السفراء المنسيون للثقافة العربية... تحية للمستعربين والمستعربات في وداع "كورينتي"

السبت 4 يوليو 202001:22 م

رحل عنّا المستعرب الإسباني الكبير فيدريكو كورينتي Federico Corriente، الرجل الذي أفنى حياته في الاهتمام باللغة العربية وثقافتها، حتى أصبح اسمه علامة مسجلة وقنطرة نقلت الكثير ما بين الثقافتين العربية والإسبانية.

نعى مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى أبناء اللسان العربي، رحيل المستشرق الإسباني وأستاذ اللغة العربية وآدابها، وعضو المجمع المراسل، الذي بقي في هذا المنصب منذ عام 1992. وقال مجمع اللغة العربية في بيان نعيه لكورينتي، أن القواميس ثنائية اللغة التي قدمها من العربية إلى الإسبانية ومن الإسبانية إلى العربية صنعت فارقاً في مسيرة الحركة مع الثقافة الإسبانية، سأئلين الله أن يعوض اللسان العربي بعد رحيله خيراً.

يعتبر كورينتي من أبرز المستعربين الإسبان عبر التاريخ، ومعه أيضاً المستعرب والمؤرخ  خوان برنيت Juan Vernet Ginés الذي رحل في برشلونة منذ سنوات تاركاً عدداً من الإنجازات كترجمة القرآن الكريم وألف ليلة وليلة، بالإضافة لكتابيه "أصول الإسلام" و"الأدب العربي"، وكتابه الأكثر نجاحاً  "ما تدين به أوروبا للإسلام الإسباني" الذي صدر عام 1974م،  وترجم للعديد من اللغات منها العربية.

أما عن كورينتي، فقد عاش حياة حافلة، حيث شغل شيخ المستعربين الإسبان العديد من المواقع القيادية، منها رئاسة الأكاديمية الملكية الإسبانية، ورئاسة المركز الثقافي الإسباني بالقاهرة، كما قدم العديد من الإسهامات في جامعات العالم المختلفة، في حقل اللغة العربية والدراسات السامية.

مدّنا كورينتي، وهو من أبرز المستعربين الإسبان، بسيل من الأعمال الفقهية اللغوية والمعجمية حول اللغة الأندلسية، ومن أبرزها أزجال ابن قزمان، بالإضافة للمعاجم التي درسها ونشرها، ومنها معجم العربية الأندلسية لـ"بادر دا ألكلا"، وقواميسه العربية الإسبانية التي لا غنى عنها

كتب الحسين بوزينب، التلميذ السابق لفيديريكو كورينتي، وأستاذ الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في وداع المستعرب الإسباني قائلا أنه مدّنا بسيل من الأعمال الفقهية اللغوية والمعجمية حول اللغة الأندلسية، ومن أبرزها أزجال ابن قزمان، بالإضافة للمعاجم التي درسها ونشرها، ومنها معجم العربية الأندلسية لـبادر دا ألكلا، وقواميسه العربية الإسبانية التي لا غنى عنها. وأشار بو زينب إلى أن الراحل تتلمذ علي يديه العديد من كبار الأكاديمين المغاربة، منهم أحمد شحلان ومحمد مفتاح وبوشتى العطار ومحمد الخمار الكنوني، وغيرهم من الرعيل الجامعي الأول في الأدب العربي بالمغرب.

قدم كوريتني ما يزيد عن 40 كتابا ساعدت على توطيد التلاقح اللغوي والثقافي العربي الإسباني، منها ترجماته عن الأدب العربي القديم، وأدب القرون الوسطى والأدب العربي المعاصر، ودراساته القيمة في علم اللهجات.

دعوة لاهتمام أكبر بالأبحاث الإسبانية عن العالم العربي

الدكتورة عبير عبد الحافظ، أستاذ الأدب الإسباني بجامعة القاهرة، وأحد أشهر المترجمين العرب عن الإسبانية، قالت لـرصيف22 أن المستعربين بشكل عام، والإسبان منهم بشكل خاص، يتم تهميشهم بشكل كبير في ثقافتنا العربية، "أعود بالذاكرة منذ سنوات قليلة، عندما رحل المستعرب خوليو كورتيز، Julio Cortés Soroa وهو من الفطاحل الذين ترجموا القرآن إلى الإسبانية، لم يلتفت إليه أحد، وخرج من المشهد في صمت بالغ بدون الإشارة إليه، وبالمثل رحل مترجم مقدمة ابن خلدون José Luis Garrot إلى الإسبانية قبل وفاة فيدريكو كورينتي بأيام قليلة، ولم يذكره أحد، ولذلك  أرى أنه لا بد من تثمين دور المستشرقين من خلال إستراتيجية مدروسة من قبل مجمع اللغة العربية، وأقسام اللغات بالجامعات العربية وغيرها، وضرورة التوقف استعداء المستشرقين." وتسائلت عبد الحافظ: ماذا نريد منهم وهم يترجمون القرآن والأدب ويضعون الكتب لتعليم لغتنا؟،لابد من البحث عن الإنصاف المفقود لهولاء العظماء.

لا بد من إنصاف المستشرقين وتثمين دورهم والتوقف عن استعدائهم في الأوساط العربية، فماذا نريد منهم وهم يترجمون القرآن والأدب ويضعون الكتب لتعليم لغتنا؟

سفراء للثقافة العربية

الأستاذ الدكتور طلعت شاهين، أستاذ الأدب بجامعة مدريد – كومبلوتنسي، تحدث لـ رصيف22 من العاصمة الإسبانية وقال إن المستعربين يؤدون دوراً مهماً في نشر الثقافة العربية، والتأكيد على وجود تلك الثقافة، كأحد العناصر والمصادر الرئيسية في الهوية الإسبانية المعاصرة.

وهناك العديد من الأسماء التي برزت في هذا المجال، واليوم تقدم مساهمات غنية ومتجددة للدرسات العربية والإسلامية، ونذكر هنا "خوليو سامسو Julio Samsó Moya، بيدرو مارتينث مونتابيث Pedro Martinez Montavez كارمن فيلاسانتي Carmen Bravo Villasante، ونخص بالذكر ماريبل فييرو Maribel Fierro الأستاذة الفذة التي تعمل كباحثة في مركز الدراسات الشرق-أوسطية في مجلس المركز الإسباني لأبحاث العلوم الإنسانية. ركز بحثها على التاريخ الفكري للغرب الإسلامي كما في كتابها الذي صدر هذا العام "إيبريا المسلمة"(2020). ولها عدة كتب عن تاريخ العرب في إسبانيا ككتاب "الأندلس: التبادل المعرفي والثقافي" (2001)  و"عبد الرحمن الثالث، أول خلفاء قرطبة" (2005).

ماريبل فيرو تتحدث عن مشروعها "تأثير المغرب في المشرق":

قد حصل بعضهم على جوائز إسبانية وعربية مثل سلفادور مارتين Salvador Peña Martín، مترجم وبروفيسور اللغة العربية من جامعة ملقة والذي درّس في جامعة بغداد سابقاً. كما صردت له عدة ترجمات لكتاب عرب معاصرين مثل سليم بركات ورشدي راشد الضيف؛ وترجمات لكتب التراث العربي مثل رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وألف ليلة وليلة (2018) التي نال عنها الجائزة الإسبانية لترجمة التراث وجائزة الشيخ حمد للترجمة في قطر.

إضافة إلى بعض العناصر الشابة التي تكمل المسيرة، مثل روسا مونتابيث Rosa Isabel Martines التي تكمل مسيرة والدها، وقامت بترجمة أمل دنقل وصلاح عبد الصبور والأبنودي، كما نجد هناك ماريا برييتو Maria Luisa Prieto التي أسست موقعاً  إليكترونياً لنشر الشعر العربي مترجماً إلى اللغة الإسبانيةـ وترجمت العديد من أعمال محمود درويش وسميح القاسم وغيرهم من الشعراء الفلسطينيين.

د.طه زيادة، الباحث الأكاديمي في علوم الترجمة الصحفية بجامعة سلمنكة الإسبانية، قال لـرصيف22: "أنتمي إلى جيل تكونت لديه حالة من المهابة تجاه المعرفة الورقية، ويحمل في وجدانه هالة من القداسة تجاه الكتب وما تحويه من علوم ومعارف، وبالنسبة لأبناء جيلي، كان الحصول على الكتب وخاصة الأجنبية، وباللغة الإسبانية، قبل أكثر من ثلاثة عقود، يمثل صعوبة كبيرة، فما بالك بمقابلة مؤلف الكتاب نفسه، لم نكن قد عرفنا السوشيال الميديا لتسهل الطريق للجميع، لكن أسعدني الحظ بالدراسة على يد الأساتذة العظام بقسم اللغة الإسبانية بكلية الآداب جامعة القاهرة، القامات الكبيرة مثل الدكتور محمود علي مكي، والدكتور جمال عبد الكريم."

يضيف طه زيادة: " بقدر ما عني محمود مكي بتأسيس قاعدة علمية واسعة تغطي كافة فروع اللغة، ساهمت صلات جمال عبد الكريم وعلاقاته القوية بالجانب الإسباني، في إتاحة الفرصة لدينا كطلاب للتعرف على قامات كبيرة من الأساتذة الإسبان المستعربين الذي يصنعون دوراً عظيماً في الإتصال بين الثقافتين، وكان في مقدمة هولاء العلامة الكبير فيدريكو كورينتي، الذي فجعنا برحيله الذي يشكل خسارة كبيرة، فالرجل جمع بين عضويتي الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة، ومجمع اللغة العربية، وصنع أول قاموس للغة الإسبانية والعربية، والذي كان يوزع عن طريق مكتبة أوزيريس، أول مكتبة متخصصة في الشرق الأوسط في الإصدارات الإسبانية، ولا أنسى أن صاحبها أهداني نسخة القاموس هدية، فلم أكن أملك رفاهية عشرة جنيهات وقتها لإنفاقها على كتاب".

المدرسة الأندلسية

فيديريكو كورينتي"كان جسر تواصل بين الثقافتين العربية والإسبانية، ترجم المعلقات إلى اللغة الإسبانية وكانت الترجمة الأولى، فضلاً عن القواميس التي أفسحت الطريق أمام العديد من الأجيال

وعن مدرسة كورينتي الاستشراقية، يقول طه زيادة،  "ينتمي كورينتي إلى ما يعرف بالمدرسة الأندلسية في دراسات الاستشراق، والتي يعد من أعمدتها المستعرب الكبير إيميليو جارثيا جوميث، الذي درس في جامعة القاهرة على يد طه حسين، وكان من أشار عليه بتأسيس مركز الدراسات الإسلامية بمدريد، وقد حصد جائزة الترجمة عن الإسبانية عام 2015م، عن ترجمتي لرسائله مع أستاذه عميد فرع الاستشراق الإسباني ميجل آسين بالاثيوس الذي أبرز تأثيرات رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، في الكوميديا الإلهية لدانتي إليجيري."

الدكتورة عبير عبد الحافظ قالت أن العلامة فيديريكو كورينتي كان جسر تواصل بين الثقافتين العربية والإسبانية، ترجم المعلقات إلى اللغة الإسبانية وكانت الترجمة الأولى، فضلاً عن القواميس التي أفسحت الطريق للأجيال التي سبقتنا وأجيالنا والأجيال المستقبلية، وهي لا غنى عنها لأي دارس للغة العربية، كما حقق وترجم ديوان ابن قزمان وغيرها من النصوص الأندلسية، وهى من كنوز اللغة والأدب  في العصور الوسطى والأدب الأندلسي.

تضيف عبير عبد الحافظ: "لقد وجه لي الدعوة لإلقاء سلسلة من المحاضرات بجامعة ثاراجوثا عام 2007، وكنت في بداية حياتي المهنية، إلا أنه كان يرى أهمية تقديم الباحثين الشباب في الدراسات الإسبانية، كان رجلا نبيلا مدافعا عن اللغة العربية، ولقد كتبت عنه مقال عام 2003 بعنوان "فيديريكو كورينتي يعقلها ويتوكل"، بمناسبة محاضرته التاريخية البديعة في الدفاع عن اللغة العربية، التي ألقاها بمجمع اللغة العربية بالقاهرة."

من الكبار

من أبرز الباقين على قيد الحياة من جيله، الذين يواصلون الطريق لإثراء علوم الاستشراق، يبرز من الأعلام المعاصرة اسم المستشرق بيدرو مارتينث مونتابيث (87 عاما)، يقول د.طه زيادة: "قدم هذا العلامة الفذ الكثير من الكتب عن العالم العربي والتاريخ الأندلسي، وترجم إلى اللغة الإسبانية أعمالًا لأبرز الشعراء العرب مثل محمود درويش ونزار قباني وجبران خليل جبران، بداية من عام 1965م، كما ترجم نماذج من الشعر الفلسطيني 1974، إضافة إلى كتابه المؤلف والذي يحمل عنوان "قصيدة فلسطين" عام 1980، وقد صدر باللغتين العربية والإسبانية، واشتمل على العديد من القصائد لشعراء من العراق، هم عبد الوهاب البياتي والحيدري وفوزي كريم وخالد الشواف ومحمد مهدي الجواهري، وقد حصد جائزة الشيخ زايد في الترجمة، عن دوره في مد الجسور بين الثقافتين العربية والإسبانية. 

يجدر الذكر أن الاهتمام بالثقافة العربية لا يقتصر على الأفراد المستعربين في إسبانيا، حيث تنتشر معاهد الأبحاث الإسلامية والعربية في إسبانيا وتعمل على إحياء الحركة العلمية والثقافية العربية عبر تعزيز دراسات الحضارة العربية الإسلامية في الغرب مثل معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا الذي يقع في مدينة غرناطة، باعتبارها مدينة ذات أهمية تاريخية رمزية في الأندلس، حيث يرمز اسمها إلى عصور الازدهار الإسلامي والعلمي والحضاري والجسور التي امتدت بين الثقافات الإسلامية والغربية. يهتم المعهد بالإضافة إلى الدراسات المقارنة الإسبانية-العربية بترجمة النصوص العربية التاريخية إلى الإسبانية.

وتوجد في المدينة نفسها جامعة غرناطة الحكومية التي تعنى بتدريس مقررات لأدب واللغة العربية والتاريخ والثقافة العربية والإسلامية. كما يتيح فهم التراث الثقافي الغني للأندلس وعلاقته بإسبانيا المعاصرة.

كما افتتحت مؤخراً جامعة أوتونوما في مدريد صفاً للدراسات العليا في الأبحاث العربية والإسلامية المعاصرة تتناول العلاقات الدولية، والمتغيرات السياسية والاجتماعية  والاقتصادية، واتجاهات الهجرة المرتبطة بالعالم العربي والإسلامي اليوم.

جامعة قرطبة

تقوم اليوم جامعة قرطبة بجهود ملحوظة لإغناء مكتبات اللغة الإسبانية بدراسات حول الحضارات الشرقية القديمة وترجمات لنصوص أثرية عن اللغات السامية والرومانية. ومن أبحاثها العديدة نذكر "الإنجيل في اللغات المشرقية القديمة" (2012)، "تاريخ زنوبيا وسقوط تدمر" (2012)، "هاجر وابنها اسماعيل في النصوص اللإسكندرانية القديمة" (2011)، إضافة إلى الكثير من الدراسات المقارنة حول تفاسير القرآن والإنجيل والتوراة، منها "المحارب، الشاعر، النبي والملك: شخصية داؤود في اليهودية والمسيحية والإسلام" التي أعدها البروفيسور خوان بيدرو مونفرير Juan Pedro Monfrrer Sala، أستاذ الفلسفات الشرقية والدراسات العربية والإسلامية في الجامعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard