الراقص الفلسطيني أيمن صفية اختفى في البحر... البحث مستمر وسط تضييق إسرائيلي

الثلاثاء 26 مايو 202006:04 م

لا تزال مساعي البحث عن الفنان الفلسطيني أيمن صفية (29 عاماً) تتواصل منذ يوم الأحد الماضي، في الرابع والعشرين من أيار/ مايو الجاري، بعد أن فُقدت آثاره في إحدى شواطئ حيفا.

وأيمن، المولود في قرية كفرياسيف في الجليل، هو راقص ومصمم رقص معاصر، وهو أوّل فتى فلسطيني يحترف رقص الباليه منذ صغره، متحدياً كل التابوهات المحيطة بدخول الرجال في هذا المجال من الاحتراف الفنّي.

في مقابلة معه أجراها الصحافي الفلسطيني أمير الخطيب، لقناة "مساواة" وبرنامج "قهوتنا غير"، قال أيمن: "كل هالأفكار المسبقة والتابهوهات للمسموح والممنوع، أنا ما عندي إياها، من وأنا وصغير".

كانت آخر مرة شوهد فيها أيمن عند ظهر يوم الأحد الماضي، بعدما دخل البحر للسباحة برفقة أصدقاء كانوا سوية في رحلة تخييم على شاطئ "نافيه يام - عتليت" بالقرب من حيفا.

مع الساعات الأولى للاختفاء، لم يظهر الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن أعلنت الشرطة الإسرائيلية عند منتصف الليل توقيفها للبحث وتجديده في اليوم الثاني، بسبب حالة الطقس وظروف الليل.

بعد ذلك، امتلأت صفحات أصدقاء وصديقات أيمن في فلسطين التاريخية والخارج، بأمنيات العودة إلى "برّ الأمان"، والشاطئ. رافقها عند البداية مقطع فيديو كان قد نشره الفنان الفلسطيني عبر صفحته يوم السبت الماضي، بعنوان "Keep Moving" (واصل التحرّك)، وهو يرقص في المطبخ أثناء تجهيزه لوجبة الغذاء، وفيه، يلتفت للحظات مبتسماً إلى الكاميرا التي تصوّر حركات جسده التعبيرية على أنغام الموسيقى. مع انتشار الخبر والفيديو، كتب أصدقاء أيمن: "واصل التحرّك يا أيمن… ننتظر عودتك".

عند ظهر يوم الاثنين، الخامس والعشرين من أيار/ مايو الجاري، تجدّدت مساعي الشرطة الإسرائيلية بالبحث عن أيمن في البحر، وأصدرت بياناً نشرت فيه مواصفات أيمن (طوله، شعره وملابسه عندما فُقد)، داعية كل من رآه أو يعرف عنه أي خبر للتواصل معها، والمساعدة في البحث.

في الأثناء، تواصلت الدعوات لأيمن بالعودة سالماً إلى حضن والدته وأهله وأحبائه في كل مكان. "نؤمن بالمعجزات"، كتبت إحدى صديقاته، وكتب الشاعر ومعلّم اللغة العربية رأفت آمنة جمال: "صلوات إلى البحر… أيمن، آمين".

مع مرور الوقت، لم تظهر أي آثار لأيمن، في مقابل ذلك، انتشرت عبر فيسبوك دعوة من شاب يُدعى أمجد سالم، يطلب فيها من كل من لديه "مطور بحر" أن ينضم إلى مساعي وحدة الشرطة البحرية عند صباح يوم الثلاثاء، السادس والعشرين من أيار/ مايو، عند السابعة في شاطئ "نافيه - يام".

خلال ساعات قليلة، انتشرت الدعوة عبر صفحات كثيرة، مع تأكيدات على ضرورة المساعدة في إيجاده قدر الإمكان.

تقاعس إسرائيلي... وتضييق

هذه الدعوة جاءت أيضاً مع ارتفاع أصوات فلسطينية في الداخل الفلسطيني تشير إلى تقصير الشرطة الإسرائيلية و تقاعسها في البحث عن أيمن. فعند مساء الاثنين، وقبل غروب الشمس، بدأ الشاب عمرو خضر فيديو مباشر من شاطئ البحر، كتب عليه التعليق التالي: "معلش يا جماعة مضطرين نبيّن شو هي دولة الاحتلال الي عايشين تحتها! صلوا لأيمن يكون بخير وقوي ودافي".

"أيمن، شو يعني وطن؟ يعني في مين يدوّر عليك ويسخّر كل طاقاته وقوته وإرادته عشانك، لأنك إبنه، لأنك غالي عليه، لأنه مش رح يتحملوا يحطوا عيونهم بعيون أمك إذا وقفوا عمليات البحث. شو يعني استعمار؟ يعني شكلياً بدوروا عليك، وطبعاً بتتوقف أعمال البحث لأتفه الحجج…"

وفي فيديو خضر الذي صوّره على الشاطئ بحضور عدد كبير من محبي وأصدقاء أيمن، جاء: "بتوقع دولة إسرائيل عندها المهارات والتقنيات تقدر تشوف تحت المية. بس ما حدا قاعد بشتغل. البحر كله صخر. مش عارفين شو نعمل. بتوقع صار بدها قضية رأي عام وتنفضح أمورهم… لونه يهودي، كان نشفوا البحر وطالوه".

من جهتها، كتبت الناشطة الفلسطينية والأخصائية النفسية رولا نصر - موازي، عبر صفحتها: "أيمن، شو يعني وطن؟ يعني في مين يدوّر عليك ويسخّر كل طاقاته وقوته وإرادته عشانك، لأنك إبنه، لأنك غالي عليه، لأنه مش رح يتحملوا يحطوا عيونهم بعيون أمك اذا وقفوا عمليات البحث. شو يعني استعمار؟ يعني شكلياً بدوروا عليك، وطبعاً بتتوقف أعمال البحث لأتفه الحجج…". 

عند صباح اليوم الثلاثاء، وبعد مرور ثلاثة أيام على اختفاء أيمن، وصل عدد كبير من المتطوعين/ات للبحث عنه عند شاطئ "عتليت" والمحيط، فخرجت قوارب الصيد (الحسكات) من عكّا، وحضر غواصون/ات من جسر الزرقاء، ومطورات البحر لشباب من قريته، كفرياسيف، وبلدات عديدة، للبحث عن المفقود، بلا أي نتيجة حتّى الآن، إلا نتيجة وحيدة هي أن الشرطة الإسرائيلية قامت بمخالفة بعد الصيادين لأنهم دخلوا البحر من "غير إذن".

وتعليقاً على التضييق الإسرائيلي، نشر خضر صورة كتب عليها: "تمت مخالفة الصيادين العرب من المناطق المختلفة بقيمة 500 شيكل (حوالي 143 دولار) لدخولهم البحر بدون إذن ′حسب سياسة الشرطة′ بسبب قانون حالي يمنع الصيد في البحر".

وتابع في منشوره: "من الواضح والمعلوم أنهم دخلوا بهدف البحث عن أيمن وليس للصيد".

ما بين أمنيات عودة أيمن بسلامة إلى أهله، وفقدان الأمل من ذلك مع مرور الوقت على اختفائه، تستمر الأصوات الغاضبة من أداء الشرطة الإسرائيلية بالارتفاع. غضبٌ من كيان يواصل قمع الفلسطينيين/ات بأشكال عديدة، فالإهمال شكل من أشكال القمع، ويأتي في ظل غياب الثقة بالمؤسسة الإسرائيلية وقيمة الإنسان الفلسطيني فيها.

في منشور له عبر فيسبوك، كتب محمد زيدان، المدير السابق لمؤسسة حقوق الإنسان في الناصرة: "رغم جريمة الإهمال وتطنيش السلطات… يتحرك الخير مع قوارب الصيادين من عكا وجسر الزرقاء، مع دراجات الشباب المائية التي جاءت من كل مكان بحثاً عن أيمن، أيمن الذي يُرسل لنا في غيابه، ما تجاهله الكثيرون وحاولوا إخفاءه، دولتهم ليست دولتنا، والشرطة ومؤسساتها لا تكون "فعالة" إلّا بقتلنا أو سلبنا لحقوقنا… وصحافة الدولة والسلطان تنكشف للمرة الألف بعنصريتها المعتادة في الأزمات".

وتابع زيدان: "حين يقرر الشباب أن يعمل، فهو أقوى من كل المؤسسات والأحزاب والمنظمات الهرمة... وصوت الشباب والصبايا أقوى وأعلى من البيانات والتغريدات والمقارنات التي لازالت تلعب في ملعب ′دولتهم′".

شغف يلمسه كل من عرف أيمن

بموازاة الغضب من الأداء الإسرائيلي في مساعي البحث عن أيمن، استرجع الكثير من محبي أيمن مسيرته الفنية وما تركه من أثر لافت في هذا العالم. بعد أن أنهى دراسته في معهد إسرائيلي للرقص، سافر أيمن عام 2009 إلى لندن لمواصلة تعليمه هناك حتى 2012، كإصرار مستمر على احتراف الرقص وشغف التعبير الجسدي المربوط بشخصيته وهويّته، وهو شغف يلمسه كل من عرف أيمن من صغره حتى اليوم.

بعد أيام على اختفاء الراقص الفلسطيني أيمن صفية في البحر، تأخذ الدعوات التي تتمنى "العون والصبر" لوالدته وأهله في هذه الأيام الصعبة، الحيّز الأكبر، كما مشاركة صور وفيديوهات من مسيرته الفنية اللافتة، كان آخرها فيديو له بعنوان "سبح في الهواء لخفّته"

بعد ذلك، عاد أيمن إلى فلسطين، ليواصل عمله مع مجموعات رقص فلسطينية وعالمية. كما عمل في المسرح، وتدريس الرقص، وشارك مع موسيقيين/ات في تصوير فيديوهات لأغانٍ، أو مع مصورين/ات رؤوا فيه الشخص الأمثل للتعبير عن إنتاجهم/ن الإبداعي، محلياً وعالمياً.

بالعودة إلى حوار "قهوتنا غير"، سأله الصحافي عن غرابة قلة الراقصين الرجال، فأجابه أيمن: "لإلي مش غريب، متوقّع. لأنه مش مفهوم ضمناً يكون في مجتمعنا الشرقي راقص بستعمل جسده كأداة للتعبير، يكون عنده جرأة ليستخدم جسده ويكون محور اللغة تبعته". وتابع: "الموضوع بدّه جرأة، بس هالجرأة بدها دعم، من الأهل والمحيط كمان".

بالإضافة إلى أمنيات السلامة لأيمن، تأخذ الدعوات التي تتمنى "العون والصبر" لوالدته وأهله في هذه الأيام الصعبة، الحيز الأكبر، كما مشاركة صور وفيديوهات لأيمن وهو يرقص بين الأشجار أو في مشروع فنّي، حمل آخرها اسم "سبح في الهواء لخفّته"، من تصوير ومونتاج صديقته، الفنانة شيراز عزّام. وكل ما يُتمنى له الآن، مع ثقل فقدان الأمل، هو أن يسبح عائداً إلى حضن البرّ آمناً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard