"ما يحدث هو مجزرة"... ردود أردنية حول "أمر دفاع رقم 6"

الأربعاء 3 يونيو 202002:27 م

هل هي صدف وتوالت أيضاً بالصدفة، أم أنها حالة عابرة مرت لم يحسب حساب أنها تتزامن مع أحداث مألوفة من قبل للأردنيين؟ أسئلة يضعها المراقب لتغريدة رئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز الأخيرة، الذي يبدو أنه هو شخصياً من التقط تلك المؤشرات، سعياً وعبر تغريدته، بأن لا يجعل اليوم شبيهاً بالأمس.

تزامنت تغريدة الرزاز مساء يوم الثلاثاء، 2حزيران/ يونيو، مع الذكرى السنوية الثانية لأحداث "الرابع"، عندما خرج الأردنيون إلى الشارع وهتفوا بإسقاط حكومة هاني الملقي، وإسقاط قانونها الضريبي، عندما شعروا أن أمنهم المعيشي في خطر، هي ذات الأحداث التي أطاحت بحكومة الملقي وخرجت من رحمها حكومة الدكتور الرزاز، الذي دعا في تغريدته الأخيرة الأردنيين للتحلي بالصبر، وختمها بعبارة اشتهر باستخدامها بها منذ بداية أزمة فيروس كورونا لدواعي "بث الاطمئنان": "كل مرّ سيمرّ".

دعوة الرزاز للأردنيين للتحلي بالصبر، وإن لم ترتبط بتزامنها مع ذكرى أحداث "الرابع"، إلا أنه على ما يبدو، وحسب ترجيح ناشطين في الأردن، أن الرزاز يتابع الحراك عبر تويتر، ويرصد الهاشتاغات التي تتصدره فور خروج أي قرار حكومي، وعلى الأرجح كان قد انتبه إلى الهاشتاغ المتصدر أردنياً في هذه الأيام:

#ايقاف_قانون_الدفاع

هو أشبه بالحراك الشعبي الافتراضي ما تظهر به تغريدات أردنيين/ات على إيقاف قانون الدفاع، يلمس فيها المتابع حالة الغضب التي تكاد تسمع صوتها، على خلفية القرار الحكومي الأخير في 31 من شهر أيار/ مايو الماضي، الذي تمثل بإقرار أمر جديد لقانون الدفاع (قانون يسري تنفيذه في الأردن منذ بداية أزمة كورونا، يستخدم في حالات الطوارئ والظروف الاستثنائية) سمي "أمر دفاع رقم 6"، تضمن السماح لصاحب العمل باقتطاع نسبة من رواتب العاملين تتراوح بين 30 و60% من الراتب، بشرط ألا يقل أجر العامل بعد الاقتطاع عن 150 ديناراً، ودون اشتراط موافقة وزارة العمل أو العامل نفسه، ناهيك عن المادة (28) من قانون العمل، والتي سمح بلاغ أمر دفاع (6) لصاحب العمل من خلالها بإنهاء خدمات العاملين، وقد أجاز للعامل الأردني حصراً التقدم بشكوى لوزارة العمل، إذا ما تعسف صاحب العمل في ممارسة صلاحيته الممنوحة له.

وقد اعتبره حقوقيون وسياسيون، في حديثهم لرصيف22، أنه قانون "هز الأمن المعيشي" للأردنيين، فالتاريخ الحديث جداً يكشف ماذا يعني أن يختل الأمن المعيشي للمواطن الأردني، فأحداث "الرابع" في العام 2018، والحراك الشعبي في العام 2011 الذي رفع رغيف الخبز شعاراً وهتافاً، خير مثال على معنى ذلك.

دعوة عمر الرزاز للأردنيين للتحلي بالصبر، ارتبط وعلى ما يبدو، وحسب ترجيح ناشطين في الأردن، أنه يتابع الحراك عبر تويتر، ويرصد الهاشتاغات التي تتصدره فور خروج أي قرار حكومي، وعلى الأرجح كان قد انتبه إلى الهاشتاغ المتصدر أردنياً في هذه الأيام: #ايقاف_قانون_الدفاع

"اختطاف الدولة"

الكاتب والمحلل السياسي مالك عثامنة، وفي حديثه لرصيف22، يقول: "مؤخراً بدأت أتوجس خيفة مما يصدر من أوامر حكومية في قانون الدفاع الذي كنت مع سياسة تطبيق قوانينه، لكن بحدود الوباء لا أكثر"، لكن وبحسب وجهة نظره فإن ما يحدث مؤخراً من قرارات، آخرها قانون الدفاع (6)، هو أمر يمس معيشة المواطن الأردني، وحتى غير الأردني الذين لديه حقوق معيشية أيضاً، الأمر الذي يعيدنا إلى مفهوم "اختطاف الدولة".

ويفسر عثامنة مفهوم اختطاف الدولة: "طالما نظرت إلى الأردن بأنه دولة مختطفة من قبل نخب فاسدة تدير الأمور لمصلحتها دائماً، ويبدو أن هذه النخب أطلت برأسها من جديد في جائحة كورونا وعبر ثغور قانون الدفاع، وعادت للسيطرة من جديد".

ويبدي عثامنة استغرابه من عودة "فلسفة حماية خاطفي الدولة من الفاسدين"، في الوقت الذي يعاني منه الأردن من جائحة اقتصادية، بالإضافة لجائحة كورونا، حتى أنه على وشك الإفلاس لولا "بركة الله"، ويسأل: "بلد بلا موارد ينخر فيه الفساد، إدارة فاشلة ودولة مختطفة، طبقة وسطى تآكلت تماماً وعالم متغير من حولك، ثم تأتي بقرارات دفاع تدافع فيه عن تلك النخب وتظلم باقي المواطنين؟"، معتبراً أن الجائحة الوبائية في الأردن أصبحت تشكّل فرصة لاستغلال وتوظيف وتنفيذ "عمليات نهب مشرعة ومنظمة، في ظل غياب مجلس النواب الذي حضوره أساساً هو غياب بحد ذاته".

ويختم بعودته إلى الذاكرة القصيرة، عندما كان الجميع "يزغرد ويحتفل بإجراءات الدولة غير المسبوقة في مواجهة أزمة كورونا، مثل ما حدث في بداية الأزمة، عندما أنفقت الحكومة بشكل شبه كامل على إقامة المحجورين بسبب الفيروس، في فنادق الخمس نجوم في البحر الميت"، ذلك ما اعتبره أنه خطة خبيثة لعمل دعاية "بايخة" للحكومة، كان صيت هذه الدعاية للحكومة والمواطن دفع فاتورتها، بحسب قوله.

فيما يرى الدكتور فاخر دعاس، عضو المكتب السياسي لحزب "الوحدة الشعبية"، بحسب حديثه لرصيف22، أن الحكومة "تعتقد أنه من خلال قانون الدفاع وأوامره تستطيع أن تصدر أحكاماً عرفية مبطنة، تمرر من خلالها كافة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وتصفية الحسابات ما بين مراكز القوى، وهو ما لم تستطع تحقيقه قبل كورونا، ما يجعلها تعتقد أن الجائحة هي ظرف مناسب لتمرير هذه السياسات".

ويقول: "على الحكومة أن تعي جيداً بأن قانون الدفاع هو مسألة وقت، وليس أحكاماً عرفية كي تمرر فيه ما تشاء وكيفما تشاء"، مرجحاً أنه وفي لحظة تاريخية قريبة ما، وبمجرد انتهاء قانون الدفاع، تصبح هناك قدرة أكثر للحراك، سواء النقابي أو المهني أو الشعبي، للتصدي لهذه السياسات ولو بأثر رجعي".

"تعتقد الحكومة الأردنية أنه من خلال قانون الدفاع وأوامره تستطيع أن تصدر أحكاماً عرفية مبطنة، تمرر من خلالها كافة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وتصفية الحسابات ما بين مراكز القوى، وهو ما لم تستطع تحقيقه قبل كورونا، ما يجعلها تعتقد أن الجائحة هي ظرف مناسب لتمرير هذه السياسات".

"إعدام للأسر بشكل كامل"

ونشر الخبير الحقوقي رياض صبح، وفور صدور أمر الدفاع (6)، على صفحته في فيسبوك، قراءة حقوقية للقرار، جاء فيها: "ظن صانع القرار أن هكذا قرار سيحمي الاقتصاد الوطني وأعتقد أن ذلك غير دقيق، بل إنه سيؤثر سلباً على إيرادات الدولة، حيث ستتسع شريحة الأشخاص المعفيين من الضرائب، وسوف يقلص من القدرة الشرائية لشريحة واسعة، ما سيضعف من الحركة الاقتصادية، والأخطر والأهم هو أن ذلك سوف يساعد في اتساع شريحة الفقراء والمتعطلين، والذين سوف يطالبون بالتمتع بالمساعدات والمعونة الوطنية وهو ما سيرهق خزينة الدولة، أو يجعلهم خارج نطاق هذه الخدمة، ما سينعكس سلباً على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، والذي قد يسهم في تشكيل خطر على الأمن الاجتماعي، وما سيفضي إليه من اضطرابات أو ارتفاع نسبة الجرائم".

"ما يحدث مؤخراً هو مجزرة، لا ليست مجزرة فهذا وصف قليل أمام ما يحدث"، تقول الرئيسة التنفيذية لمركز "تمكين" المختص بحقوق العمالة، ليندا كلش، خلال حديثها لرصف22، وتتابع: "عندما يتم المس بالأمن المعيشي للإنسان هو إعدام للأسر بشكل كامل"، معتبرة أن ذلك سيكون نتاج أمر الدفاع رقم (6) الذي فيه محاباة لأصحاب العمل، بحسب قولها، متسائلة بغضب: "كيف افترضت الحكومة أن الـ 150 ديناراً المتبقية من اقتطاعات على رواتب عمال قادرة على إعالة أسرة كاملة؟".

وأشارت كلش إلى أن مركز "تمكين" استقبل منذ حوالي الشهرين، أكثر من ألف شكوى من عمال أردنيين وغير أردنيين، سواء بسبب فقدانهم لوظائفهم أو عدم دفع أجورهم، وتفسر بأن ما يحدث هو "بالطبع بمباركة حكومية بسبب أوامر مرتجلة تصدر منها، حتى أن البلاغ الأخير المتمثل بقانون الدفاع (6) لم ينشر بعد في الجريدة الرسمية، الأمر الذي يدل على تخبط السلطة التنفيذية في تعاملها مع هذا القرار".

عريضة للضغط على الحكومة الأردنية

وأصدر حقوقيون، من بينهم كلش، عريضة لجمع تواقيع من أجل الضغط على الحكومة الأردنية لتعدل عن قرار الدفاع (6).

"لم تنتظر بعض الشركات غروب شمس أمس الأحد كي تستثمر البلاغ الحكومي الأخير للتخلص من موظفيها"، هذا ما جاء في تقرير "المرصد العمالي" الذي نشر صباح اليوم الثاني من إصدار قانون الدفاع (6)، كشف فيه أن إحدى شركات الحديد والصلب "استهلت صباحها بإخبار موظفيها: اجلسوا في بيوتكم سنخصم 60% من رواتبكم".

وفي دراسة مسحية أيضاً للمرصد العمالي، كشفت أن 40% من عينة الدراسة أفادوا بأنهم فقدوا أعمالهم أو وظائفهم بشكل كامل، خلال الفترة الواقعة بين منتصف شهر آذار ومنتصف شهر أيار الماضيين، أي حتى قبل أمر الدفاع (6).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard