إسلاميون "يقاومون" النشيد الوطني المغربي بالتكبير والقرآن… ويعرّضون الناس لخطر كورونا

الثلاثاء 24 مارس 202005:31 م

بعد إقرار حالة الطوارئ الصحية في المغرب، ودخول الحظر الصحي حيز التنفيذ، دعا مجموعة من الفنانين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الوقوف في الشرفات والنوافذ واعتلاء أسطح المنازل، من أجل غناء النشيد الوطني المغربي، والتصفيق لمجهود الأمنيين والأطر الصحية وكل العاملين/ات في هذه الظروف، من أجل الحفاظ على معنويات مرتفعة.

تلقت هذه المبادرة انتقادات لاذعة من طرف المنتمين للتيار الإسلامي، الذين اعتبروا أن الوطن يحتاج إلى قراءة القرآن والدعاء كي يرفع الله عنه البلاء، أكثر مما يحتاج للنشيد الوطني.

جميع المؤشرات تدل على أن ما حدث لم يكن عفوياً، وأن هناك جهة ما نظمت وعبأت واستغلت بساطة المواطنين.

الأخذ والرد في هذا الموضوع، تطوّر بعد أن نشرت مجموعة من المواطنين يوم السبت، 21 آذار/ مارس، فيديوهات وُصفت بالمشاهد العظيمة، توثّق أحياء بكاملها تنشد النشيد الوطني بصوت واحد، وأخرى تقرأ "اللطيف" تضرعاً إلى الله، بالمقابل، تُوثّق أخرى تجمهرات شعبية في الشوارع، مسيرات ليلية غريبة متزامنة في العديد من المدن، في خرق واضح لحالة الطوارئ الصحية، وتمرد على الحجر الصحي وتوجيهات الحكومة والمسؤولين.

التجمعات جاءت بعد دعوة مجموعة من الإسلاميين إلى التكبير في النوافذ وقراءة القرآن، رداً على من غنوا النشيد الوطني، الشيء الذي خلق رعباً وفزعاً في نفوس المواطنين الذين تابعوا ما يحدث عبر فيسبوك.

هذه المسيرات وثّقها متزعموها عبر فيسبوك عبر تقنية "اللايف" (البثّ المباشر) بكل فخر، واستعرضوا فيها أنفسهم وهم يصلون في طقوس غريبة تحت المطر، ويدعون على كورونا كأنه عدو مرئي، ستخرجه مظاهرة أو مسيرة، أو حتى دعوة تحمل اسم الله من المغرب.

الأجهزة الأمنية سيطرت لاحقاً على هذا الانفلات الأمني، الذي أدى إلى حملة اعتقالات لمحرّضين، تبين فيما بعد أن أغلبهم سبق إدانته بجرائم تتعلق بالتطرف والإرهاب.

 ما حصل في الأيام الأخيرة بالمغرب، يخفي باطنه حقداً دفيناً من طرف بعض الإسلاميين على الدولة، ومحاولة تصفية حسابات ضيقة معهم ومع الشعب، في ظرف حساس، من طرف من يتوهمون أن هناك مؤامرة تحاك ضد الدين، ويؤمنون أن  كورونا "صُنع صهيوني يستهدف الإسلام"

وفي الوقت الذي نعلم فيه أن الكثير فعلاً من الذين خرجوا في المسيرات هم شباب ومراهقون أخذهم الحماس حين رأوا التجمهرات، "فتهوروا" بالانضمام إليها، فإن التساؤل يظل مطروحاً حول مدى براءة ما حدث، خصوصاً وأن المسيرات انطلقت في الوقت نفسه في العديد من المدن، كما أن صورة تجمع بين المحرضين، رغم اختلاف أماكن عيشهم، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

"الانفلات الأمني" الذي عاشه المغرب في الساعات الأولى من يوم الأحد 22 آذار/ مارس، وإن كان ظاهره مغلفاً بجهل مركب غير منظم، وتهور سنحصد عواقبه لاحقاً، إلا أن باطنه يخفي حقداً دفيناً من طرف بعض الجماعات الإسلامية على الدولة، ومحاولة تصفية حسابات ضيقة معها ومع الشعب، في ظرف حساس، من طرف من يتوهمون أن هناك مؤامرة تحاك ضد الدين، ويؤمنون أن فيروس كورونا "صُنع صهيوني يستهدف الإسلام"، هؤلاء سبق أن أقاموا الصلاة جماعة أمام المساجد بعد قرار إغلاقها، لكن الأجهزة الأمنية تساهلت معهم حينها، تقديراً منها للتوتر الذي قد يؤدي بصاحبه لأخطاء عفوية أحياناً، لكن يبدو أن هذا التساهل في حينه فُهِم أنه ضعف، أو انشغال بمحاربة الوباء، ما جعل البعض يتخيل أن الفرصة مواتية للانتقام من دولة تحارب الإسلام وتغلق بيوت الله، حسب رؤيتهم وفهمهم الضيق للأمور.

إن دور الشيوخ كان يجب أن يكون بتوعية الناس وطمأنتهم، خصوصاً وأن الله الذي يتذرعون بكونهم خرجوا كي يبتهلوا ويتضرعوا إليه، موجود في كل مكان، ويسمع دعوة الداعي أينما كان، وحبذا لو كان هذا الداعي خاشعاً في منزله، بدل تشجيع الناس على التمرد والخروج في مسيرات يمكن وصفها بمحاولة قتل جماعية

جميع المؤشرات تدل على أن ما حدث لم يكن عفوياً، وأن هناك جهة ما نظمت وعبأت واستغلت بساطة المواطنين، ودفعت بهم عن قصد نحو الفوضى، وهذه الجهة لا بد وأنها تملك مشاكل مسبقة مع الدولة وأجهزتها، وإلا فما الذي يدفع شخصاً للخروج في مسيرات بهذا الشكل؟ معرضاً حياته وحياة من حوله للخطر، فقط كي يرد على مجموعة من المواطنين لم يرتكبوا ذنباً، إلا أنهم غنوا نشيداً وطنياً من المفترض أنه يوحده معهم بغض النظر عن توجهه؟ وما معنى أن يستفزه النشيد الوطني ويرد عليه بالتكبير والقرآن، كأنه رجس من عمل الشيطان؟

هذه الشكوك يؤكدها خروج سابق لأحد المتطرفين المعروفين الذي تم اعتقاله، يعلن فيها الدولة دار حرب لأنها قررت إقفال المساجد.

للأسف في الظروف الراهنة، كان يجب أن نكون جميعنا متوحدين في صف واحد، ونقف وراء هذه الدولة التي لم تترك مجهوداً إلا وبذلته في سبيل التصدي للوباء، وضحت باقتصادها في سبيل شعبها رغم قلة مواردها، وسبقت في إجراءاتها دولاً متقدمة عديدة، ودور الشيوخ والدعاة الحقيقي كان يجب أن يكون بتوعية الناس وطمأنتهم، بدل تحريضهم على الإخلال بحالة الطوارئ وزرع الرعب والفتنة وسط المواطنين، خصوصاً وأن الله الذي يتذرعون بكونهم خرجوا كي يبتهلوا ويتضرعوا إليه، موجود في كل مكان، ويسمع دعوة الداعي أينما كان، وحبذا لو كان هذا الداعي خاشعاً في منزله، بدل تشجيع الناس على التمرد والخروج في مسيرات يمكن وصفها بمحاولة قتل جماعية، نظراً للظروف الخطيرة التي يعيشها العالم اليوم، لكن لسوء حظنا في هذا الوطن، بدل أن نركز مجهوداتنا على محاربة الداء وحده، صرنا نحارب على جبهتين: الوباء والجهل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard