"عقّده قصر قامته ووصمته سيرة والده"... جوانب خفية في حياة بوتفليقة تُكشف للمرة الأولى

الخميس 20 فبراير 202002:56 م

"تأزّم لقصر قامته وضعف بنيته، وخجل وعانى من سيرة والده السيئة كجاسوس على الجزائريين للسلطتين المغربية والفرنسية، وكره الرجل الذي صنع مجده السياسي، وصادق الشخص الذي دوّخ المخابرات العالمية".

هذه بعض من الفصول غير المعلنة من قصة حياة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطر للاستقالة نزولاً عند رغبة الشارع الجزائري في الثاني من نيسان/أبريل الماضي.

وردت هذه التفاصيل وسواها في كتاب "بوتفليقة: الحكاية السرية" للكاتب والصحافي الجزائري فريد عليلات، المتخصص في شؤون الجزائر بمجلة "جون أفريك" التي تصدر في باريس.

الكتاب المتداول في المكتبات الفرنسية منذ 19 شباط/فبراير، والمؤلف من 398 صفحة، اعتمد في القصص والمعلومات  التي يسردها عن الرئيس السابق على لقاءات وتحقيقات وشهادات عدة مسؤولين بارزين سابقين، من بينهم الزعيم السابق لحزب "جبهة التحرير" الذي حكم الجزائر منذ استقلالها في 1962، محمد الشريف مساعدية.

يتميز الكتاب الصادر عن منشورات دار "روشيه" من أي مؤلف سبق أن تناول قصة حياة بوتفليقة أو أيامه الأخيرة في الحكم. وهو لا يركز على الجوانب السياسية في حياته فحسب وإنما يورد قصصاً صغيرة عن حياته لكن لافتة وذات مغزى، ويكشف عن الكثير منها للمرة الأولى.

"بوتفليقة: الحكاية السرية"... مؤلف جديد يسلط الضوء على الفصول الخفية ويسرد قصصاً لم ترو من قبل عن حياة بوتفليقة وكيف يقضي أيامه بعد الرئاسة

أزمات الطفولة والشباب

ينطلق الكتاب من تفاصيل هجرة والد الرئيس السابق من قرية فقيرة في غرب الجزائر إلى مدينة وجدة المغربية (قرب الحدود المشتركة للبلدين)، حيث ولد عبد العزيز من زوجة أبيه الثانية في 2 آذار/مارس عام 1937.

منذ طفولته، عانى الصبي، عبد العزيز، بسبب قصر القامة وضعف البنية، فحرمه ذلك من الالتحاق بالشرطة البلدية في وجدة وهو في عمر الـ19، إذ كانت تنقصه ثلاثة سنتيمترات ليقبل طلبه. ولم تجدِ أي من وساطات والده نفعاً في تحقيق رغبته.

"وصمة" أخرى عاناها الصبي بسبب سمعة والده الذي عرف بين أبناء وجدة والجزائريين اللاجئين إليها بـ"المخبر" وأثيرت حوله شبهات واتهامات بالتجسس على الجزائريين بسبب علاقته بالسلطات المغربية والفرنسية.

وسعى عبد العزيز إلى تعويض هذه الأمور بالتفوق الدراسي واتقان اللغتين العربية والفرنسية، وأجاد الكتابة. 

وحين انطلقت الثورة الجزائرية مطلع تشرين الثاني/نوفمبر عام 1954، لم يسمح الأب لنجله، عبد العزيز، بالالتحاق بها، لصلته القوية بالسلطتين المغربية والفرنسية. لكن "الشاب الطموح" انضم  إليها بعد سبعة أشهر، فطلب الانتساب إلى مكتب التجنيد في وجدة.

غير أن سمعة الوالد حالت دون ذلك، إذ سئل في مكتب التجنيد: "هل أنت هنا من أجل غسل شرف والدك؟"، أي التخلص من اتهامات تجسس الوالد على الجزائريين في وجدة. ومن ثم رفض الطلب.

وبعدما تدخلت شخصية مغربية نافذة لمصلحة بوتفليقة، سمح له بالانضمام إلى الثورة، ليصبح، مع بداية عام 1957، عضواً في الجيش في "الولاية الخامسة" ويختار لنفسه "عبد القادر" اسماً حركياً.

في هذه الفترة بدأت علاقته بالرئيس الجزائري الأسبق والقائد العسكري الثوري آنذاك هواري بومدين الذي شكّل إلى حد كبير مستقبل بوتفليقة السياسي وصعوده في المناصب حتى سقوطه بعد وفاة بو مدين.

كراهية شديدة لبومدين

في عمر الـ21، أصبح الضابط بوتفليقة سكرتيراً شخصياً لبومدين، لكنه برغم المكانة والفرص التي منحه إياها الأخير "كرهه بشدة"، بحسب كتاب عليلات.

وأورد المؤلف محادثة جرت بين بوتفليقة وشريف مساعدية، قال فيها الأول: "بومدين هو الذي أكنّ له الكره الأكبر في العالم"، ورد الثاني: "بدون بومدين، ما كنتَ لتصبح معاون مدير ناحية".

ونقل عن بومدين، وهو على فراش المرض في موسكو: "بوتفليقة كان شاباً صغيراً وعديم الخبرة وبحاجة إلى رعاية، وكنتُ له بمثابة الأب".

أما أسباب "غياب الود" بين الرئيس بومدين ووزير خارجيته آنذاك بوتفليقة، فيشير الكتاب إلى أنها تتعلق برفض بومدين تسمية بوتفليقة خليفةً له برفضه إجراء تعديل دستوري يتيح تسمية نائب رئيس للجمهورية، على أن يتولى بوتفليقة المنصب المستحدث.

أما بومدين، فقد غضب من بوتفليقة واتهمه بالمشاركة في "المؤامرة" الرامية إلى منعه من الزواج بأنيسة، ثم "التآمر" لدفعه إلى طلاقها لاحقاً .

وألمح المؤلف إلى تآمر بوتفليقة على بومدين عقب عودته من رحلته العلاجية في موسكو، إذ أمر قائد الطائرة بتغيير مسار الرحلة والمرور فوق جزيرة كورسيكا، لخلق فرصة للقاء مع الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جيسكار ديستان من أجل الحديث عن "صفحة جديدة" بين البلدين.

وبرغم اعتلال صحته، سأل بومدين وزير خارجيته ذات مرة: "هل أنت وزير خارجيتي أم وزير خارجية جيسكار؟"، في إشارة إلى زياراته المتكررة إلى باريس وفق الكتاب.

وكما ساهم بومدين في صعود بوتفليقة، أدت وفاته في 27 كانون الأول/ديسمبر عام 1978 إلى سقوط مدوٍ لوزير الخارجية الطامح إلى حكم البلاد.

في محاولة يائسة للاستيلاء على السلطة، زعم بوتفليقة، وفق الكتاب، أن الرئيس الراحل ترك له "وصية" ليخلفه في الحكم وأبلغ قادة البلاد البارزين حينذاك: "بومدين عيّنني خليفة له، وهناك وصية مكتوبة رأيتها. أين هي؟ أريد أن أراها".

وفي ظل إصرار بوتفليقة على وجود وصية، قامت أجهزة المخابرات بتفتيش منزل بومدين الشخصي تفتيشاً دقيقاً، من الأرائك إلى الطاولات والأسرّة والمكاتب والخزائن والمكتبات، ولم يتبين أي أثر للوصية المزعومة.

ومع كثرة المتنافسين والساعين إلى الحكم، رشح المؤتمر العام لـ"جبهة التحرير الوطنية" وزير الدفاع آنذاك الشاذلي بن جديد، مرشح العسكر، ليتبخر حلم بوتفليقة في الرئاسة، ولو مؤقتاً.

لكن تلك لم تكن الخسارة الوحيدة لبوتفليقة برحيل بومدين، إذ خسر وزارة الخارجية ومعها جميع الامتيازات التي احتفظ بها طوال 15 عاماً. كذلك فُتح تحقيق بشأن حسابين شخصيين في مصرف سويسري كانت تُنقَل إليهما، بأمر منه، كل الأموال التي لم تُصرَف سنوياً في السفارات عبر العالم.

في الوقت نفسه، تعرض بوتفليقة لمحاولات لإهانته، إذ مُنح منصباً استشارياً في الرئاسة، وخصص له مكتب من دون نوافذ أو مهمات، قبل أن يسحب منه مطلع عام 1980.

بعد ذلك غادر بوتفليقة الجزائر مفضلاً العزلة الطوعية في باريس وجنيف، خوفاً من محاولات للانتقام منه لا سيما عقب إبعاده من المكتب السياسي للحزب الحاكم وملاحقته قضائياً بتهم مالية حتى عاد عام 1987.

طفولة متأزمة عاشها عبد العزيز بوتفليقة؛ خسر فيها حلم الانضمام إلى الجندية مرتين: الأولى بسبب قصر قامته والثانية بسبب سمعة والده السيئة كـ"جاسوس على الجزائريين"... كيف تخطى كل هذا وأصبح رئيساً للجزائر؟

صداقة وطيدة مع كارلوس الثعلب

من أهم المواقف الدبلوماسية المضيئة في حياة بوتفليقة مهارته في التفاوض مع الرجل الذي دوّخ المخابرات العالمية والملقب بـ"كارلوس الثعلب"، ونجاحه في الإفراج عن وزراء نفط "أوبك"، الذين اختطفهم كارلوس من فيينا، نهاية عام 1975، وتنقل بهم بين الجزائر وطرابلس قبل الاستقرار بهم في الجزائر.

كانت الصفقة أن يطلق الرجل سراح الوزراء مقابل اللجوء السياسي والحماية، وهو ما حدث في العملية التي روى عليلات أنها تمت بطلب من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

لكن عليلات ركز على علاقة الصداقة الوطيدة التي نشأت بين كارلوس وبوتفليقة منذ ذلك الحين، كما يقص تفاصيل المحادثات التي جرت بينهما في مطار الجزائر، مفسراً كيف نجح بوتفليقة في إقناع كارلوس بالإفراج عن الرهائن برغم رفضه عروضاً مالية مغرية للإفراج عن عدد منهم.

وبعدما انتهت المفاوضات استمرت "الصداقة" ومُنح كارلوس "فيلا" وأُمّنت له حراسة، وكان بوتفليقة يزوره فيها.

وتوطدت العلاقة أكثر حين انتقل بوتفليقة للعيش في العاصمة السورية دمشق عام 1983 لصلاته برموز نظام الرئيس حافظ الأسد حينذاك.

يقول عليلات إن بوتفليقة عاش في فيلا واحدة مع كارلوس الذي كان قد استقر في دمشق بعد ترحال بين لبنان واليمن، فسكن الأول الطابق الأرضي، والأخير الطابق الثاني حيث اعتاد الرجلان تناول العشاء كل مساء.

ومن أبرز دلائل هذه العلاقة العميقة بينهما أن كارلوس أهدى إلى بوتفليقة مسدسه الشخصي.

وفي ختام "الحكاية السرية"، يبرز عليلات الفصل الأخير ربما من حياة بوتفليقة الذي يحيا وحيداً تقريباً رفقة شقيقته وكاتمة أسراره زهور بعيداً عن السلطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard