الأب الروحي للأمويين... سيرة أبي سفيان بن حرب

السبت 11 يوليو 202010:06 ص

من بين جميع الزعماء القرشيين الذين عادوا الإسلام في الفترة المبكرة من عمر الدعوة المحمدية، يحظى أبو سفيان بن حرب بمكانة شبه متفرّدة، وذلك بسبب تحوّله الدرامي إلى الإسلام، ومشاركته في حركة الفتوحات الإسلامية في ما بعد.

الصورة التي قدّمتها المصادر التاريخية الإسلامية لشخصية زعيم البيت الأموي، تشكلت ملامحها الرئيسة في خضم تفاعل مجموعة من الظروف المعقّدة مع بعضها البعض، وهي الظروف التي ألقى فيها الصراع الطبقي بظلاله الثقيلة على المجالين العرقي والمذهبي، ما منح الفرصة لظهور التاجر الأرستقراطي، أبي سفيان، في سياق التنافس الهاشمي-الأموي من جهة، والصراع السنّي- الشيعي في ما بعد من جهة أخرى.

زعيم قريش الذي تحوّل للإسلام

وردت سيرة أبي سفيان بن حرب في العديد من المصادر التاريخية كتاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري (ت. 311هـ)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ت. 630هـ)، فضلاً عن الكثير من كتب التراجم والطبقات كالطبقات الكبرى لابن سعد (ت. 230هـ)، وسير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي (ت. 748هـ).

بحسب تلك المصادر، فإن اسم أبي سفيان هو صخر، وولد على أرجح الأقوال قبل عام الفيل بعشر سنين. وتتفق المصادر على التأكيد على المكانة المرتفعة التي حظي بها أبو سفيان في المجتمع القرشي، ومما يدل على ذلك أنه كان يحتفظ بـ"راية العقاب"، وهي راية الحرب التي اعتادت قريش أن ترفعها وقت الحرب، بحسب ما ذكره ابن عبد البر النميري (ت. 463هـ) في كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب".

وذكر ابن عبد ربه الأندلسي (ت. 328هـ) في كتابه "العقد الفريد" أن أحد ملوك اليمن في مرحلة ما قبل الإسلام، لمّا أراد أن يعرف مَن هو السيد الحقيقي في قريش، أرسل لمكة عشرة من الإبل، وطلب أن ينحرهم أشرف سيد من سادات قريش، وكان أبو سفيان وقتها يتزوج من هند بنت عتبة، فأمر بألا يقترب من الإبل أحداً، وقال مهدداً "والله ما نحرها غيري إلا نحرته"، فتركها الجميع، حتى إذا ما خرج من منزله بعد سبعة أيام من عرسه، ذهب إلى الإبل ونحرها.

أبو سفيان الذي كان زعيم البيت الأموي منذ فترة مبكرة من حياته عُرف بمشاركته في الرحلات والقوافل التجارية، وبأسفاره إلى بلاد الشام والعراق وبلاد فارس، وذكرت روايات أنه التقى بملوك البيزنطيين والفرس في بعض الأحيان.

مكانة أبي سفيان، وزعامته لبني أمية، فضلاً عن ثرائه الواسع، كانت كلها عوامل اشتركت مع بعضها البعض في تنصيبه كواحد من قادة الطبقة الأرستقراطية الأكثر تأثيراً على مسرح الأحداث السياسية في مكة، ومن هنا لم يكن من الغريب أن نجد المصادر الإسلامية تتحدث عن دوره الفاعل في عداوة الدعوة المحمدية في بواكيرها، خصوصاً أن تلك الدعوة اجتذبت إليها قطاعاً عريضاً من المهمشين والضعفاء والعبيد والموالي.

بعد هجرة المسلمين إلى يثرب، كان أبو سفيان لاعباً رئيساً في الحشد ضد الرسول، فهو الذي أرسل مستغيثاً إلى زعماء قريش، بعدما عرف بنيّة المسلمين مهاجمة قافلته، في حادثة تسببت بنشوب معركة بدر في العام الثاني من الهجرة، وهو أيضاً الذي قاد الجموع المغيرة على يثرب في معركتي أحد (3هـ)، والخندق (5هـ)، بعدما سقط أبرز قادة قريش من أمثال عمرو بن هشام وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، ليبقى وحيداً في مواجهة المد الإسلامي.

تتحدث المصادر التاريخية عن تغيّر سياسة أبي سفيان تجاه المسلمين بعد ما وقع من إغارة بني بكر، حلفاء قريش، على خزاعة، حلفاء الرسول، الأمر الذي كان من شأنه نقض صلح الحديبية الذي أبرم بين الفريقين في العام السادس للهجرة، إذ حاول أبو سفيان تدارك الوضع، فزار يثرب وحاول الإبقاء على الهدنة، ولكنه فشل في مسعاه فعاد إلى مكة خائباً.

في العام الثامن للهجرة، أثناء فتح مكة، تحوّل أبو سفيان للإسلام، بعد وساطة من جانب العباس بن عبد المطلب، واشترك مع المسلمين بعدها في غزوتي حنين والطائف، وقيل إن الرسول ولاه على نجران، وإنه بقي والياً عليها حتى توفي الرسول في العام الحادي عشر للهجرة.

في حقبة الخلافة الراشدة، اشترك أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد في قتال الروم البيزنطيين في موقعة اليرموك عام 15هـ، وقيل إنه أصيب بعينه في تلك المعركة، وكان صاحب مكانة معتبرة في عهدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وتوفي في عهد الأخير عام 31 أو 32هـ، ودُفن في البقيع، في المدينة المنورة.

أبو سفيان في النزاع العرقي والخصام المذهبي

رغم أن النظرة السنّية التقليدية تميل لتصحيح إسلام أبي سفيان، وتعمل على إثبات مشاركته الفعالة والمؤثرة في مرحلة الفتوحات التوسعية الإسلامية، إلا أن هناك وجهات نظر أخرى تقدح في تلك الرؤية اعتماداً على مجموعة من الروايات التاريخية المشهورة.

من تلك الروايات ما ورد في طبقات ابن سعد من أن أبا سفيان حسد الرسول بعد فتح مكة لمّا رأى كثرة المقدمين عليه "فقال بينه وبين نفسه، لو عاودت هذا الرجل"، فضرب الرسول صدره وقال "إذاً يخزيك الله... إذاً يخزيك الله"، فتاب أبو سفيان واستغفر الله وأظهر الندم على ما قال.

يتسق مع ذلك ما قيل عن اشتراكه في غزوة حنين، وكيف أنه حمل معه في المعركة مجموعة من الأصنام التي كان يتعبّد إليها قُبيل إشهاره إسلامه، وإظهاره فرحه في أول المعركة عندما انهزم المسلمون، وقال في ذلك "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر"، بحسب ما يذكر ابن هشام (ت. 218هـ) في كتابه "السيرة النبوية".

ذكر الطبري في تاريخه أن أبا سفيان دخل على الخليفة ومعه مجموعة من رجال بني أمية، فقال لهم "يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار"

هذا الاتهام المتصل بحقيقة إسلام أبي سفيان بقي قائماً بعد وفاة الرسول، فقد أورد ابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ) في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة"، روايات يُفهم منها فرح أبي سفيان بتقدّم البيزنطيين على المسلمين في بعض فترات معركة اليرموك.

في خلافة عثمان كذلك، ذكر الطبري في تاريخه أن أبا سفيان دخل على الخليفة ومعه مجموعة من رجال بني أمية، فقال لهم "يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار".

من هنا، يمكن فهم تلك الروح العدائية التي سادت بين أبي سفيان ومَن معه من بني أمية وسادات قريش الذين اعتنقوا الإسلام بعد فتح مكة من جهة، والمسلمين السابقين من طبقة الفقراء والمهمشين والموالي من جهة أخرى، إذ نظر هؤلاء إلى زعيم بني أمية على أنه العدو الأول للإسلام، وأنه لم يعلن إسلامه إلا لينجو من الموت.

هذا الخلاف الاجتماعي العميق بين الطبقتين الأرستقراطية والمهمشة في المجتمع الإسلامي، سرعان ما سيتلبس بثوب العرقية والمذهبية، ليعلن عن نفسه في صورة نزاع عرقي بين بني هاشم وبني أمية تارة، وفي صورة خصام مذهبي شيعي-سنّي تارة أخرى.

في ما يخص حضور أبي سفيان في النزاع العرقي، جرى إبرازه في كتابات العديد من المؤرخين المسلمين، ومنهم على سبيل المثال تقي الدين المقريزي (ت. 845هـ) في كتابه "النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم"، عندما يذكر أن عداء أبي سفيان للإسلام كان بمثابة حلقة وسيطة في سلسلة طويلة من العداوة بين بني هاشم وبين عمومتهم من بني عبد شمس، فيقول منشداً: عبد شمس قد أضرمت لبني هاشم حرباً يشيب منها الوليد/ فابن حربٍ للمصطفى وابن هند لعليٍ وللحسين يزيد.

من جهة أخرى، أُبرز دور أبي سفيان في الخصام المذهبي الدامي بين السنّة والشيعة، ففي الوقت الذي عدّه السنّة صحابياً عدلاً مجاهداً صحيح الإيمان، ذهب الشيعة، مدفوعين بما وقع من صراع على الخلافة والسلطة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، إلى التشكيك في إيمانه، فعدّوه من الطلقاء الذين لا تصح لهم ولا لأبنائهم ولاية.

ووصفته بعض المرويات الشيعية المذكورة في "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي (ت. 1111هـ) كواحد من المنافقين الذين حاولوا اغتيال الرسول في العقبة أثناء الرجوع من غزوة تبوك عام 9هـ.

وإتماماً لتلك السردية، شككت بعض المصادر الشيعية، ومنها "مناقب آل أبي طالب" لابن شهر آشوب المازندراني (ت. 588هـ)، في نسب أبي سفيان، وادّعت أن بني أمية عموماً ليسوا من صلب أمية بن عبد شمس، وأن أمية كان عقيماً، وأن أباهم على الحقيقة كان ذكوان، العبد الرومي لأمية.

الأب الروحي للأمويين

أكبر الأحزاب السياسية التي تنافست على السلطة في القرون الأولى كانت أحزاب الأمويين والعباسيين والعلويين، وكل من تلك الأحزاب كانت له سرديته التاريخية للأحداث السياسية الأهم في تلك الفترة، إذ جرى تقديمها بما يخدم أهداف تلك الأحزاب ويصبغها بالشرعية.

يروي ابن سعد في طبقاته أن أبا سفيان حسد الرسول بعد فتح مكة لمّا رأى كثرة المقدمين عليه "فقال بينه وبين نفسه، لو عاودت هذا الرجل"، فضرب الرسول صدره وقال "إذاً يخزيك الله... إذاً يخزيك الله"، فتاب أبو سفيان واستغفر الله وأظهر الندم على ما قال

عملت السرديات السياسية الحزبية على عقد صلات مُتخيلة بين الآباء المؤسسين للأحزاب السياسية الكبرى، وكان أبو سفيان بن حرب أحدهم بصفته أباً لمعاوية مؤسس الدولة الأموية، وبعضهم البعض.

من الأمثلة التي من الممكن أن نستشهد بها في هذا المقام الروايات التي تحدثت عن إسلام أبي سفيان إبّان أحداث فتح مكة في العام الثامن للهجرة. الباحث في تلك الروايات سيجد أنها عملت على التركيز على دور العباس بن عبد المطلب في إسلام أبي سفيان، فالعباس هو الذي اصطحب زعيم البيت الأموي إلى الرسول، وهو الذي دفعه دفعاً للنطق بالشهادتين لمّا لمس تردده، وكان مما قاله له في هذا المقام "ويحك، اشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل والله أن تُقتل... فشهد"، وهو ما علّق عليه شمس الدين الذهبي بقوله: "فأسلم شبه مكره، خائف".

هذه المبالغة الملحوظة في إثبات دور العباس من الممكن أن نُرجعها إلى تأثيرات السلطة العباسية التي عملت على إثبات تفوّقها وهيمنتها على الدولة الأموية، إذ يُظهر ذلك أن حياة أبي سفيان نفسها كانت منّة وهبة وهبها العباس له وقت الأزمة.

أيضاً، من بين الأمثلة المعبّرة عن تلك الصلات المُختلقة بين الآباء الكبار للأحزاب السياسية، تلك الرواية المشهورة التي تذكر أن أبا سفيان لمّا عرف باستخلاف أبي بكر، قدم إلى العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، ودعاهما للخروج على أبي بكر، وإلى استخلاف أحدهما بدلاً منه.

ويذكر الطبري أن أبا سفيان قال لعلي وقتها: "ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش! والله لئن شئت لاملأنها عليه خيلاً ورجالاً!"، ولكن علي رد عليه قائلاً: "إنك والله ما أردت بهذه إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً! لا حاجة لنا فى نصيحتك".

من بين النقاط التي يمكن ملاحظتها في الرواية الأخيرة أن الدعم الذي يعرضه أبو سفيان على علي والعباس، هو في حقيقة الأمر غير منطقي، ذلك أن أبا سفيان كان زعيماً وقائداً للأمويين في مكة ولكنه معدوم السلطة والنفوذ في المدينة، فكيف يعرض المساعدة في أمر هو غير قادر على إتيانه؟

هذا بالإضافة إلى أن الامويين أنفسهم كانوا من أوائل المبايعين لأبي بكر بعد انتهاء اجتماع السقيفة، فبحسب ما يذكر أبو قتيبة الدينوري (ت. 276هـ)، في كتابه "الإمامة والسياسة"، "اجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة فقال: ما لي أراكم ملتاثين، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس وبايعه الأنصار فقام عثمان ومن معه، وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر".

ويحق لنا أن نتساءل حول ظروف ظهور تلك الرواية وتوقيت تدوينها وهل لها علاقة بانتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، إذ أن ظاهر تلك الرواية يؤكد على أن أبا سفيان، زعيم البيت الأموي، أعلن عن أحقية العباس، زعيم البيت العباسي، بالخلافة، وهو أمر يعطي شرعية كبيرة للعباسيين أثناء صراعهم الدامي ضد الأمويين على السلطة والخلافة.

في سياق آخر، فقد استُخدمت شخصية أبي سفيان في بعض الأحيان لدعم الحق في التوسع والتمدد العربي في منطقة الشرق الأدنى القديم، في ما يشبه البشارة أو النبوءة التي كان هو شاهداً عليها وقت كفره، والتي سيتحقق جزء منها في مستقبل الأيام بمشاركته.

على سبيل المثال، وردت في صحيح البخاري، رواية طويلة عن عبد الله بن العباس، تحدّث فيها عن لقاء أبي سفيان بالإمبراطور البيزنطي هرقل في إيلياء (أورشليم)، وكيف أن الإمبراطور سأل أبي سفيان عن النبي محمد، ثم اطلع بعدها على الرسالة التي أرسلها النبي إليه. وعلق بعدها على ما ذكره أبي سفيان من أوصاف للرسول، بقوله "فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّاً فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ"، وهي الرواية التي ستقدم مبرراً ومسوغاً للتوسع العربي في بلاد الشام في ما بعد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard