سبعة أحداث أعادت إحياء أملي بالعالم العربي خلال العام 2019

الأحد 22 ديسمبر 201903:10 م

لم يكن عام 2019 من السنوات التي حملت ذكريات وأحداثاً إيجابية بشكل صارخ (على الأقل بالنسبة لي)، فلم يمض شهر معيّن استذكرت عند نهايته حدثاً أغرقني بإيجابياته. كانت سنة غريبة بكل الأحوال، وهذه العبارة تكررت عند مراجعة أبرز ما حصل خلال 2019، مع عدد كبير من الأصدقاء، إذ إننا، وفي خضم التحديات السياسية والقرارات الاقتصادية والتقلبات المزاجية والقلق الذي رافق كل حدث في المنطقة العربية، غاب عنّا عنصر التنبه لما هو جميل حولنا. من هنا، ومن على أبواب نهاية العام الحالي، اخترتُ لكم 7 أحداث أعطتني الكثير من الأمل بما هو قادم.

ثورة العراق وإرادة الاستمرار رغم الترهيب والقتل

شهدت العراق في السنوات الأخيرة مظاهرات دورية تتنوع بين احتجاجات سياسية ومطلبية، تستمر لأسابيع ثم تهدأ، ولكن في احتجاجات أكتوبر الماضي، التي تحولت في غضون ساعات إلى ثورة، أُغرم عدد كبير منا بتمسك العراقيين بمطالبهم، ناهيك عن شجاعتهم اللامتناهية.

ما يميز هذه الاحتجاجات برأي عدد كبير من المتابعين، أنها عُصارة نابعة من الجيل الجديد، وهو جيل سئم الكذب السياسي الذي يغذّيه انقسام طائفي يتمسك به قادة العراق، أضف إلى ذلك النتائج الوخيمة والخسائر التي نتجت عن حرب داعش، والخسارات والتفجيرات وفشل الحكومات المتتالية في تأمين أمن وسلامة العراقيين.

يمكن القول إن الشرارة انطلقت من المناطق الشعبية، وبدأت الاحتجاجات بأعداد قليلة جداً ليزداد عدد المحتجين بشكل مفاجئ. منذ التظاهرات الأولى، واجهت قوات الأمن العراقيين بالعنف، مدافع ماء وقنابل مسيلة للدموع إصاباتها قاتلة، ناهيك عن آلاف المعتقلين والمختطفين من صحافيين ومصورين وناشطين، إلا أن إرادة العراقيين لم تتراجع حتى اليوم.

وعند مراقبة شوارع العراق اليوم عبر الصور المتداولة، من رسوم الغرافيتي التي زينت الحيطان، إلى خيم ميدان التحرير والتك تك والحياة المستمرة وسط ساحات الاعتصام، إلى مظاهر الحزن وتشييع الشهداء، إلى صور المسعفات اللواتي يهرعن لمساعدة المصابين، لا يمكننا سوى الشعور بفائض الإيجابية، حيث أنه وسط كل ذلك الموت والترهيب، هناك إرادة للحياة والتغيير، غير قابلة للتفاوض.


إطلاق فرقة Coldplay العالمية ألبومها في بلد عربي: الأردن

يُسجّل للعالم العربي أن ما شهده عام 2019 من أحداث في سوريا، اليمن وفلسطين، ليس عاملاً مشجعاً لإحياء حفلات عالمية، أو لقيام فرق فنية بزيارتنا، إلا أن فرقة Coldplay البريطانية خالفت هذا الرأي، حيث قرر أعضاء الفرقة أن إطلاق ألبومهم الجديد سيكون من الأردن.

وبحسب الفرقة، فقد اختارت Coldplay، الأردن، بسبب جماله الطبيعي وأهميته التاريخية والثقافية.

لطالما عُرفت الفرقة بأسلوبها المختلف في الحفلات التي تقيمها أو الفيديوهات التي تطلقها، وهذه السنة كانت المفاجأة "Outside of the box" بكل ما للكلمة من معنى، حيث تضمن ألبومهم الجديد تصاميم أحرف عربية، إشارات واضحة إلى العالم العربي، والأطفال ومعاناتهم.

الحياة اليومية أو"Everyday Life" الذي تصفه الفرقة بأنه ألبوم مزدوج، ينقسم إلى نصفين، شروق وغروب الشمس، "Sunrise" و"Sunset"، يضم 16 أغنية، منها أغنية "بني آدم" المكتوبة بالخط العربي، ووصفت عدة مواقع مضمونها بأنه مستوحى من قصيدة 1258م التي تحمل الاسم نفسه، للشاعر الإيراني سعدي الشيرازي، الذي اشتهر بعمله الفني الذي يدور حول المسؤولية الاجتماعية والأخلاق.



في خضم التحديات السياسية والقرارات الاقتصادية والتقلبات المزاجية والقلق الذي عاشه العالم العربي عام 2019، غاب عنّا عنصر التنبه لما هو جميل حولنا. هذه 7 أحداث تعيد الأمل في عالمنا
ما بين ثورتي العراق ولبنان ومقتل أبو بكر البغدادي (للمرة العاشرة ربما) والانتخابات الديمقراطية التونسية التي خاضها مرشح من داخل السجن، وإثبات موقع "مدى مصر" أنه يضم أشجع الصحافيين... 7 أحداث أعادت إحياء الأمل في العالم العربي

موقع مدى مصر وحرية الصحافة

أثبت موقع "مدى مصر" مع اقتراب نهاية عام 2019، أنه يضم أشجع الصحافيين في العالم العربي، في مصر التي عرفت هذا العام تضييقاً غير مسبوق على الصحافيين المحليين وعملهم.

فقد نشر الموقع تحقيقاً، يُعتبر من أكثر التحقيقات شفافية، مضمونه يغوص في تفاصيل ذهاب نجل الرئيس المصري محمود عبد الفتاح السيسي، إلى روسيا، حيث وبحسب التحقيق، تم نقله إلى موسكو في "مهمة عمل طويلة"، بسبب خلافات استراتيجية وسياسية بينه وبين الرئيس (والده)، لناحية إدارة الشؤون السياسية الأمنية في مصر.

وذكر التقرير أن نقله من منصبه الرفيع في جهاز الاستخبارات يأتي بعد تزايد الانتقادات بحقه داخل الجهاز، وتضمن أيضاً تصريحات مسؤولين مصريين وإماراتيين لم يذكرهم بالاسم، مشيراً إلى تفاصيل ما يدور داخل الأجهزة الأمنية، في حين تتراجع حرية الصحافة في مصر.

وبُعيْد نشر الموقع للتحقيق، قامت عناصر بلباس مدني بمداهمة مكاتب الموقع، واعتقال عدد من العاملين فيه، ومنهم رئيسة التحرير لينا عطالله. الاعتقالات دامت بضع ساعات فقط قبل أن يتم إطلاق سراح الصحافيين المحتجزين، إلا أن موقع وصفحات مدى مصر استمرت بنشر كل التحديثات حتى خلال عملية مداهمة مكتبهم واعتقال ومساءلة الصحافيين، ما يعكس شجاعة وإصراراً نادرين لناحية التمسك بالأخلاقيات المهنية وحرية الصحافة. "مدى مصر" ذكّرتني بالسبب الذي اخترت لأجله الصحافة كمهنة وأسلوب حياة.


كتاب "نساؤنا على الأرض"

بصراحة، هو الكتاب الوحيد الذي قرأته عام 2019، حيث قامت تسع عشرة صحافية بالكتابة عن تجاربهن في تغطية حروب العالم العربي المستمرة: صحافيات من الصعب اختصار أسمائهن، بعضهن بدأن بالعمل مع انطلاق ثورات الربيع العربي، وأُخريات عُرفن منذ سنوات بمهنيتهن والتزامهن بأخلاقيات الصحافة والتضحية من أجل الخبر.

كتاب يختصر ما نعجز عن قوله بعد كل تغطية صحافية، عن تحدياتنا كنساء، عن ولعنا ببعض القضايا الذي يحتم علينا تقديم تضحيات تكاد تكون جليلة.

الكتاب من تحرير الباحثة والصحافية اللبنانية البريطانية زهراء حنقير، التي عملت جاهدةً لتعكس بأسلوب واقعي، خاصية مهنة الصحافة، والصعوبات التي تواجهها المرأة التي تختار الصحافة كمهنة، في عالم يتوقع منها أن تبقى في المطبخ وغرفة النوم.

إنه الكتاب الذي ينجح بتذكير الصحافي/ة المحبط/ة بأسباب اختياره/ـا للمهنة.


الانتخابات الديمقراطية التونسية التي خاضها مرشح من داخل السجن

لا بد أن فوز قيس سعيّد، كرئيس جديد لجمهورية تونس بغالبية 72.71% من أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في شهر أكتوبر الماضي، شكل نقطة تحول سياسية في البلاد، وسلط الضوء على تونس مرة جديدة. لم تعد البلد الأول الذي ثار عربياً فقاد الربيع العربي بكل تحدياته، بل أثبتت تونس أيضاً أن التغيير يتطلب وقتاً، والكثير من الأخطاء والإصلاحات.

المنافسة في الجولات العديدة للانتخابات الرئاسية، والتي خاض خلالها واحد من المرشحين – نبيل القروي - حملته من داخل السجن بسبب تهم غسيل أموال وفساد، حازت على اهتمام كبير، خاصة وأن المنافس الآخر، الدكتور قيس سعيّد، خاض حملته مستخدماً سياسة الابتعاد عن الإعلانات. وعلى الرغم من فوز الأخير، وما ترتب على فوزه من تحديات، شكلت تونس في الأشهر الأخيرة مثالاً ديمقراطياً، سواء وافقتم على نتائج الانتخابات أم لا، وجعل ذلك من تونس بلداً متمسكاً بالديمقراطية، وسط عالم عربي يتأرجح بين الديكتاتوريات والإرهاب.


مقتل أبو بكر البغدادي (للمرة العاشرة ربما)

يعرف الجميع أن مقتل أبو بكر البغدادي، قائد تنظيم داعش الإرهابي، المسؤول عن مقتل الآلاف وتغييب المئات، والمتسبب بحروب وشرخ طائفي عربي، وتحديداً في سوريا، لن يعيد ما تمكن التنظيم الإرهابي من تدميره.

عشرات العائلات تنتظر حتى اليوم معرفة مصير أبنائها المختطفين عند التنظيم، ومنهم عائلة الصحافي سمير كساب، الذي خُطف من قبل جهات مجهولة في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2013، في سوريا، ويعتقد أن "داعش" مسؤول عن عملية اختطافه، مع فريق عمل شبكة "سكاي نيوز" الذي يضم الصحافي الموريتاني اسحاق ولد مختار، والسائق السوري عدنان عجاج.

وعلى الرغم من أن مقتل أبو بكر البغدادي (إن صحّ) لن يُعيد ما نجح التنظيم بسلبه، إلا أن موته ربما يكون مؤشراً على خلوّ وتخلّص العالم من إرهابي جديد.

الخبر الذي نقلته هذه السنة عدة وسائل إعلامية، تميّز بالطريقة التي عالجه بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث روّج لنفسه كالمسؤول عن مقتله، علماً أن فريقاً استخباراتياً كاملاً كان وراء العملية.


لبنان ينتفض منذ شهرين

في السابع عشر من أكتوبر، وبعد أن مرت عدة أيام على مغادرتي لبنان، كنت أتابع الأخبار المحلية صدفةً حينما تنبهت لوجود تحرك صغير في بيروت، تحديداً في وسط المدينة بالقرب من البرلمان، ما لبث أن تحوّل إلى انتفاضة تدخل اليوم شهرها الثالث.

انتفض لبنان وغرّد الجميع على هذا الوسم، فئات عمرية مختلفة اتجهت إلى الشارع، وعاد كثُر منا (وأنا من ضمنهن) إلى لبنان بعد أن كاد يأسنا من إمكانية التغيير يدفعنا باتجاه البحث عن ملجأ جديد ونسيان لبنان. لم يتوقع أحد في لبنان أن يستمر التحرك حتى اليوم، يتساءل كثر اليوم عن مصدر الطاقة هنا، وعن الأفكار التي يخرج بها المتظاهرون عن المألوف كل يوم، من قبضة الثورة، إلى الاحتفال وتنظيم أول عيد استقلال شعبي، إلى القنابل المسيلة للدموع التي باتت من العادات شبه الأسبوعية في الشارع، إلى إعادة تركيب وترتيب خيم المتظاهرين بعد إحراق من هم ضد الثورة لها، من مناصري حزب الله وحركة أمل.

أضف إلى ذلك، نساء لبنان اللواتي يقدن التظاهرات، ويقفن كدروع بشرية بين قوى الأمن والمتظاهرين، ويبتكرن صيحات جديدة وشعارات ملفتة تصدح في شوارع المدينة. النساء اللواتي جمعن مناطق عرفت بانقسامها وانغلاقها على نفسها منذ الحرب.

فاجئنا لبنان هذه السنة، فلم نتوقع أن يلتحق رسمياً بقطار الثورات العربية المستمرة منذ عام 2011، ولو أننا، ولو أنني شخصياً انتظرت طويلاً كي أختبر هذه الثورة، وتمنيت لسنوات طويلة أن أعيش كفايةً كي أوثقها.

الثورة في لبنان أعادت لي الأمل، وأعادتني إلى الحياة، بكل ما للكلمة من معنى.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard