كيف غيرت سنوات ما بعد الثورة النشاط النسوي في مصر؟

السبت 25 يناير 202003:24 م

"مفيش ظلم تاني.. مفيش كسرة نفس تاني.. مفيش خوف تاني.. مصر حرة النهارده"، صوت أنثوي شاب يعود للمدونة والصحفية نوارة نجم، يزف انتصار الثورة عقب قرار تنحّي مبارك، عبر شاشات التلفزيون في مداخلة هاتفية، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بلحظات النصر، وكما عبرت عنها امرأة، كان لابد أن تشهد الثورة انفراجة ضخمة لصالح النساء والحركة النسوية المصرية، والتي ظهرت في طرح العديد من القضايا بشكل أكثر جرأة وأكثر تنوعاً، كما اجتاحت الصفحات النسوية مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تم تدشين عدد من المبادرات النسوية، كان أبرزها عودة "الاتحاد النسائي المصري"، وغيرها.

في ذكرى ثورة الشعب المصري في 25 يناير، يتجدد التساؤل دائماً حول ما أحدثته تلك السنوات على مشهد الحراك النسوي في مصر، خاصة بعد مرور تغيرات كبيرة سياسيا منذ عام 2011.

"يناير ناصرت النسوية"

تشير نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، في بداية حديثها إلى أن ثورة يناير نجحت في تقوية النساء، ولكن كذلك قبل يناير، كانت منظمات حقوق المرأة قوية بالفعل، وصوتها كان مسموعاً.

وتستشهد أبو القمصان بقضية التحرش، تقول لرصيف22: "قدمنا عنها دراسة ضخمة ضمّت 3 آلاف امرأة مصرية بعنوان "التحرش سرطان اجتماعي"، وفي عام 2008 قدمنا دراسة أخرى اسمها "غيوم في سماء مصر"، نقلتها ونشرتها عدة قنوات ومواقع عالمية أجنبية، وقد نجحت في لفت الانتباه العالمي لأزمة التحرش في مصر، والجيد في الأمر أنه عندما نفتح ملفاً شائكاً مثل التحرش، بدراسات علمية يصبح لدينا دليل وليس مجرد انطباعات شخصية".

"تم ضرب عمل الجمعات الأهلية، وحصرها في مجال الإغاثة، مثل توزيع البطاطين أو بقايا الطعام، بدلاً من العمل التوعوي والحقوقي، لكن يبقى أهم مكتسبات يناير هو انضمام جيل مهتم بالجانب التوعوي والسياسي لقضايا المرأة"

وتضيف أبو القمصان: "كان هناك عدد مهم من القوانين والقضايا التي حُسمت قبل الثورة، منها حق الأم في نقل الجنسية للأطفال، وقضايا الأحوال الشخصية، كالخلع".

أما بعد ثورة يناير، فبات هناك زخم أكبر لقضايا المرأة، تقول أبو القمصان، واتسعت دائرة الاهتمام بها، خاصة مع صعود التيارات الإسلامية، والتي استفزت العديد من النساء للاهتمام بقضايا وحقوق المرأة، حيث وجدن أنفسهن في موقف الدفاع، خاصة بعد تداول حديث عن أمور مثل إلغاء تجريم الختان، تغيير سن الزواج، إلغاء الخلع وغيرها، الأمر الذي أشعرهن أنهن في مواجهة تهديدات مباشرة.

تتذكر أبو القمصان واقعة حملت مؤشرا كبيرا على تفاعل المجتمع المصري مع القضايا النسوية، تقول لرصيف22: "يمكن أن نتذكر أنه في أحد المرات حاول السلفيون أن يهاجموا بعض مراكز التجميل في البحيرة، فقامت النساء بطردهم، وهاجمنهم بالأحذية، وكان هذا مثالاً واضحاً جداً على الوضع وقتها".

المشهد الخاص بالدفاع عن حقوق المرأة تغيَّر بعد ثورة يناير، توضح رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، توضح: "بعد يناير مررنا بعدة مراحل، كان أهمها حشد القوى النسوية للدفاع عما هو قائم بالفعل، وهو ما كان مستفزاً جداً، لأنه بدل الصراع على المزيد من المكتسبات أو محاولات انتزاع المزيد من الحقوق، أصبحنا مطالبين بالدفاع عما هو قائم بالفعل، وهناك مواجهة مع بعض القوى الرجعية التي تتربص به، ثم جاءت مرحلة صياغة الدستور الحالي في 2014، فكانت مرحلة مهمة جداً، وتم التنسيق بشكل موسع بين المؤسسات والقوى النسوية، كما تم تنظيم وقفات نسائية أمام مجلس الشورى، لكن بعد 2014 حدثت حالة من الانكماش".

عام الانكماش

تغيَّر المشهد مرة أخرى، بحسب نهاد أبو القمصان ، في عام 2014، بعد الهجوم الذي طال منظمات المجتمع المدني، وتبادل اتهامات العمالة والخيانة.

تقول أبو القمصان: "جاءت حالة الانكماش تلك بعد عدة ضربات موجعة لمنظمات المجتمع المدني، وصياغة قانون تنظيم الجمعيات الأهلية، وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة للعاملين في تلك المنظمات، فتم ضرب عمل الجمعات الأهلية، وحصرها في مجال الإغاثة، مثل توزيع البطاطين أو بقايا الطعام أو كرتونة رمضان وغيرها، بدلاً من العمل التوعوي والحقوقي".

"راحت الأعوام الذهبية"

أما الناشطة النسوية، هالة مصطفى، فتشير إلى "نجاح باهر" و"حرية كبيرة" في الطرح النسوي بعد ثورة يناير، خاصة في البدايات، تقول لرصيف22: "كانت هناك قضايا مهمشة دخلت بؤرة الاهتمام، منها التحرش والعلاقات الزوجية وغيرها، وكانت هناك فترة ذهبية هي بين 2011 إلى 2014 وبدايات 2015 أيضاً، ولكن كل ما تم اكتسابه من قبل تم اغتصابه فيما بعد، بل وتفريغ كافة القضايا، سواء من خلال قوانين لا تطبق، أو تسطيح المناقشات حول بعض الأزمات، وحتى الخطاب الإعلامي الذي أصبح يعمل على تسفيه قضايا النساء، وتبني وجهة نظر المجتمع والدولة الرجعي، بعدما كان يعمل على تغيير المفاهيم إلى جانب التيار النسوي".

"كل ما تم اكتسابه في النشاط النسوي من قبل تم اغتصابه فيما بعد".

وتتابع مصطفى لرصيف22: "حتى مدن الصعيد التي كانت مُهمَّشة على صعيد العديد من القضايا، ورغم أن عدداً كبيراً من المؤسسات كانت مهتمة بالصعيد ونظمت فيها العديد من المبادرات والفعاليات، إلا أن الثورة أثرت في أنها وسعت دائرة الاهتمام بقضايا أكثر جرأة وأكثر تنوعاً، وكانت السبب في انضمام مئات وآلاف النشطاء لتلك المؤسسات".

وتلفت مصطفى النظر إلى تضافر عدة عوامل أثَّرت مجتمعة لصالح النشاط النسوي في مصر، تقول: "تزامن الثورة مع التقدم التكنولوجي ودخول الإنترنت لكافة المنازل، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، كل تلك العوامل صبَّت في مصلحة التيار النسوي، ولكن كما شهد انتصارات وعلو سقف الطموحات، يشهد حالياً هزيمة تتضح معالمها في النقاشات المطروحة حول تغيير القوانين المنحازة للمرأة، فالوضع الحالي هو أشبه بمحاولة التمسك بمربع الصفر الذي انطلقنا منه قبل الثورة، وهو محاولة الحفاظ على قوانين صدرت في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة".

"الوضع الحالي هو أشبه بمحاولة التمسك بمربع الصفر الذي انطلقنا منه قبل الثورة، وهو محاولة الحفاظ على قوانين صدرت في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة"

تتابع مصطفى لرصيف22: "إن الحضور المكثف للنساء في موجات ثورة يناير، يمكن القول بأنه فتح المجال للتيار النسوي لفرض أجندته وازدهاره، بل وكان دافعاً رئيسياً للحديث عن قضايا المرأة، وكذلك كان هو نفسه السبب في الانقضاض عليه في مراحل الانكسار".

وتشدد مصطفى أن خروج النساء للاحتجاج، هو نفسه السبب الرئيسي الذي حفز السلطة الدينية الرجعية في 2012-2013، على معاقبة النساء من خلال وسائل عدة، كان أهمها التحرش الممنهج الذي تعرضت له المحتجات، كمحاولة لتخويفهن وإرهابهن للتراجع أمام السلطة الدينية، ثم استمرت الأوضاع هادئة نسبياً، حتى أخذت السلطة الحالية منهجاً جديداً، وهو "تشميل النساء في الاعتقالات العشوائية في الحملة التي شنتها الأجهزة الأمنية في سبتمبر الماضي، والتي طالت عدداً ليس بقليل من النساء".

أما أبو القمصان فتنهي حديثها عن مكتسب، لا يزال مستمراً حتى بعد مرور سنوات على الثورة، قائلة: "يبقى أهم مكتسبات يناير هو انضمام جيل جديد من النشطاء، مهتم بالجانب التوعوي والسياسي لقضايا المرأة، بل إن هناك نضجاً ملحوظاً، وتراكمات نتجت عن التجارب السيئة والحرب التي تعرضت لها الجمعيات الأهلية، الأمر الذي يصب في استمرارية العمل حتى وإن كان محفوفاً بالمخاطر".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard