كابوس الخدمة الإلزامية السورية… سلام على بلاد فارغة من شبابها

السبت 27 يونيو 202003:03 م

كمعظم الشباب العربي، نولد تحت ركام المسؤولية، تمر السنين وأمامنا الكثير من المهام التي تبدأ بمسؤولية التعلم والحصول على الشهادة الجامعية، ولا تنتهي بتأمين العمل المناسب، النجاح المهني، الاستقلال عن الأهل وتأسيس الأسرة.

وبما أنني أحد أبناء جيل الشباب "المتمتّع" بالجنسية السورية والخاضع لهذه المسؤوليات نفسها، فأستطيع أن أنقل ولو جزءاً بسيطاً من صدى صوت هذا الشباب اللامسموع.

ابتسم يا عزيزي! أنت في شعبة التجنيد الخاصة بك، للحصول على أهم دفاتر حياتك وأكثرها معزّة على قلبك، "دفتر خدمة العلم"... كابوس كل شاب سوري.

في سوريا، تعمُّ الأفراح عندما يولد الذكر في العائلة، وتبدأ المباركات لأمّ الصبي دون معرفة ما هو المصير المخبأ لهذا الطفل لحظة إتمامه لسن الثامنة عشر.

في سوريا، تحتفل الدولة بعيد ميلادنا الثامن عشر بنفسها وتقدم لنا الهدايا أيضاً... نعم... ترى نفسك وبرفقة والدك، حليق الذقن، متجهاً نحو مبنى تملؤه الصور والشعارات والبزّات العسكرية، موظفون مكفهرّون وبعض الكآبة التي تكسي الجدران.

ابتسم يا عزيزي! أنت في شعبة التجنيد الخاصة بك، للحصول على أهم دفاتر حياتك وأكثرها معزّة على قلبك، "دفتر خدمة العلم"... كابوس كل شاب سوري.

الخدمة العسكرية واجب مقدس وحق لكل مواطن سوري، وهذا ما نص عليه دستور الجمهورية العربية السورية في مادته السادسة والأربعين.

بهذه الكلمات الجميلة والمنمّقة يبدأ الكابوس.

ذكر الدستور حالات الإعفاء للشباب من الخدمة الالزامية وسأذكر بعضها: إذا كنت ابناً وحيداً لوالديك، ليس لديك أي شقيق ذكر يقاسمك مراحل طفولتك ومراهقتك، فتكافئك الدولة على هذه الطفولة الوحيدة والكئيبة بإعفائك من الخدمة الإلزامية.

أو إذا كنت غير لائق صحيّاً كما ذُكر في الدستور، وكم من شباب سوري دفع الأموال واستغل الكثير من الإصابات التي تعرض لها في السابق، لكي يعتبر غير لائق من وجهة نظر اللجنة الطبية المختصّة، ولكن للأسف لكل إصابة علاج ولكل إعاقة فتوى تصدرها هذه اللجنة لكي تجعلك لائقاً وبشدّة.

مهما استطعت تأجيل هذا المصير، من خلال دراستك وشهاداتك الجامعية، فلا بد من الوصول له، وبعد التخرج، تُحزمُ الحقائب، إما باتجاه الخدمة العسكرية اللامنتهية أو الى خارج البلاد، وهنا يبدأ الكابوس الآخر.

قد يتهم البعض هؤلاء الشباب الذين اختاروا عدم المشاركة بالحرب السورية الحالية بالتخلي عن الوطن والمبادئ الوطنية، ولكن لا أظن أن أحداً منهم يريد دفن زهرة شبابه وكل ما تعلمه وأسّسه، خلف زناد روسيّة لا نعلم من يملكها بالأصل.

وهذا بالطبع لا يقلل من شأن من اختار البقاء والتطوع في صفوف الجيش، مع كامل التبجيل لهذه التضحية، ولكن مجبر أخاك لا بطل.

قد يتهم البعض هؤلاء الشباب الذين اختاروا عدم المشاركة بالحرب السورية الحالية بالتخلي عن الوطن والمبادئ الوطنية، ولكن لا أظن أن أحداً منهم يريد دفن زهرة شبابه وكل ما تعلمه وأسّسه، خلف زناد روسيّة لا نعلم من يملكها بالأصل

وبحسب دراسة أجراها مركز حرمون للدراسات المعاصرة التي صدرت في نهاية عام 2018، أوضحت أن 80% من الذكور في سوريا بعمر ما بين 16-35 سنة، يرغبون بالهجرة من سوريا، وذلك تبعاً لأسباب كثيرة، أهمها الضغوط النفسية والوضع الاقتصادي المتردي والبحث عن العمل والحياة الأفضل.

لكن معظم الشباب الذي خرج من البلاد تحت مسمى الهجرة القسرية للشباب لم يفلح بالهروب من الواقع الأصعب، أمنياً واقتصادياً ومهنياً، في غالبية البلاد المحيطة بسورية.

فجميعنا أصحاب التاريخ واللغة والمصير المشترك نملك ما يكفينا من المصائب لأهل البلد والزائرين وما يفيض أيضاً، فالذين هاجروا ليحافظوا على بقايا كرامتهم، اصطدموا بواقع عنصريّ يحاكم الشخص بناء على جنسيّته ولونه وأمواله.

فسلام على بلاد فارغة من شبابها، وسلام على هذا الشباب المتأرجح بين كابوس الدفاتر والأحلام الضائعة.

أما الذين اختاروا المغادرة لبناء حياة اقتصادية أفضل، فقد وقعوا في شباك البطالة وتآكل فرص العمل وانهيار العملات والرواتب معاً.

فكم من طبيب ومهندس ومعلّم تبللت يداه بمياه غسيل الأطباق في المطاعم، أو تلوّنت أصابعه في صالونات الحلاقة، بعيداً عن مهنته الأصلية.

طالب الكثير من أبناء الشعب السوري وأعضاء مجلس الشعب بإلغاء قرار الخدمة الإلزامية، أو إقرار دفع البدل الداخلي دون الحاجة للسفر والهجرة، بحيث تحافظ بذلك سوريا على نسبة الشباب المتبقية، تحد من هجرتهم وتستفيد من توظيفهم في بناء كل ما تهدم بعد عشر سنوات من الحرب.

ولكن جاء رد الحكومة الصادم بقولها: "نسعى دائماً لردم الطبقية الاجتماعية في سوريا".

كيف ذلك، وأنتِ تجبرين الفقير على الذهاب للخدمة العسكرية، في حين يستطيع أبناء الطبقة المتوسطة أو الأعلى منها قليلاً أن يسافر، وهنا لا نريد الحديث عن الأثرياء وهم أسياد الطبقيّة في بلادي.

كيف ذلك، وأنتِ من يولّد الحقد في قلوب هذه العساكر على كل من أراد إتمام دراسته، لتجنب الوقوف على الحواجز أو جبهات القتال.

كيف ذلك، وأنتِ تجبرين الفقير على الذهاب للخدمة العسكرية، في حين يستطيع أبناء الطبقة المتوسطة أو الأعلى منها قليلاً أن يسافر، وهنا لا نريد الحديث عن الأثرياء وهم أسياد الطبقيّة في بلادي

لماذا لا تصبح الخدمة العسكرية في بلادي هدفاً لكل شاب وذلك برفع المستوى المعيشي للجنديّ، وتحقيق التأمين الاجتماعي والمعيشي الذي يتلاءم مع التضحية التي يقدمها، كالرعاية الصحيّة والطبابة والتأمين لأسرته.

إذ أتوقع أن هذه الاجراءات أشدّ أهمية من إعمار الفنادق وبناء المنتجعات، في دولة تتعافى من الحرب ببطء شديد، وقد لا تكون جذابة لكثير من السيّاح في هذه الفترة.

ورغم كل هذه الانتقادات، لا تزال سياسة التهجير القسري للشباب مستمرة، ولا يزال موظفو التجنيد مستمتعين بطوابير الذكور في معابر المبنى.

فسلام على بلاد فارغة من شبابها، وسلام على هذا الشباب المتأرجح بين كابوس الدفاتر والأحلام الضائعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard