"لسنا معادين لليهود"... عن حرق ضريح يهودي في إيران

الجمعة 22 مايو 202002:49 م


قبل أيام من يوم القدس الذي تحتفل به إيران احتفالاً كبيراً في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان كلّ عام، انشغلت وسائل الإعلام الإيرانية والأجنبية في الأيام الماضية وحتى الآن، بقضيةِ تعرّضِ ضريح "أستير ومردخاي" اليهودي الواقع في مدينة هَمَدان، غرب إيران، للحرق على أيدي مجهولين، وذلك في ذكرى إقامة دولة إسرائيل، أي 15 مايو 2020. ويعتبر ضريح "أستر ومردخاي" أهمّ ضريح يهودي في إيران، ومن أهمّها في العالم.

وفي البداية نُشرت أخبار وصور من هذا الحدث على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام إيرانية وأجنبية. وبينما ذكرت وسائل الإعلام أن الضريح اليهودي تعرّض للحرق، إلا أن مدير دائرة التراث الثقافي في محافظة همدان وفي أوّل ردّ فعلٍ رسميّ من قبل السلطات الإيرانية من الحدث، قال يوم الأحد 17 مايو الحالي إن المبنى الخارجي لضريح "أستر ومردخاي" تعرّض للحرق، لكن المقبرة لم تتضرر".

وأضاف علي مالمير أن أسلاك الكهرباء والسجّاد في المبنى المجاور للضريح، قد تعرّضت لأضرار، مؤكداً على عدم احتراق أيّ من أقسام الضريح الرئيسية.

ثمّ أعلن مدعي عام همدان، حسن خانجاني، في نفس اليوم، أن قوات الأمن الداخلي تابعت الحدث لكنّها لم تستطع اعتقال الفاعلين ولم تصل إلى نتيجة بعد، والتحقيق مستمرّ في القضية. كما قال إنه تمّ فتح ملف قضائي، وإن الشرطة تتابع الملفّ لكنها لم تتوصل إلى أيّ نتيجة حتى الآن، وتفاصيل الحدث لم تتضح بعد.

وكالة "إرنا" الرسمية الإيرانية قد أعلنت في خبر يوم السبت 16 مايو أن شخصاً حاول اقتحام المقبرة اليهودية من مبنى البنك المجاور، لكنه لم ينجح بفعلته. وذكرت أن الضريح اليهودي لم تلحق به أضرار، في حين سجلت كاميراتُ المراقبة وجهَ المهاجم وأن الشرطة تبحث عنه. لكنها حذفت الخبر بعد ساعات قليلة من نشره على موقعها.


عن ضريح "أستر ومردخاي"

يعتبر قبر "أسْتر"، وهي زوجة الملك الفارسي خَشايار شاه الأوّل، الملك الرابع في سلالة الأخمينيين، والذي حكم بين 485 و465 قبل الميلاد، برفقة ابن عمّها "مردخاي"، الموقع الأكثر أهمية لليهود في إيران. و"أستر" و"مردخاي" يعتبران من الشخصيات التاريخية المهمة في الذاكرة اليهودية، وتُعتبر مقبرتهما من أهم المزارات الدينية اليهودية في إيران والعالم. ويُقال بأن أستر هي من أقنعت الملك خشايار شاه، بالسّماح لليهود بالعيش بحرية في إيران في ذلك الوقت، أي نحو 500 عام قبل الميلاد.

تنديد أميركي

في واشنطن، في يوم الجمعة 16 مايو، أدان المبعوث الأميركي لرصد ومكافحة معاداة السّامية إيلان كار، بشدةٍ، الهجومَ على الضريح اليهودي ووصف النظام الإيراني بأنه "أكبر دولة راعية لمعاداة السامية في العالم". وكتب في تغريدة "يجب على إيران وقف التحريض وحماية جاليتها اليهودية والأقليات الأخرى".

وأشار مدير رابطة مكافحة التشهير في الولايات المتحدة، جوناثان غرينبلات، إلى تعرُّض قبر "أستِر ومردخاي" في إيران للحرق، وقال: "في حين أن الهجمات على المواقع البهائية في إيران شائعة، إلا أن ممتلكات الجالية اليهودية كانت آمنة نسبياً، حيث تعترف إيران باليهودية كدين قانوني، في حين يُعتبر البهائيون زنادقة ويُضطهدون بقسوة".

بدوره عبّر "اتحاد اليهود الإيرانيين-الأميركيين" في نيويورك ولوس أنجلوس عن قلقه حيال التقارير الواردة، ودعا إلى محاكمة الجناة ومعاقبتهم.

على المسؤولين ألا يكتفوا بنفي الأنباء والأحداث التي يقوم بها بعض الأشخص ضدّ الأديان الأخرى، بل عليهم الكفّ عن مواقفهم المتشدّدة ودعوة الشعب إلى التسامح الديني وقبول الأديان والأفكار الأخرى

كما أصدر مركز سيمون ويزنثال لحقوق الإنسان بيانًا يصف الخطوة بأنها "تذكير بالنازيين"، وقال إن "حكومة الملالي" تدعم بانتظام "معاداة السامية" و"إنكار المحرقة"، مضيفاً أنه "ليس من المستغرب أن تحدث مثل هذه الحوادث".


الردّ الإيراني

أكّد المتحدث باسم الحكومة الايرانية علي ربيعي في مؤتمر صحفي يوم الاثنين 18 مايو، بأن إيران ليست معادية لليهود الذين يتعايشون بسلام إلى جانب سائر المواطنين في البلاد على مدى قرون طويلة.

وحول الأنباء الواردة بشان المقبرة المقدسة لليهود في همدان قال ربيعي: "البناء لم يتضرّر إثر الحدث الذي نعتبره مشبوهاً ويريدون من خلاله الإيحاء بان مواطنينا اليهود يعيشون في إيران حياة خطيرة وصعبة في حين أنهم يتعايشون بسلام إلى جانب سائر المواطنين على مدى قرون مديدة".

وأضاف: "في الوقت الذي يسعى فيه كيان الاحتلال الصهيوني إلى ضمّ أراضٍ واسعة (من الضفة الغربية)، يقوم بإثارة الضجيج حول أدنى حدث يقع في إيران والإيحاء بأن اليهود الإيرانيين يتعرضون للاعتداء والأذى، في حين أن المقبرة (التاريخية التابعة لليهود) في همدان لم يلحق بها أيّ ضرر، وهو في الواقع حدث مشبوه يجري ملاحقة مرتكبيه".

وأضاف أن إيران وعلى النقيض مما يصوره البعض ليس مجتمعاً مناهضاً لليهود، وأن بلاده تُعدّ ضمن الدول الأكثر أماناً للأقليات الدينية ومنها اليهود. وأن ما نتصدى له هو الممارسات المتغطرسة والتعسفية وقتل الأطفال والاحتلال من جانب تيار الصهيونية الحاكم في أرض فلسطين.

ونفى ممثل الطائفة اليهودية في البرلمان الإيراني سيامك مَره صِدق، في نفس اليوم، الاعتداء على معابد الطائفة، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام المعادية تحاول الإضرار بالمصالح الوطنية من خلال نشر مثل هذه الشائعات.

وقال رئيس جمعية الأقلية اليهودية في إيران هُمايون سامه يح إنه خلافاً لما نشرته بعض وسائل الإعلام فإنه لم يلحق حتى ضرر طفيف بضريح "أستِر ومَرْدخاي"، مؤكداً أن الأقليات الدينية، خاصة الأقلية اليهودية تتمتع بكامل الحقوق والدعم في إيران، وتكنّ مشاعر التقدير للحكومة على خدماتها لهذه الطائفة.

شكوك بشأن دور قوات البَسيج في الحدث

أثارت بعض من وسائل الإعلام الشكوك بشأن دور قوات البسيج التابعة للحرس الثوري والمنتمية إلى التيار المتشدد في هذا الحدث، حيث أشار موقع "راديو فَردا" الناطق بالفارسية، والذي يدار من العاصمة التيشكية براغ، في تقريره عن الحدث إلى احتمال تورط قوات البَسيج في الحدث، مشيراً إلى بيانٍ سابق للبسيج ضدّ هذا الضريح.

وأشارت وكالة "إرنا" الرسمية الإيرانية في تقرير لها يوم الثلاثاء 19 مايو، إلى بيان من قوات البَسيج في جامعات همَدان في فبراير الماضي والذي كان موجهاً إلى أمريكا وإسرائيل والدول العربية والذي حذر من "صفقة القرن"، وهدّد بتحويل ضريح "أستر ومردخاي" إلى قنصلية فلسطين في حال تنفيذ "صفقة القرن".

وقد تعرّض الضريح أيضاً لتهديدات بالتدمير في ديسمبر 2010، حين تجمّع عدد من طلاب جامعة "أبو علي سينا" في مدينة همدان داخل الضريح، وهدّدوا بتدميره في حال تعرض المسجد الأقصى لأيّ أضرار.

وأجرت وكالة "إرنا" حواراً مع طیب فریادْرَس، رئیس مكتب "بَسيج الطلاب" في محافظة همدان، حيث علّق في هذا الحوار على علاقة الحدث الأخير ببيان قوات البسيج في فبراير 2020، وقال إنه لا علاقة لهذا الحدث بذلك البيان، وإن الشكوك بشأن دور البسيج في إحراق ضريح "أستر ومردخاي" هي شكوك مفتعلة من جانب الإعلام "الصهيوني والعبري والعربي". كما أكد أن قوات البسيج ستصدر بياناً قريباً بشأن هذا الحدث، وستعلن فيه عن مواقفها.

وليس هذا الحدث هو أول وآخر حدث تشهده المزارات والأماكن الدينية في إيران، حيث وقع خلال الفترة الأخيرة حريق في مقبرة المسيحيين قرب طهران في يوم الثلاثاء 19 مايو الحالي. وحريق آخر وقع في معبد الهنود في بندرعباس جنوب إيران يوم السبت 16 مايو الحالي. كما سبق أن تعرضت مقبرة خالد النبي في شمال إيران في سبتمبر 2017 إلى الإحراق.

ووقعت هذه الأحداث على يد أشخاص لم تعلن السلطات الإيرانية عن هويتهم حتى الآن، وتصفهم بالأشخاص المجهولين. كما أنها لم تشِرْ إلى معاقبة هؤلاء المجهولين، رغم أن قانون العقوبات الإسلامي في إيران في مادة 74 يقول أن كلّ من قام بإلحاق الأضرار بكلٍّ أو جزءٍ من المباني والأماكن التاريخية، بالإضافة إلى دفع تعويضات، سيحكم عليه بالسجن لمدة تتراوح بين عام وعشر سنوات.

وتزامنت هذه القضية مع الحرب الكلامية بين المسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين، حيث انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رسماً نشره موقع المرشد الأعلى علي خامنئي في يوم الأربعاء 20 مايو الحالي أي قبل يومين من يوم القدس، وجاء فيه: "فلسطين ستتحرر: الحلّ النهائي-المقاومة حتى الاستفتاء".

يُعتبر قبر "أسْتر"، وهي زوجة الملك الفارسي خَشايار شاه الأوّل، الملك الرابع في سلالة الأخمينيين، والذي حكم بين 485 و465 قبل الميلاد، برفقة ابن عمّها "مردخاي"، الموقع الأكثر أهمية لليهود في إيران

وردّاً على الانتقادات، قال المرشد الأعلى الإيراني في تغريدة على موقع تويتر في نفس اليوم إن "محو الكيان الصهيوني لا يعني محو اليهود. ومحو الكيان الصهيوني يعني أن يختار المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين حكومتهم بأنفسهم، وأن يطردوا الأجانب والأوباش من أمثال نتنياهو".

ونشر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني في تغريدة له على تويتر ردّاً على اتهام بومبيو إيرانم بمعاداة اليهود: "إننا لا نعادي اليهود. نحن لا نعادي إلا المجرمين والمغتصبين وقتلة الأطفال".

يهود إيران

تشير تقديرات إلى أن عدد اليهود في إيران كان يبلغ ما يزيد عن 100 ألف شخص قبيل الإطاحة بشاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1979 وحدوث الثورة الإسلامية في إيران. لكن مع اندلاع الثورة الإسلامية انخفض عدد اليهود إلى حوالى 15 ألف شخص بسبب الهجرة إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية خلال السنوات الأخيرة.

قال الصحفي الإيراني صادق محمدي لرصيف22 عن أوضاع اليهود الإيرانيين: "رغم العداء الشديد والمستمرّ بين إسرائيل وإيران، ولكن لا تزال تعيش في إيران ثاني أكبر طائفة يهودية في الشرق الأوسط. وهم أقلية معترف بها في إيران تستطيع ممارسة طقوس دينها بحرية، حيث يوجد أكثر من عشرين كنيسة يهودية في طهران فقط، كما أن لليهود ممثلاً في البرلمان الإيراني".

وأضاف محمدي: "بين حين وآخر تدخل قضية اليهود حروباُ كلاميةً بين إيران واسرائيل، ويحاول يهود إيران دائماً الابتعاد عن اللعبة السياسية بين إيران واسرائيل، ليستمروا بالعيش في إيران بسلام وحرية، وغالباً ما يدعمون إيران، ويعارضون مواقف وسياسات إسرائيل المتشددة. ورغم ابتعادهم من السياسة لكنهم يعانون من تعرض المتشدّدين إلى أماكنهم الدينية والتاريخية. ومن أسباب هذه الأحداث هو عدم اهتمام الحكومة بالحفاظ على الأماكن الدينية التابعة لأديان غير الإسلام، واستغلال تحفظ الأقليات الدينية، وصمتها".

كما قال الخبير السياسي الإيراني رضا حقيقي لرصيف 22: "باعتقادي، هذا الحدث قام به أشخاص متشددون، متأثرين بأقوالِ وسياسات مسؤولي النظام الإيراني، ولا أعتبر ذلك حركة معادية لليهود في إيران. كما أنني لا أعتقد أن هناك حركة منظمة معادية لليهود في إيران. لكن هناك أحداث وأقوال من مسؤولي البلاد تخلق الدوافع لهكذا تحركات. على المسؤولين ألا يكتفوا بنفي الأنباء والأحداث التي يقوم بها بعض الأشخص ضدّ الأديان الأخرى، بل عليهم الكفّ عن مواقفهم المتشدّدة ودعوة الشعب إلى التسامح الديني وقبول الأديان والأفكار الأخرى؛ أمر لم نشهده في إيران للأسف، ولا اتوقع أن نشهده قريباً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard