وفاة سوزي بعد معاناة قاسية… واقع العابرين والعابرات جنسياً في لبنان

الخميس 30 يناير 202012:33 م
Read in English:

The Life and Death Of Suzy, The Agony of Transgender People in Lebanon

"يا ريت حصلت سوزي في حياتها على نسبة ضئيلة من المحبة التي يعبّر عنها الآن بعض الأفراد والمؤسسات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاتها، لكن لعل السماء أولى بها من مجتمع الأرض".

بهذه الكلمات رثت لجنة الترانس في جمعية "حلم" المعنية بحقوق المثليين/ات والعابرين/ات في لبنان الراقصة والناشطة الجندرية سوزي التي توفيت عن عمر ناهز 66 عاماً، بعد حياة حافلة بالظلم والاضطهاد.

و"حلم" هي حركةً حقوقية تركز على الحريات الفردية في العام 1998، قبل أن تصبح في العام 2004 جمعية تعنى بحماية مجتمع الميم في لبنان عبر حملات التوعية والنشاطات الفاعلة على مواقع التواصل الاجتماعي.

منذ وفاة سوزي في 27 كانون الثاني/يناير، والتعليقات المتعاطفة على ما عانته تلك السيدة لا تتوقف، وهذا ما دفع البعض إلى الدعوة إلى استغلال الفرصة لتغيير التعامل المجتمعي مع رفاق سوزي في المعاناة الذين ما زالوا على قيد الحياة أو الذين لم يولدوا بعد.

يعيش الترانس (العابرون والعابرات جنسياً) وضعاً هشاً في لبنان كما في بقية العالم العربي. فليس ممكناً أن يجدوا أو يجدن عملاً ، أو يعشون/يعشن في كثير من الأحيان ظروف حياة "عادية"... فهم أو هن يعرّفون ويعرّفن أنفسهم أو أنفسهن على أنهم أو أنهن رجال أو نساء، أي عن هويتهم/ن الجنسية و/أو الاجتماعية، خلافاً  للجنس البيولوجي الذي وُلدوا/ن معه، وعلى أثر ذلك، يتعرضون أو يتعرضن للاعتداءات النفسية والجسدية والجنسية.



هذا ما أكده تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" بالتعاون مع مؤسستي مجتمع الميم في لبنان "حلم" و"موزاييك"، نشر في آذار/مارس 2019 تحت عنوان "ما تعاقبني لأني أنا هيك: التمييز البنيوي ضد النساء الترانس في لبنان".

وفق التقرير ذاته، لا يمكن للعابرين وللعابرات جنسياً (ويُطلق عليهم/ن أيضاً الاسم متحولين/ات جنسياً) في لبنان حتى أن يمشوا ويمشين في الشوارع بأمان، فلا قوانين تحميهم/ن من "التمييز في الأماكن العامة". وهم لا  يتمتعون ويتمتعن بعلاقات عاطفية وجنسية في العلن فكثيراً ما يتعرضوا أو يتعرضن للاحتجاز بتهمة "المجامعة على خلاف الطبيعة".

لا يحصلون أو يحصلن كذلك على منازل أو فرص للتعليم، وبقية الخدمات الأساسية، لأنهم/ن منبوذون/ات مجتمعياً ومعزولون/ات أسرياً، ومرفوضون/ات مؤسساتياً. 

حزن واسع على رحيل العابرة جنسياً سوزي التي قالت "ياريت ما رجعت لبنان" مما عانته فيه… هل يمكن تعلم "الدرس" والالتفات إلى الكثير من المتحولين/ات الذين واللواتي يعيشون ويعشن المعاناة نفسها؟

معاناة مريرة

هذا كله وأكثر عانته سوزي التي ولدت "قاسم" من أم يونانية وأب لبناني. وفق ما روت عن نفسها في مقابلات تلفزيونية، فقد كانت تعيش مع والدتها في اليونان حيث عملت عارضة أزياء جابت العالم كله، حتى وفاة الأم وعودتها إلى لبنان.



"ياريتني ما رجعت ع لبنان"، هكذا قالت وهي تسرد الظروف الصعبة التي مرت بها وسط "نبذ ومحاربة" العائلة لها، ورفض المجتمع، وضيق ذات اليد، وهذا ما دفعها إلى الاشتغال في الدعارة التي أبقتها في أقسام الشرطة أكثر مما عاشت في بيتها.

حتى عندما "ضحكت لها الحياة"، حسب تعبيرها، ومنحتها فرصة للتوقف عن "الشغل الوسخ (الدعارة)" على حد وصفها، وجدت نفسها أداة بأيدي البعض الذين اعتادوا تصوير مقاطع فيديو لها وهي ترقص أو تغني أو تطلق نكاتاً أو حتى تروي معاناتها مقابل بعض المال.

"فيسبوك (مقاطع الفيديو مدفوعة الأجر عبره تحديداً) حول حياتي"، هكذا كانت تعتبر سوزي. 

عندما اشتهرت سوزي وكان بعض الإعلاميين يستضيفونها، كان ذلك من قبيل الاستغلال غالباً، وفق معلقين، ولم يساعدها أحد أو يفكر في انتشالها من "الوحدة والفقر" اللذين طالما عانتهما، الجميع كانوا يبحثون عن "المشاهدات" فقط.

حتى الجمعيات الناشطة في الدفاع عن حقوق العابرين لم تتمكن من دعمها. 

في رثائها اعتذرت لجنة الترانس في "حلم" عن "فشلنا وفشل جميع أفراد وجمعيات ومجموعات ومؤسسات مجتمع الميم والمجتمع المدني في مساندتها و/أو مساعدتها على عيش حياة آمنة وكريمة. وبالرغم من بعض المحاولات والمبادرات المشكورة لم نستطع معالجة وضع سوزي وتأمين لها حقوقها المدنية والإنسانية".

وأعرب الكثير من اللبنانيين عن حزنهم على رحيلها وندمهم على "تداول مقاطع الفيديو الخاصة بها والتمسخر عليها"، متمنين لها حياة أفضل وراحة في العالم الآخر.

ووصفها البعض بـ"المناضلة" و"بطلة انتصرت على عذابات الأرض" لصمودها في وجه ما مرت به وشجاعتها في التمسك بهويتها الجندرية والافتخار بها فيما آخرون يفضلون الانتحار على مواجهة المجتمع.

جورج قزي لرصيف22: "عائلة سوزي رفضت تستقبلها حتى بعد موتها، ووفاتها فرصة لتوعية المجتمع بشأن حاجات مجتمع الترانس"

هل تتوقف معاناة العابرين/ات؟

وخاطبت لجنة الترانس في "حلم" أصحاب القرار في لبنان، في نعيها، قائلةً "إلى دولة لبنان التي عنفت وهمشت سوزي والكثير من الأخوات والأخوة اللواتي والذين فقدناهن أو فقدناهم، ورفضت تقديم أي نوع من الدعم والخدمات لهم أو لهن، لن ننسى ما عاشته سوزي ويعيشه المئات من العابرات والعابرين، وسنستمر في عملنا ونضالنا للتأكيد على كامل حقوقنا؛ حقنا في العيش سواسية مثل باقي المجتمع، حقنا بالأمان... والعيش بكرامة".

في حين دعا الفنان اللبناني مايك ماسي إلى التوقف عن إصدار الأحكام ضد الأشخاص المغايرين لنا كما حدث مع سوزي، وكتب عبر تويتر: "يمكن شي نهار ما نعود نحكم على بعض. يمكن… وداعاً سوزي".

وذكر البعض أن المجتمع اللبناني مسؤول عما جرى لسوزي من "ضرب واعتداءات ومسخرة (سخرية)"، مطالبين بضرورة تغيير هذا.

الناشط الحقوقي والمدير التنفيذي للمؤسسة العربية للحريات والمساواة جورج قزي قال لرصيف22: "أعتقد أن سوزي خلال حياتها نجحت أن تخلق علاقة بين المجتمع ومجتمع الترانس، والمسخرة (السخرية منها) التي بدأت تحولت إلى تعاطف خلال حياتها وكان ظاهراً حتى التحسن في تعامل البرامج التلفزيونية معها" في ما بعد.

منسقة لجنة الترانس في "حلم" نايا رجب لرصيف22: "لم يكن موت سوزي طبيعياً بل اغتيالاً جماعياً بأيدي أسرتها والمجتمع. حتى عند موتها لم تسلم من بعض الأفراد والمؤسسات الذين استغلوا الخبر للظهور والحديث عن مواقفهم ‘البطولية‘ التي افتقدتها فعلاً في حياتها"

وأضاف: "موتها فرصة لتوعية المجتمع بشأن حاجات مجتمع الترانس علماً أن سوزي كان لديها مسكن وأكل وأشخاص يعتنون بها... لكن العناية التي حظيت بها آخر في السنوات الأخيرة، من بعد ظهورها عبر الشاشات، لا يمحي آثار عذاب السنين الماضية دراء رفض عائلتها لها. هذه العائلة التي رفضت حتى استقبالها بعد موتها".

غير أن منسقة لجنة الترانس في "حلم" نايا رجب كان لها رأي آخر قالته لرصيف22 وهو أن "سوزي تم رفضها من المجتمع، جردت من كامل حقوقها كإنسانة. موتها لم يكن موتاً طبيعياً، بل اغتيالاً جماعياً على يد عائلتها والمجتمع، والمؤسسات الإعلامية التي استغلت ضعفها في كل مرة مروجةً له بطريقتها. موتها كان اغتيالاً على يد دولةٍ تسعى ورائنا (الترانس) تحت قوانين الطبيعة".

وأضافت: "سوزي كولاج من القوة والنضال والحب والسّلام، لا زلنا نذكر كلماتها في إحدى آخر لقاءاتها حين قالت: ‘لا أريد أن يساعدني أحد، بقدر ما أريد أن أعمل لدى أحد يمتلك الكثير من الحيوانات، لأنني أحب الحيوانات منذ طفولتي‘".

وختمت: "حتى عند موتها لم تسلم من بعض الأفراد والمؤسسات الذين استغلوا الخبر للظهور والحديث عن مواقفهم ‘البطولية‘ التي افتقدتها فعلاً في حياتها".

ويبقى السؤال: لماذا لا يتحول الحزن على ما مرت به سوزي إلى درس يسترشد به المجتمع اللبناني ويسعى إلى مواجهة معاناة بقية العابرين والعابرات في البلاد وحتى ذوي الميول الجنسية الخارجة عن المألوف، على الأقل حتى لا نرى سوزي ثانية وثالثة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard