كل يوم أتعلّم الكثير من طفلتي

السبت 7 مارس 202005:32 م

أجدني أقف عاجزة وأنا أرى طفلتي التي في الخامسة من عمرها، تخبرني بعد المدرسة: "هل تعرفين يا ماما أن صديقتي فكتوريا سريعة جداً في تركيب لعبة الـPuzzle، لابد وأنها صبي وليست فتاة، فالصبية سريعون!".

ليس هذا التعليق الأول من نوعه الذي تبين فيه طفلتي شعورها بالتنميط الذي يُظهر تفوق الصبية على الفتيات، فهم أقوى، أسرع ومضحكون أكثر!

كما تعاني من تعرضها للتنمر والضرب من الصبية الذين لا يترددون في الصفع، اللكز أو الدفع وشد الشعر، فأجدها تعبّر عن إحباطها من تصرفاتهم العدوانية.

من المهم التوضيح أننا نعيش في حيّ باريسي ينتمي غالبية سكانه للطبقة الوسطى المنفتحة على الآخر، وذات الفكر التقدمي تجاه المرأة، مع ذلك، وضمن بيئة مدرسية إيجابية، تجد طفلة ذات خمس سنوات نفسها أمام منظومة تجعلها تشعر بالدونية أمام الصبية، وكما تفرض عليها تنميطاً جندرياً يجعلها تقتنع أن صبياً يبلغ من العمر خمس سنوات، وأحياناً أصغر منها، يمتلك قوى وميزات تفوق قدراتها!

ضمن هذا السياق تأتي العبارة التي تبين أهمية حاجتنا لمزيد من العمل النسوي، وفي مواجهة العنف المطبع Normalized violence، أجدنا نحتاج لمزيد من الجهد لحماية صغارنا من منظومة تقبل العنف كطبيعة أصيلة في الذكور، وترفضه بشدة عندما يصدر عن الفتيات.

ففي المرة التي حاولت طفلتي فيها رد العنف الموجه لها من أحد الصبية، استدعتني الموجهة بحالة هستيرية، وهي تبين أن طفلتي قامت بضرب أحدهم. كنت قد تفاجأت مما فعلته صغيرتي، فسألت المعلمة عن اسم الطالب الذي ضربته، فأطلعتني عليه، حينها لم أستطع سوى أن ابتسم، فهذا الصبي بالذات قام بالاعتداء عليها عدة مرات، ولم يجد سلوكه رادعاً من قبل الفريق المشرف، فما كان منها، وبسلوك غريزي، إلا أن حاولت استرداد حقها بيدها، لكن سلوكها قوبل برفض قاطع من المشرفين، في حين لم يتم توجيه الصبي بالمقابل لإيقاف تصرفاته العنيفة.

يكون العنف مطبعاً، عندما تتعلم بناتنا أنه يمكن لأحدهم الاعتداء عليهن إن برر عنفه بلومهن على ما يرتدين، يكون العنف مطبعاً عندما نبحث عن أسباب ودوافع المغتصب ولوم الضحية، يكون العنف مطبعاً عندما تقتنع بناتنا أنهن يستحقين أجراً أقل لجهد مماثل لما يقدمه زميلهن، عندما تشعر بناتنا أنهن مواطنات من الدرجة الثانية

يبين غريسون بيري، في كتابه الباحث في معنى الذكورةThe Descent of Man، أنه يجب العمل لتغيير سلوكيات الذكورة التي تجعل الذكور مبرمجين للعمل ضمن منظومة العنف والأداء والقوة، هذه المنظومة تجعل الصبية الصغار في حالة يصعب فيها تعاملهم مع عواطفهم، وتدفعهم لتبني سلوكيات تنافسية عنيفة. ترى بيري أننا نمتلك طبيعة وعقلاً متشابهاً، لكن البرمجيات هي التي تغير سلوكنا وليس الجينات أو فطرة أصيلة.

ينتقد بيري المنظومة التي تجعلنا نطبّع للعنف، ونتعاطى معه كطبيعة محركة للذكور، فيرى الانحراف الذي يُنتج حالات مرضية، مثل الحالات المرتبطة بظهور داعش، كنتيجة لممارسات مجتمعية تبرر العنف وتسمح له بالانتشار.

هذا التطبيع هو من الأساسيات التي يجب التحرك لوقفها، لما يسببه من ضرر لصغارنا يصعب إصلاحه، فبناتنا يبتعدن عن الدراسات العلمية بفروعها لأن المدرسة لا تشجعهن على ذلك، كما ينزعن ليصبحن خاضعات ومتقبلات للتعنيف، وينتهي كثير من أبنائنا في مواجهة مشاكل عنيفة تقودهم لسلوك إجرامي في عمر مبكر.

يؤكد بيري أن أبناءنا يتعلمون العنف، ليس عن طريق عصابات الشارع أو المدرسة، بل أعمق من ذلك، يكتسب الذكور الجنوح للعنف من خلال رؤية آبائهم مثقلين بالعنف، إذ في كل مرة ينجح الطفل بالحصول على شيء عن طريق العنف يتخذه كوسيلة للنجاح. كما يضيف بأن الذكور ليسوا معتدين بطبعهم بل هم ضحايا للعنف، فيشكلون نسبة 8% من ضحايا العنف الذي يقوم به معتدون غرباء عن المعتدى عليه.

يكون العنف مطبعاً، عندما تتعلم بناتنا أنه يمكن لأحدهم الاعتداء عليهن إن برر عنفه بلومهن على ما يرتدين، يكون العنف مطبعاً عندما نبحث عن أسباب ودوافع المغتصب ولوم الضحية، يكون العنف مطبعاً عندما تقتنع بناتنا أنهن يستحقين أجراً أقل لجهد مماثل لما يقدمه زميلهن، عندما تشعر بناتنا أنهن مواطنات من الدرجة الثانية، أو كما تصفها سيمون دي بوفوار ببساطة "الجنس الآخر"، عندها يجب متابعة عملنا الجندري والنسوي لرفض تطبيع العنف.

يؤكد بيري أن الذكور يقبلون الفكرة التي تدفعهم للاعتقاد بأنهم بسيطون عاطفياً، فيفضل الذكور تجنب التعامل مع مشاكلهم الداخلية العاطفية ومعالجتها. وبحسب بيري، يقع الذكور ضحية لنزعات جنسانية منحرفة، سببها صناعة البورنو التي تضعهم في حالة صدمة عند مواجهة الواقعي والاعتيادي في الجنس، فيظن الرجال عند مقابلة امرأة بمواصفات اعتيادية بأنهم غير محظوظين، فهي ليست معدلة لتناسب صور نجمات البورنو، ولا يتطابق الجنس اليومي مع فنتازيا البورنو غير ممكنة التحقيق.

تتسبب هذه الخيبات بمزيد من العزلة والوحدة وعدم القدرة على الانفتاح والتعبير عن الذات، هذا ما يدفعنا لضرورة مساعدة أبنائنا على التعبير عن ذواتهم ومشاعرهم، والسماح لهم بالتجريب أكثر في المجالات الفنية والأدبية، كما وتظهر ضرورة متابعة نشاطهم على الإنترنت، لتجنب متابعتهم البورنو الذي يدفعهم للإدمان، ولخلق تصورات غير واقعية عن المرأة.

أتعلم من طفلتي كل يوم، كيف تبذل الفتيات جهداً مضاعفاً ليأخذن مساحتهن في المجتمع، وأدرك أن ألمي الداخلي هو نتيجة ممارسات اجتماعية سعت لتهميشي وجعلي أشعر بالعار وبتأنيب الضمير بسبب جنسي

كل يوم أتعلم الكثيرمن طفلتي، وأتأمل كيفية قيامها بممارسة دورها الجندري، بمراقبتي لها أرى كيف نتعلم أدوارنا، وكيف يظهر الأثر الاجتماعي لهذه الأدوار علينا.

أتعلم منها في كل يوم، كيف تبذل الفتيات جهداً مضاعفاً ليأخذن مساحتهن في المجتمع، وأدرك أن ألمي الداخلي هو نتيجة ممارسات اجتماعية سعت لتهميشي وجعلي أشعر بالعار وبتأنيب الضمير بسبب جنسي. في مراقبتي لأطفالنا أرى طاقاتهم وقدرتهم الخلاقة على العطاء، وأرى كيف يقوم المجتمع بتأطير هذه الطاقات ضمن كوادر تسلبها فرادتها وجمالها. يتغير دورنا الاجتماعي بتغير طبقتنا وجنسيتنا وثقافتنا والزمن الذي نعيش فيه، فهو ليس طبيعة أصيلة فينا، فما الذي يمنعنا من أن نعطي لأبنائنا المساحة التي تسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم؟ في يوم المرأة، أدرك مدى بهجتي لكوني أماً لطفلة أرى فيها إرادة حرة وطاقة لا تنضب، وأدرك مدى بهجة كل أم تمتلك فرصة منح طفلها مساحة، ليختبر متعة فهم عواطفه، والتعبير عن ذاته دون خوف من التعرض للتنمر أو التنميط.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard