مليونية 30 يونيو في السودان... كلٌّ يغني على ليلاه

الاثنين 29 يونيو 202006:32 م

رغم جائحة كورونا وفيروس الانشقاق الذي بدأ يضرب نسيج قوى الثورة، والمخاوف من سيناريوهات الفوضى، يُحيي السودانيون، في 30 حزيران/ يونيو، الذكرى الأولى لمليونية 30 يونيو، وهي التظاهرة التي عاد المدنيون عبرها إلى التأثير في معادلة السلطة، بعد محاولة مستميتة من العسكريين للانفراد بالحكم، عقب مجزرة القيادة العامة.

لكن بعد 365 يوماً من تلك اللحظة، تبدو الفروقات واضحة بين الخروجين. فالشارع في 30 يونيو 2019 كان ملتفاً حول قوى الحرية والتغيير التي قادت الثورة على الرئيس السوداني السابق عمر البشير، فيما تتعدد اللافتات اليوم بين الدعوة إلى استكمال هياكل السلطة الانتقالية، والقصاص للشهداء، وصولاً إلى المناداة بالإطاحة بحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وأطلق الدعوة لإحياء ذكرى 30 يونيو تجمع المهنيين السودانيين، وهو رأس رمح الثورة السودانية، وأحد أهم مكونات قوى الحرية والتغيير، المرجعية السياسية للحكومة، وذلك بغرض ممارسة الضغوط على الحكومة، للمسارعة في إنجاز ملف السلام مع الحركات التي رفعت السلاح في أقاليم دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

وتشمل قائمة مطالب التجمع الذي تعرّض مؤخراً لهزة قوية، أفقدته شيئاً من بريقه الثوري، إكمال هياكل الحكم بتعيين الولاة المدنيين وتنصيب أعضاء المجلس التشريعي، وإصلاح الأجهزة العسكرية والقضائية.

"تصحيح المسار"

تلقفت لجان المقاومة، وهي مجموعات شبابية تناصر الثورة، دعوات التجمع، وأعلنت كثير من فرعياتها في العاصمة والولايات المشاركة في المليونية، بغرض تصحيح المسار.

ومن أبرز المشاركين في المليونية تجمع أسر شهداء ثورة ديسمبر، وهم المدافعون عن ضحايا المجزرة التي نفّذتها قوات عسكرية أمام محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، في 3 يونيو 2019، وراح ضحيتها مئات القتلى والمصابين.

ويشكو التجمع من بطء كبير يشوب عملية تحقيق العدالة، رغم تكوين لجنة لتقصي الحقائق بشأن ما جرى، منذ أكثر من ثمانية أشهر، وتحديداً منذ 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

وإقراراً بالقصور، يقول قيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير، فضّل حجب اسمه، لرصيف22 إن المكوّن المدني في الحكومة الانتقالية تنازل عن أدواره لصالح المكوّن العسكري بشكلٍ بات يهدد مسار الثورة.

ونوه في الصدد إلى تقاعس المدنيين في حمل العسكريين على النزول عند الوثيقة الدستورية لإصلاح المؤسسة العسكرية، وإلى أن العسكريين ممسكون بملفات رئيسة كالسلام والاقتصاد، وبرئاسة لجان مهمة مثل لجنة تفكيك تمكين نظام البشير، ولجنة التعامل مع البعثة الأممية التي طلبها السودان لأغراض المساعدة السياسية، مضيفاً أن "تلك أمور تستدعي استنهاض الشارع لتصويب المعادلة مجدداً لصالح سيادة الحكم المدني".

وبموجب الوثيقة الدستورية الموقع عليها في آب/ أغسطس 2019، أقيمت شراكة بين المدنيين والعسكريين لإدارة البلاد في فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات.

غير أن اللافت في أمر المليونية، هو أن مجلسيّ السيادة والوزراء، والمؤسسة العسكرية، وقوى الحرية والتغيير، أعلنت تأييدها لها، بالرغم من أن معظم المتوقع مشاركتهم إنما خرجوا احتجاجاً على قصور الأداء الحكومي.

مجلسا السيادة والوزراء والمؤسسة العسكرية وقوى الحرية والتغيير أعلنت تأييدها لمليونية السودانيين، بالرغم من أن التظاهرات بالأساس "موجّهة ضد سياسات هذا الثالثوث الخاطئة"، ما دفع بالبعض إلى اعتبار ذلك محاولة للالتفاف عليها عبر "سياسة لتغبيش الوعي"

ويرى المحلل السياسي نزار حسب الرسول في تأييد الثالوث آنف الذكر للمليونية التي هي في الأساس "موجّهة ضد سياساته الخاطئة" تملصاً من مطالب الجماهير، بمحاولة الالتفاف عليها عبر "سياسة تغبيش الوعي".

ويقول لرصيف22 إن ذلك بان جلياً في رفض تجمع المهنيين للتسمية التي أطلقها قادة الحرية والتغيير على المليونية بأنها محض مسيرة لإحياء ذكرى 30 يونيو، والتذكير الصارم بأنها مليونية لتصحيح المسار.

لكن القيادي في حزب المؤتمر السوداني أحد مكونات الحرية والتغيير، نور الدين صلاح الدين اختار الإشارة إلى نقطة جوهرية تتمثل في كون جميع الرايات المرفوعة في مسيرة يوم الثلاثاء، لها موقف يسندها، ما عدا راية فلول النظام البائد.

ويقول لرصيف22 إن كثيرين من قادة الحكومة وقواها السياسية يعتبرون أن الخروج إلى الشارع هو للاحتفال بذكرى 30 يونيو، أو للمطالبة بسد الثغرات في الأداء الحكومي، وأنه أمر ينم عن تمسّك بالديمقراطية وحرية التعبير وممارسة الضغط لإنفاذ المطالب، ولا يمتّ بصلة إلى المجموعات الخارجة لأجل إسقاط الحكومة أو إثارة الفوضى.

الخرطوم ثكنة عسكرية

وتحوّلت العاصمة الخرطوم إلى ثكنة عسكرية، وانتشرت المدرعات وحاملات الجنود في شوارعها، وأغلقت الجسور الرابطة بين الخرطوم وبحري وأم درمان، وسط أنباء عن ضبط الأجهزة الأمنية لـ"مجموعات تخريبية".

وسبقت عمليات الإغلاق تحذيرات من والي الخرطوم المكلف، يوسف الضي، من مخططات تستهدف إثارة الفوضى داخل تجمعات المشاركين في الذكرى، وهي ذريعة اعترض عليها الحزب الشيوعي السوداني الذي طالب القوات الأمنية بحماية المواكب، وعدم تقييد حركة الجماهير.

حزب المؤتمر الوطني المُنحل أعلن عدم مشاركته في مليونية 30 يونيو، ولكن كثيرين من مناصريه أعلنوا خروجهم للمناداة بإسقاط الحكومة السودانية بدعاوي فشلها في توفير متطلبات الحياة، وارتهانها للقوى الأجنبية

وتأتي معظم المخاوف الأمنية من احتمال استغلال أنصار النظام البائد للأوضاع، في محاولة للانقضاض على السلطة، في مناسبة يصادف تاريخها للمفارقة ذكرى انقلاب البشير على الحكومة الديمقراطية في 30 يونيو 1989.

وكان حزب البشير، حزب المؤتمر الوطني المُنحل، قد أعلن عدم مشاركته في المليونية، ولكن كثيرين من مناصريه أعلنوا خروجهم للمناداة بإسقاط الحكومة بدعاوي فشلها في توفير متطلبات الحياة، وارتهانها للقوى الأجنبية واستجلاب بعثة أممية سياسية تحت الفصل السادس، بجانب جهودها لإقصاء الدين من حياة السودانيين.

وأعلن حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الراحل د. حسن الترابي، تأييده للمليونية، ودعا الحكومة إلى تقديم استقالتها للمجلس السيادي بصورةٍ فورية، إقراراً بفشلها في تأمين مقومات الحياة للسودانيين.

في موازة ذلك، أعلن حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، وأحزاب أخرى كحزب "الأشقاء"، فضلاً عن فرعيات للجان المقاومة، وكيانات نقابية، عدم المشاركة في المليونية، خوفاً من الإسهام في تفشي كوفيد-19.

وقال رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة القومي، محمد المهدي حسن لرصيف22 إن موقفهم الرافض للمليونية لا يقوم على بواعث سياسية، وإنما ينهض على أسس أخلاقية، ونزولاً عند حالة الطوارئ الصحية المفروضة في البلاد.

ودعا حزب الأمة في وقتٍ مبكر إلى تصحيح مسار الثورة، واستكمال نواقص الفترة الانتقالية بما في ذلك الدعوة لتنظيم انتخابات مبكرة.

ورغم إقرارها بعدالة مطالب الثوار، رفضت لجنة أطباء السودان المركزية تأييد المليونية، كونها قد تتحول إلى كارثة صحية، يصعب تلافيها. وفي هذا الصدد تعهدت بنشر عدد من إجراءات الوقاية والسلامة للمواكب والتجمعات المختلفة.

ذات الحال ينطلبق على بعض لجان المقاومة، تأسياً بلجان أحياء "الخرطوم 2 والخرطوم 3" ممن أمسكوا عن المشاركة، التزاماً بالضوابط الصحية.

يخرج السودانيون إلى الشوارع، وكلٌ يغني على ليلاه... منهم مَن ينشد وضع المدنيين، مجدداً، في سدة الأمر، ومنهم مَن يريد تصحيح مسار الثورة، ومنهم مَن يطلب الاقتصاص للشهداء، ومنهم مَن يريد إبعاد العناصر غير الكفوءة، وآخرون يريدون إعادة عجلة التاريخ إلى أيام البشير... أما مَن ارتضوا عدم المشاركة فجل أمانيهم ألا تعم الفوضى بلادهم، أو تنفجر قنبلة الإصابات بكورونا إلى حدٍ يولّد مشكلة ضخمة جديدة في بلد ينوء تحت حمل المشاكل المتراكمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard