقد أنه لا مكان ل "دلالات صورية محايدة" في النص الوصفي؛ فهي دائماً ما تبنى على أساس الرموز الثقافية المشتركة.

لا مكان للدلالات الصورية المحايدة في شعر الوصف العربي، فهي دائماً ما تبنى على أساس الرموز الثقافية المشتركة بين الشاعر ومستمعيه، وهذا هو ما يحمل القصيدة من المسموع إلى المرئي

وبالوقوف عند بعض الوظائف المتشابهة بين خاصية الوضوح الصوري في الغرب والوصف في الشعر العربي، تظهر وظائف الوصف العميقة التي من شأنها إنشاء صور موحدة بطريقة مختلفة. فبرغم وجود الوصف في بنى مستقلة في القصيدة، إلا أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكليتها في الشكل والمضمون والاستعارات، وكأنه "مخطط شعري كامل"، تقول سومي.

القصيدة العربية في نقد المستشرقين

لعل وحدة الشكل والمضمون في القصيدة العربية وبنيتها الموضوعية الثابتة (تبدأ بالوقوف على الأطلال أو الغزل، ثم الرحيل، لينتقل الشاعر إلى مواضيع الفخر أو المديح)، شكلت عائقاً في فهم النقاد الغربيين لها. خاصة وأن الأوصاف التي تتضمنها قد تكون مجازية ومشحونة بالدلالات الثقافية الرمزية التي تختلف جوهرياً عن المعجم الثقافي الغربي.

ولهذا اعتمد العديد من المستشرقين التقليديين الحكم السلبي في تعريفهم للقصيدة. تعرض سومي هذه الآراء من "موسوعة الإسلام" (1913-1936).

رأى المستشرق الألماني فريتز كريندو أن تركيبة القصيدة العربية اصطناعية للغاية؛ لأنها "تتبع نفس القافية في جميع الأبيات مهما كانت القصيدة طويلة. إضافة إلى بحر واحد يجب على الشاعر أن يحرص عليه حتى النهاية والنتيجة أننا لا نستطيع أن نتوقع الكثير من الشعر الجميل". لم يبتعد كريندو عن النظرة النمطية للمستشرقين، ففي حين رأى سحراً في وصف الصحراء وحيواناتها وأهوالها في البداية، لكن تكرار هذه الأوصاف في القصائد العربية أشعره "برتابة بغيضة".

كانت للخصائص الوصفية للقصيدة أيضًا دور رئيسي في التلقي السلبي لها في الغرب. فبرأي المستعرب البريطاني آرثر تريتون "يفتقد الشعر العربي للترابط بشكل جوهري". فقد اعتبر أن الأبيات "سلسلة من العبارات المعزولة التي برغم تراصها إلى جانب بعضها لا يمكن دمجها لأنها لا تأتي ضمن سرد متتابع يمكن التنبؤ بتاليه".

كما رأى أن الوصف فيه لا يتعدى كونه رسماً مصغراً ومكرر الصور؛ فالشاعر العربي، بالنسبة له، "ينظر إلى العالم من خلال مجهر". لأنه يتناول الخصائص الدقيقة للأماكن والحيوانات "ليصبح شعره أشبه بعلم الجيولوجيا والتشريح، غير قابل للترجمة وممل". وبرغم أنه يزخر بألفاظ خطابية قوية، غير أنه يبدو- للعقول الغربية - غريباً أو منفراً".

وفي المقابل، اعترف المؤرخ والمستعرب الأسترالي جوستاف فون جرونيبوم بأن "العرب لا شك ساهموا بعدد من الروائع في الفن الوصفي"، إلا أنه رأى خلو موضوعاتهم من العاطفة وتكثيفها للموضوعية. الموضوعي، حيث قال: "مهما كان موضوعه، فسيعيد الشاعر العربي إنتاجه كما هو، أو ربما كما علمته التقاليد أن يراه، يمتنع بحذر عن التعليق الشخصي أو إدخال مشاعره بلا داع. وإذا تجاهلنا كمال الشكل واللغة، فإن جمال عرضه مستمد بالكامل من أمانة ملاحظته، وليس من انطباعاته الشخصية التي ألهمت قصيدته، وكأن منظومة إدراك الشاعر تنحصر في العين".

وترى سومي أن هذه النظرة الاستشراقية النمطية للقصيدة العربية غير واقعية، لأنهم فشلوا في إيجاد العلاقة بين موضوعات واستهانوا بصفاتها الجمالية والأدبية.

الفن البصري في الشعر

في حين اعتقد أرسطو أن الشعر الذي يتمتع بالوضوح الصوري هو الذي ينتج متعة حقيقية عبر استقلاله عن الطبيعة وابتعاده عن أوجه التشابه معها، وجد هورس والفلاسفة الهلنستيون والرومانيون اللاحقون أن الشعر لا يكون فعّالًا إلا من خلال التمثيل التصويري للطبيعة، بحسب ما تذكر سومي.

وبدورهم فقد اعتمد العديد من اللغويين العرب الكلاسيكيين منهجاً يركز على الشكل والبنية في تحليل القصيدة كقول ابن رشيق القيرواني: "كل الشعر، باستثناء القليل منه، منسوب إلى فئة الوصف". وقد اعتبر أن الشعراء اتبعوا خطى أسلافهم في تقليدهم لهذه الميزة، لأنهم أدركوا الوظائف الهامة والقيمة للوصف.

فشل المستشرقون في فهم أن قصيدة الشاعر العربي هي لوحته أو منحوتته التي تحاكي الطبيعة الصورية لموضوع الوصف، وبقدر ما تطابقه، بقدر ما تتمتع بدرجة عالية من الإتقان الفني

هذه الخاصية الوصفية التي تحاكي الطبيعة، أصبحت دارجةً في الغرب وخاصة في الواقعية في القرن التاسع عشر، سواء في الأدب أو الفنون البصرية، التي مثلت بدورها معجماً خاصاً من الرموز الثقافية للمستشرقين التقليديين. وهذا المعجم هو الذي شكل لاحقاً معياراً للباحثين المستشرقين، قيموا القصيدة العربية الكلاسيكية على أساسه.

لقد ركز العرب على خصائص الوصف في العصور الوسطى، في قصائد المديح على وجه الخصوص، لأن القصيدة كانت الوسيلة الوحيدة للخليفة كي يمجد صورته كقائد شرعي وسياسي للمجتمع. أي أن قصيدة الشاعر هي لوحته أو منحوتته التي تحاكي الطبيعة الصورية لموضوع الوصف، وبقدر ما تطابقه، بقدر ما تتمتع بدرجة عالية من الإتقان الفني.

الشعر العربي في النظريات الغربية الحديثة

ترى سوزان استيتكيفيتش أنه لا يمكن فهم القصائد القديمة دون تأويلها في ضوء القصص والحكايات النثرية الخاصة بها أو السياقات التاريخية المعروفة ب"الأخبار". وبرغم إشارتها إلى اللاموثوقية التاريخية لهذه الأخبار، إلا أنها برأيها "تقدم لنا السياق الأدبي التقليدي الذي تقرأ من خلاله القصيدة بغرض شرحها"

بدأ النقد الأدبي للشعر العربي القديم في الغرب خلال العقدين الماضيين يركز على دراسة القصيدة العربية ومراسم إلقائها، وجوانبها الأدائية المختلفة كأحد الأغراض الشعرية، بدلاً من دراسة النص الشعري بمعزل عن سياقه. حيث درس بناء القصيدة وموضوعاتها وأفكارها في ضوء وظيفتها، بوصفها إحدى الطقوس المعقدة في الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية للقبيلة أو البلاط الملكي، تشمل على قضايا الدين، والحرب، والسلم، وتعبر عن الانتماءات الشخصية والسياسية، وسيادة الشرعية من خلال الأغراض الشعرية للملاحم الشعرية الغنائية.

ترى سوزان استيتكيفيتش، بروفسورة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة جورجتاون، في دراستها لشعرية الأداء في القصيدة العباسية، أننا لا يمكننا فهم القصائد القديمة دون تأويلها في ضوء القصص والحكايات النثرية الخاصة بها أو السياقات التاريخية المعروفة ب"الأخبار". وبرغم إشارتها إلى اللاموثوقية التاريخية لهذه الأخبار، إلا أنها تجد على الرغم من ذلك أنها "تقدم لنا السياق الأدبي التقليدي الذي تقرأ من خلاله القصيدة بغرض شرحها".

وفي بحثها في الوصف ترى سومي أن تقليد العرب للأدوات الوصفية يتيح الكشف ليس فقط عن المفاهيم المجردة وإنما أيضاً الروحية والمجازية المرتبطة بسياقها. وهذا يختلف جوهرياً عن "الإيضاح الصوري" الذي يهدف لأن يعكس صوراً جلية في الفن الخطابي الغربي يخلو من المجاز والرمزية.

ويعتمد مايكل سيلس، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة شيكاغو، على سياق تاريخي في تحليله لاستعارات النسيب أو الغزل في القصيدة العربية الكلاسيكية، ليجد مستويين من للوصف "الدلالة الشعرية المجازية القائمة على علاقات التشبيه، والكناية القائمة على العلاقات الترابطية الذهنية". فالشاعر بمحاكاته للمكان أو الطبيعة يخلق "علاقة بين العنصر الظاهر في الوصف (الحبيب) كمادة للتشبيه المادي، و"النظير الرمزي للحبيب (الأطلال المهجورة)".

هذه العلائق بين المادة والمجاز، تقول سومي، يعتمد فهمها إلى حد كبير على خبرة القراء باللغة العربية الفصحى والتقاليد الشعرية العربية وآلياتها التخيلية. فمثلاً قد يرد في القصيدة نفسها تشبيه للمحبوبة بالغزال (ظاهرياً) فيما يكشف التمثيل الرمزي على تضمين الكناية بين قصر الحمراء والحاكم. فالتمثيل الصوري والمجازي يعملان في آن معاً ولا يكتمل أحدهما دون الآخر في التقليد الشعري، لخلق دلالات متعددة الأوجه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard