"يشبه صوت ميكي ماوس"... لماذا يكره الناس سماع أصواتهم المسجلة؟

الجمعة 3 أبريل 202006:43 م

بالعودة إلى اليونان القديمة، كان الممثلون يضعون قناعاً يسمى persona، وكانت له وظيفتان: مساعدتهم على تجسيد شخصية مختلفة، وتمكينهم من إيصال أصواتهم إلى الجمهور، ومنذ ذلك الحين، أصبحت كلمة person بالإنجليزية (أي الشخص)، المشتقة من كلمة persona، هي أبسط تعريف لما نحن عليه.

والواقع، إن أصواتنا جزء من هويتنا وتشكل وسيلة أساسية للتعبير، سواء كان ذلك للآخرين أو لأنفسنا، وفق ما أكدته ريبيكا كلاينبرغر، الباحثة الصوتية في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، لموقع insider، معتبرة أن "الصوت هو مرآة لأنفسنا: من نحن؟ وكيف نقبل أنفسنا؟"

وعلى الرغم من هذه العلاقة القوية بين الجسد والصوت، إلا أن الكثير من الأشخاص، عند استماعهم مثلاً لتسجيل صوتهم، يعبسون ويتساءلون: "هل حقاً هذا هو صوتنا الحقيقي؟".

سواء كنا قد سمعنا أنفسنا ونحن نتحدث في الراديو، أو أعدنا سماع صوتنا في الرسائل الصوتية على واتساب مثلاً، فعلى الأرجح أن ننزعج من صوتنا، فلماذا نعتقد في الكثير من الأحيان أن تسجيلات أصواتنا تبدو غريبة جداً، في حين أنه بالكاد يتم التفكير في أصوات الآخرين؟

مواجهة الصوت الشخصي

هل سماع صوتكم الخاص يجعلكم ترغبون في صمّ آذانكم؟ إذا كان الأمر كذلك، فاعلموا أنكم لستم الوحيدين الذين يعانون من هذه المشكلة.

في الحقيقة، إن الصوت يكشف الكثير عن الشخص، عواطفه وحالته النفسية، واللافت أن عدم الإعجاب بالصوت الشخصي هو أمر شائع لدرجة أنه تمت صياغة مصطلح له: voice confrontation أي المواجهة مع الصوت.

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أنه في العادة نسمع صوتنا حين نتكلم، فنتلقى بشكل خارجي الصوت المنقول إلى آذاننا عن طريق الهواء، كما يتم توصيل الصوت إلى الأذن الداخلية مباشرة، عبر عظام الجمجمة، هذا التوصيل العظمي يرسل ترددات منخفضة لا يتم تضمينها في الصوت المتناقل عبر اهتزاز الهواء، لذلك عندما نسمع صوتنا المسجل دون هذه الترددات، يخال لنا أنه مختلف، وبالتالي، نظراً لأن صوتنا المسجل لا يبدو كما هو متوقع، فإننا لا نحبه.

الصوت يكشف الكثير عن الشخص، عواطفه وحالته النفسية، واللافت أن عدم الإعجاب بالصوت الشخصي هو أمر شائع لدرجة أنه تمت صياغة مصطلح له: المواجهة مع الصوت

تعليقاً على هذه النقطة، قال الدكتور سيلك بولمان، الأخصائي في علم النفس في جامعة إسيكس: "يلعب صوتنا دوراً هائلاً في تشكيل هويتنا، وأعتقد أنه لا أحد يحب أن يدرك أنك لست حقاً من تعتقد أنك عليه".

وفي السياق نفسه، كشفت إحدى الدراسات أن 38% فقط من الأشخاص تمكنوا من تحديد صوتهم على الفور عند سماع التسجيلات الصوتية.

والحقيقة أن الإدراك بأن صوتنا يشبه صوت ميكي ماوس مثلاً، قد يؤدي إلى إصابتنا بخيبة أمل كبيرة، ومع ذلك، فقد أظهرت بعض الدراسات أن هذا قد يكون مجرد تفسير جزئي، إذ إن مسألة التقييم الذاتي لا تنجح دائماً، فعلى سبيل المثال، طلبت دراسة أجريت في العام 2013، تقييم جاذبية بعض الأصوات المسجلة، وعندما تم خلط أصوات المشتركين سراً مع بعض الأصوات الأخرى، أعطى هؤلاء تقييمات أعلى بكثير لصوتهم عندما لم يعلموا أنه صوتهم الخاص.

وبدوره قال مارك بيل، عالم الأعصاب في جامعة مكغيل: "عندما نسمع صوتنا المعزول الذي لا يتجسد في بقية سلوكنا، فإننا قد نمر بعملية تلقائية لتقييم صوتنا بالطريقة التي نقوم بها بشكل روتيني مع أصوات الآخرين"، وأضاف قائلاً: "أعتقد أننا بعد ذلك نقارن انطباعاتنا الخاصة عن الصوت بالطريقة التي يجب على الآخرين تقييمنا بها اجتماعياً، ما يدفع الكثير من الناس إلى الانزعاج، أو يكونون غير راضين عن الطريقة التي تبدو بها أصواتهم، لأن الانطباعات المتشكلة لا تتناسب مع السمات الاجتماعية التي يرغبون في إبرازها".

هذه النقطة تحدث عنها أيضاً مارتن بيرشال، أستاذ دراسة الحنجرة والصوت في جامعة لندن كوليدج، إذ قال لصحيفة التايم: "عندما نسمع صوتنا الخاص في التسجيل، قد يبدو الأمر مفاجئاً ومخيباً للآمال"، وأضاف: "لقد اعتدنا على الصوت الذي نسمعه في رؤوسنا، على الرغم من أنه صوت مشوه. نحن نبني صورتنا الذاتية وصوتنا حول ما نسمعه، بدلاً من الواقع ".

وأشار بيرشال إلى أن هذه المشكلة تواجه بشكل خاص أولئك الذين يعانون من مشاكل تتعلق بالهوية الجندرية، شارحاً ذلك بالقول: "إن سماع أن صوتهم يبدو وكأنه من الجنس الآخر يمكن أن يكون مشكلة كبيرة حقاً". وأضاف: "نود أن نعتقد أن الطريقة التي نتحدث بها تتناسب مع هويتنا الجندرية، وعندما نشعر أننا في الجسد الخطأ، أو أن صوتنا لا يمثل ما نحن عليه، عندها يمكن أن تكون مشكلة كبيرة".

ليس صوتكم الحقيقي

بخلاف ما نعتقد جميعاً، فإن الصوت الذي نسمعه عندما نتكلم ليس ذات الصوت الذي يتلقاه غيرنا، هذا ما قاله الدكتور يال كوهين، مدير مركز علوم السمع في كلية الطب في جامعة بنسلفانيا.

وأشار كوهين لموقع Live science إلى إن الصوت الذي تسمعونه على شريط مسجل هو في الواقع صوتكم الحقيقي.

ولكن ماذا يحصل حقيقة داخل الأذن؟

في الواقع، هناك ثلاث عظام صغيرة تدعى العُظيمات، تقع داخل الأذن الوسطى، وهي المسؤولة عن التناقض في صوتكم عندما تسمعونه أنتم، وكيف يسمعه الآخرون، وتعتبر هذه العُظيمات مفتاحاً لطريقة سماع الناس الضوضاء: تهتز طبلة الأذن مقابل هذه العظيمات، والتي تقوم بنقل هذه الاهتزازات إلى قوقعة الأذن، والتي هي على شكل حلزوني داخل الأذن الداخلية.

تقوم طبلة الأذن بتحويل تلك الطاقة الاهتزازية (الضوضاء) من العالم الخارجي إلى طاقة كهربائية، وهي الطريقة التي تتواصل بها خلايا دماغكم مع بعضها البعض.

وأوضح يال كوهين أن تعديل المعلومات التي هي خارج جسدكم إلى شيء يستطيع دماغكم فهمه يُعرف بـ"التحويل"، وهو المسؤول عن توليد ما يسميه الناس بـ"الصوت".

تدعى معالجة المعلومات الصوتية بواسطة اهتزاز العُظيمات بالتوصيل العظمي، بينما تدعى معالجة المعلومات الصوتية بواسطة اهتزاز الهواء بالتوصيل الهوائي. حينما تتكلمون، سيقوم دماغكم بجمع كل من التوصيل الهوائي والعظمي لجعل الصوت مفهوماً.

وبالرغم من أن عُظيماتكم تهتز قليلاً عندما تتلقون حافزاً صوتياً، إلا أن صوتكم سيبدو أصخب دوماً (بسبب مدى قرب فمكم من أذنيكم) لذلك ستهتز العُظيمات بشكل أقوى عندما تتحدثون، ما يؤدي إلى تشويه الصوت، وهذا ما يتسبب خطأ بسماع صوتكم بطبقة منخفضة، ولهذا السبب، قد تجدون بأن صوتكم أعلى عند سماعه بواسطة التسجيل الصوتي، على عكس ما تسمعونه عندما تتكلمون.

لكن لماذا سماع نفسكم تتحدثون بطبقة أعلى يحدث لديكم ردة فعل قوية، وأحياناً سلبية؟ الجواب ببساطة: "في نهاية المطاف، أغلب الأشخاص يعتقدون بأنهم يعرفون ما يفترض أن تبدو عليه أصواتهم"، على حدّ قول كوهين.

التحكم بالصوت

تشير الأبحاث إلى أن الناس يقومون بإجراء تعديلات فورية للحفاظ على "كمال" أصواتهم.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال يال كوهين: "الأشخاص الذين يستمعون لأنفسهم عندما يتكلمون بميكروفون، حيث تتغير طبقة صوتهم، سيقومون من دون وعي بتغيير الطريقة التي يتحدثون بها، لمواجهة التعديلات التي حصلت".

وأضاف كوهين: "تخيّلوا بأنه لم يكن لديكم مرآة لمدة ستة أشهر، وكان لديكم تصور لما تبدون عليه. في الوقت نفسه تقومون بتناول المزيد من الطعام ويزداد وزنكم، وفي حال نظرتم فجأة في المرآة.. ستنصدمون حقاً".

وفي حين يمتلك الناس فهماً جيداً لما ينبغي أن يبدو عليه صوتهم، إلا أن طبقة صوتهم من الممكن أن تكون ديناميكية، فبناء على المعلومات من حولهم، يميل الناس الى إجراء تغييرات طفيفة على طريقة كلامهم طوال الوقت، واعتبر كوهين أن المتغيرات الاجتماعية يمكن أن تتسبب بجعل شخص يقوم بتعديلات على طبقة صوته.

ولكن الشيء الوحيد في الصوت الذي من غير المرجح أن يتغير هو إيقاع كلامكم، "لأنه من المرجح أن يكون نتاج البيئة التي تحيط بكم والتربية الخاصة بكم، ومن الصعب عادة أن تتلاعبوا به"، بحسب كوهين.

"نود أن نعتقد أن الطريقة التي نتحدث بها تتناسب مع هويتنا الجندرية، وعندما نشعر أننا في الجسد الخطأ، أو أن صوتنا لا يمثل ما نحن عليه، عندها يمكن أن تكون مشكلة كبيرة"

على الرغم من أنه من الصعب على معظم الناس سماع كيف يبدو صوتهم في تسجيل صوتي، لكن إذا كنتم من الأشخاص الذين يحبون الاستماع لتسجيلهم الصوتي كثيراً (كالمغني أو المذيع)، قد تصبحون في نهاية المطاف معتادين على الاختلافات في طبقات صوتكم.

فبالرغم من أن التسجيل الصوتي يبدو مختلفاً عن صوتكم، إلا أن ردة فعلكم لن تكون بنفس القوة، وفقاً لما قاله كوهين، مشيراً إلى أنه بشكل عام، يقوم الدماغ بعمل رائع في تصفية ومعالجة وتفسير الصوت.

في الختام فكروا مثلاً في الفرقة الموسيقية التي تقوم بتقديم عروض موسيقية حيّة: على الأرجح سيكون هناك عازف غيتار، عازف درامز ومغن، كل واحد منهم ينتج صوتاً فريداً خاصاً به، والأصوات كلها تختلط معاً في الوقت التي تصل فيه إلى أذنيكم. معظم الأشخاص ليست لديهم أي مشكلة في تحديد أي صوت خاص بهذا الموسيقي أو ذاك، ولكن الأصوات تكون منفصلة تماماً في أدمغتنا وهذا هو سحر الدماغ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard