"يظن المحقق أن العلمانية دين جديد"... معتقلون موريتانيون يروون قصة تكفيرهم

الثلاثاء 3 مارس 202001:15 م

مساء الخميس 13 شباط/ فبراير الماضي، توجّه الشاعر والروائي الموريتاني الشيخ ولد نوح (37 عاماً) إلى إحدى مفوضيات الشرطة في العاصمة نواكشوط ليزور زميلاً له كان قد تم توقيفه، فوجد نفسه هو الآخر رهن التوقيف.

بعد ذلك، توالت التوقيفات في صفوف زملاء له في تيار "التحالف من أجل إعادة تأسيس موريتانيا"، وهو تيار حديث قيد الإنشاء.

يقول ولد نوح لرصيف22 إن سبب توقيفه الحقيقي ليس قطعاً ذاك المُعلَن، والذي تراوح بين "المشاركة في اجتماع غير مرخّص" إلى "الانضمام لمجموعات على واتساب" وغيرها من التهم التي تقترب من "الكوميديا السوداء" كما يصفها، فـ"التوقيف، في الحقيقة، هو محاولة لوأد مشروعنا السياسي والاجتماعي المعروف بـ′التحالف من أجل إعادة تأسيس موريتانيا′ والذي أكون أنا نائب الرئيس فيه"، معلّلاً رأيه بأن "التوقيف جاء بعد أربعة أيام بالضبط من اجتماع عقدناه للتباحث حول مسارات هذا التحالف".

الشيخ ولد نوح

أما في ما يخص التهم الموجهة إلى ولد نوح، فيقول إن المحقق طرح أسئلة عامة بخصوص "التحالف من أجل إعادة تأسيس موريتانيا" وأسئلة أخرى بعضها شخصي جداً، و"لم تخلُ من استفزاز وعدوانية ونَفَس عنصري، بعيداً عن منطق رجال القانون".

وكانت منظمات حقوقية دولية ومحلية، كـ"منظمة العفو الدولية" ومنظمة "فرونت لاين"، قد ندّدت بهذه التوقيفات.

سوء المعاملة في المفوضيات

وصل عدد المعتقلين في هذه القضية إلى اثني عشر موقوفاً، من ضمنهم الناشطة الحقوقية الموريتانية المعروفة آمنة منت المختار، وبدأت التهم الموجهة ضدهم بـ"حضور اجتماع سياسي غير مرخص"، ثم تطورت إلى أن أصبحت بالنسبة للبعض "الانضمام لمجموعة واتساب تدعو للعلمانية"، حسب المحامية عائشة السالمة المصطفى التي تحدثت لرصيف22.

الناشط السياسي الشيخاني ولد الشيخ (33 عاماً) هو واحد ممن تعرضوا للتوقيف، وقد تحدث بدوره لرصيف22 عن بعض من تفاصيل اعتقاله، قائلاً:"ذهبت للمفوضية للإطلاع على القضية، فقال لي أحد عناصر الشرطة إن كان هذا الأمر يعجبك فتعال نُدخلك مع الموقوفين، ثم قام بتوقيفي بالفعل".

يقول ولد الشيخ: "قضينا ليلة سيئة، قبل أن يتم إرسالنا إلى الشرطة القضائية وهناك حاول المحقق أن يُقوّلني أشياء لم أقلها، وطرح عليّ سؤالاً حول العلمانية، ثم سألني عن التبشيريين فقلت له إن هذا الأمر مضحكٌ بالنسبة لي".

آمنة منت المختار

ويُعلق ولد الشيخ على أداء المحققين بالقول: "أنا أعتبر أفراد الشرطة ضحايا وسجناء مثلنا، إذ كانوا يسألوننا عن قضايا فكرية ليسوا على دراية بها. يظنون مثلاً أن العلمانية دين جديد".

وصل عدد المعتقلين في قضية تأسيس تيار  جديد في موريتانيا إلى اثني عشر موقوفاً، من ضمنهم الناشطة الحقوقية المعروفة آمنة منت المختار، وبدأت التهم الموجهة ضدهم بـ"حضور اجتماع سياسي غير مرخص"، ثم تطورت إلى "الانضمام لمجموعة واتساب تدعو للعلمانية"

ويتابع: "بعد نهارين من التوقيف، أتى المحقق وطلب مني أن أفتح هاتفي أمامه فرفضت، وطلبت منه أن يأتيني بأمر قانوني من وكيل الجمهورية، وفي النهار الرابع للتوقيف دعاني وحقق معي، وقال لي إنه يريد أن يطلب مني ′بصفة ودية′ فتح هاتفي، فرفضت مرة أخرى لعدم قانونية الطلب دون وجود إذن رسمي".

ويشكو ولد الشيخ أن الظروف كانت سيئة جداً، فـ"عند وكيل الجمهورية، جرى سؤالي عن دخولي لمجموعة على واتساب، اسمها ′التنوير والعلمانية′، فأجبت بأنني دخلتها لثلاثة أيام ثم خرجت منها، وعندما سألني ما إذا كنت أعرف ما يدور فيها من نقاشات أجبت بالنفي، لكن وكيل الجمهورية اشترط إطلاق سراحنا بضمانات، فرفضنا ذلك وقلنا إما السجن أو البراءة التامة. حصل ذلك بينما كنت ممنوعاً من لقاء أهلي أو محاميّ".

الشيخاني ولد الشيخ

ويختم كلامه بالحديث عن معاملة ضابط الشرطة القضائية السيئة، وعن "سعيه لربط قضيتنا وهي قضية حضور اجتماع سياسي بقضية إساءة وتبشير، في وقت كان ممنوعاً علينا الذهاب للحمام ومكان الاحتجاز كان قذراً جداً".

بدوره، تحدث ولد نوح عن سوء المعاملة في مفوضية الشرطة، قائلاً: "صودر هاتفي ولم يُسمح لي الاتصال بمحامٍ ولا بأهلي، ثم نُقلت إلى مفوضية أخرى وحُشرت مع أربعة شباب آخرين في زنزانة لا تزيد عن ثلاثة أمتار مربعة"، مضيفاً "كان المكان يعج بروائح البول والمراحيض وكان يُطلب منا أن نقضي حاجتنا البيولوجية حيث نجلس، كما لم يُسمح لي باستخدام ناموسيتي فتُركت تحت رحمة البعوض، وتدهورت صحتي، خاصة أن لدي ظروفاً صحية خاصة، وقد طلبت زيارة الطبيب فلم يُسمح لي إلا بعد ثلاثة أيام حين كاد أن يُغمى علي".

"تدهورت صحتي، خاصة أن لدي ظروفاً صحية خاصة، وقد طلبت زيارة الطبيب فلم يُسمح لي إلا بعد ثلاثة أيام حين كاد أن يُغمى علي"... ناشطون يتحدثون عن توقيفهم وتكفيرهم في موريتانيا 

من جهتها، تؤكد المصطفى التي تولت الدفاع عن خمسة من بين الموقوفين في القضية على حدوث خروقات قانونية في الملف، قائلة: "حدثت خروقات قانونية، منها مثلاً عدم حضور محامي المتهمين أمام وكيل الجمهورية، وبالنسبة للأذى البدني لم أسمع من المتهمين أنهم تعرضوا له، أما الأذى النفسي فقد تعرضوا له بنسب متفاوتة".

ويشير الصحافي الربيع ولد أدوم إلى كون الانتهاكات التي تحدث في المفوضية شائعة، حيث قال في حديثه لرصيف22: "أعتقد، كمُتابع للملف، أن ما يحدث في مفوضيات الشرطة أمر معقد بدون شك، وانطلاقاً من تجارب شخصية وتجارب عدد من الناشطين، فإن التعرض للأذى والتعذيب الجسدي والنفسي لا يحدث فقط بل يبدو بديهياً ومعتاداً".

بحسب شهادات من تم اعتقالهم في القضايا الأخيرة، فإنهم تعرضوا للأذى النفسي والتحقير والاعتداء على الخصوصية، وكانوا يحصلون فقط على الطعام من أهاليهم في حين لا يوجد نظام تغذية ثابت ومنتظم في مفوضيات الشرطة، كما أن أغلب المعتقلين وهم كُتّاب كان يتم اعتقالهم مع أصحاب سوابق وأشخاص غير مستقرين نفسياً".

تفتيش في الضمائر وتكفير على الشبكة

أثارت القضية الكثير من الجدل وتعرض الموقوفون فيها لحملات تكفير على شبكات التواصل الاجتماعي بعدما تمّ الترويج بأن توقيفهم حصل بسبب "الإساءة للذات الإلهية والتخطيط للمس بالمقدسات الإسلامية".

بموازاة ذلك، سُرّبت محادثات عبر واتساب زُعم أنها تعود للموقوفين وأنها السبب وراء احتجازهم.

يقول ولد الشيخ إنه كان يتوقع ذلك، معلقاً بأن "كل شخص يخرج عن القطيع معرّض لهذا التجييش، وأنا في صدد رفع قضية ضد أشخاص شهّروا بنا ومنهم نائب برلماني، لأن التكفير أمر خطير وآن الوقت لأن يتوقف، فوالدي وأسرتي خضعوا معي لظروف صعبة جداً بسبب هذه الحملات، ولن أتنازل عن حقي".

واتهم ولد نوح السلطة الحاكمة بالوقوف وراء هذا الواقع، حيث قال: "لا يمكن أن أبرئ السلطات إلا إذا قبضت على المسؤولين عن هذا الكم من التكفير والحقد والكراهية باسم الدين، وفي حال لم تفعل فهذا يعني أنها المسؤولة الوحيدة، وإن كانت السلطات في كل الحالات المسؤول الأول عن تعريض مواطنين أبرياء للخطر، وسجنهم ليتم نهش أعراضهم ويُتهموا في عقيدتهم ويتعرضوا للعنف النفسي والجسدي".

ويشير ولد نوح إلى أنه في صدد مقاضاة من شنوا عليه تلك الحملة، حيث قال: "جمعت أدلة ضد من كفّروني وشهّروا بي وآذوني، وآذوا والدي فقط من أجل تلبية شهوة سادية، وتلبية نداء رغبة مجنونة في سفك الدم والتسلي والشواء البشري، وسأتقدم بشكوى ضدهم أمام القضاء، لكن لست مستعجلاً".

"مهما يكن من أمر فنحن ماضون في مشروعنا ′التحالف من أجل إعادة تأسيس الدولة الموريتانية′ ولن تثنينا أية اعتقالات ولا تضييق".

بموازاة ذلك، يشير ولد أدوم إلى أنه: "أصبح من الشائع اعتقال الناشطين وإطلاق حملات تكفيرية ضدهم على وسائل التواصل الاجتماعي وتسريب محادثاتهم الشخصية، وحين يُطلق سراحهم يكونون قد تعرضوا لمحاولة إعدام معنوية".

ويُردف: "دون شك تتسبب حملات التفتيش في الضمائر واعتقال نشطاء وتسريب مكالماتهم الشخصية في التأثير سلباً على مناخ الحريات وتعزّز الرقابة الذاتية على التصريحات والتحركات وتتيح للمتشددين التحكم في المجال العام وترهيب الناشطين".

ويُتيح اعتقال الناشطين والكتاب والمفكرين فرصة لتصفية الحسابات معهم من طرف الدولة التي يعارضونها، من جهة، ومن طرف الخصوم السياسيين والتكفيريين غير المرحبين بتعدد الأفكار وحرية التعبير، من جهة أخرى.

وعلى هذه المسألة يعلق ولد نوح بالقول: "ما حدث بالتأكيد دليل محسوس على تراجع خطير في الحريات، وانتكاسة كبيرة لحقوق الإنسان، وهو ما كنا نتوقع عكسه، لكن السلطات أثبتت لنا أننا واهمون، ومهما يكن من أمر فنحن ماضون في مشروعنا ′التحالف من أجل إعادة تأسيس الدولة الموريتانية′ ولن تثنينا أية اعتقالات ولا تضييق".

وفي يوم الأربعاء 26 شباط/ فبراير الماضي، جرى إطلاق سراح غالبية الناشطين الذين شملتهم الاعتقالات من تحالف "إعادة التأسيس" (بعضهم أطلق سراحه قبل ذلك منهم ولد نوح وولد الشيخ)، وكذلك حركة "نريد موريتانيا علمانية".

وأكدت المصطفى أن كل الذين تعهدت في قضيتهم أطلق سراحهم، بينما أُحيلت للسجن مجموعة أخرى في قضايا وتهم أخرى تخضع للمادة 306، اثنان منها بتهمة "التبشير" وثلاثة بتهمة "الإساءة للذات الإلهية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard