"خيّروني بين شراء جثته وحرقها"... فصائل سورية معارضة تعرض جثث أكراد للبيع

الأربعاء 18 ديسمبر 201906:48 م

طوال خمسة عشر يوماً متواصلة، لم تهدأ عائلة سليمان أحمد، السبعيني النازح من مدينة رأس العين (شمال شرقي سوريا)، بانتظار وصول ابنها البكر سردار الذي غامر في العودة للمنزل بعد احتلال الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية مدينته ضمن عملية "نبع السلام" التي أطلقتها أنقرة ضد المقاتلين الأكراد في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

لم يعد سردار. وها هي والدته شاهة رغم الضعف والحزن وعدم القدرة على مغادرة الفراش تروي لرصيف22 تفاصيل مقتل ابنها قبل حوالي الشهر على يد من أسمته بأبي مصعب الديري، المسلح من "أحرار الشرقية".

تقول شاهة: "على الرقم الخاص بهاتف والده تلقينا رسالة صوتية عبر واتساب من رقم تركي يبلغنا فيها أحدهم أنه قتل ابني واحتفظ بجثته ليبيعها لنا".

على مقربة من الأم الثكلى، يتابع الأب رواية ما جرى، ويضيف:"طلبت من القتلة إرسال صورة لجثة سردار على أمل ألا يكون هو، لكني عرفته رغم أنهم فصلوا رأسه عن جسده".

ويتابع: "كانت جثته ملطخة بالدماء ومشوهة لكنني عرفته من قميصه الأزرق وبنطال الجينز وحذائه الذي كان ينتعله حين غادرنا"، مضيفاً بالشرح "عبر اتصال صوتي عرفني القاتل عن نفسه بأبي مصعب وهو من أحرار الشرقية وعرض علي شراء جثة ابني بمبلغ 7000 دولار أمريكي أو أنه سيحرقها".

جثث للبيع عبر واتساب

عند الاطلاع على التسجيلات الصوتية التي أرسلها المسمى أبو مصعب لعائلة سردار، يظهر أنه يحتفظ بست جثث لفتيات وشباب في محطة وقود تدعى "حمدو" في مدخل مدينة رأس العين، وعلى حد زعمه أنه بعد نبش الهواتف النقالة العائدة لضحاياه يحاول الاتصال بذويهم بعد إرسال صورهم إليهم وتهديدهم بأنه سيحرق الجثث إذا رفضوا شراءها.

ويشكو والد سردار أن ابنه البالغ من العمر 35 عاماً هو أب لطفلتين لهما من العمر 9 سنوات و6 سنوات لا تزالان تنتظران عودته من رأس العين حيث كان يتفقد المنزل ليجلب ثياباً شتوية للعائلة.

القلق على فقدان أفراد آخرين من العائلة دفع سليمان للتخلي عن فكرة شراء جثة ابنه. يقول:"لا أملك 7000 دولار بعد أن أُجبرنا على ترك بيوتنا وأملاكنا في المدينة مع اشتداد المعارك والقصف الجوي، وحتى لو امتلكت المبلغ المطلوب لن أغامر بإرسال شقيقه لتسلم جثته، فقد يستولون على النقود ويقتلون ابني الآخر ويعرضون رفاته علي للبيع مرة أخرى".

جثة سردار ليس استثناء

رغم شح المعلومات الواردة عن عدد الضحايا ومن تم عرض جثثهم للبيع على ذويهم، فإن الناشطة الإعلامية رنا الأحمدي، المنحدرة من مدينة الحسكة، كشفت لرصيف22 عن توثيقها ثلاث حالات لعرض بيع جثث تعود لفتاة عشرينية ولرجلين من سلوك وتل أبيض ورأس العين.

"من خلال تتبعنا مراكز إيواء النازحين في المخيمات والمدارس وداخل مدن الرقة والحسكة والقامشلي وغيرها، وثقنا حالات قالت عائلات الضحايا إن القتلة طالبوهم بمبالغ تراوحت بين 5 و8 آلاف دولار".

تقول الأحمدي:"قُتل العديد من الأشخاص بسبب الهجمة العسكرية الجوية والبرية العنيفة التي نفذتها تركيا ولم يتمكنوا من الفرار، وبعضهم عاد ليتفقد بيته لكنه قتل على يد الفصائل السورية. ومن خلال تتبعنا مراكز إيواء النازحين في المخيمات والمدارس وداخل مدن الرقة والحسكة والقامشلي وغيرها، وثقنا ثلاث حالات قالت عائلات الضحايا إن القتلة طالبوهم بمبالغ تراوحت بين 5 و8 آلاف دولار".

وبحسب الأحمدي، فإن المعلومات الواردة من نازحين وناشطين تشير إلى "تفشٍ مؤسف لأعمال القتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والاغتصاب وتشويه جثث يعود بعضها لنساء، فتركيا حوّلت المنطقة الآمنة التي أقامتها في رأس العين وتل أبيض إلى جحيم تمثّل بتهجير سكانها الأصليين وارتكاب جرائم حرب ضد من بقي منهم فيها".

يُذكر أن "الجيش الوطني السوري"، المنضوي فيه "أحرار الشرقية"، كان قد دعا في مناسبات محددة جداً إلى عدم نشر صور الجثث أو التمثيل بها، ومنها بعد انتشار فيديو التمثيل بجثة المقاتلة الكردية بارين - رغم نفي مسؤوليته عنه.

وفي مناسبة أخرى حين انتشر فيديو المقاتلة في وحدات حماية المرأة "جيجيك كوباني"، حيث قدم اعتذاراً تحت الضغط الدولي وقال إنها تصرفات فردية. أما بخصوص ما يُشاع عن بيع الجثث فلا تعليق من قبله على المسألة. 

"عبر اتصال صوتي، عرّف القاتل عن نفسه بأبي مصعب وعرض علي شراء جثة ابني بـ7000 دولار أمريكي"... قصة عائلة سردار واحدة من قصص عائلات كردية عرضت فصائل معارضة، مدعومة تركياً، بيعها جثث أبنائها

"وثقنا ملفات عن عمليات تمثيل بالجثث، خاصة لنساء، والتباهي بذلك عبر مقاطع مصورة وعمليات بيع لجثث المدنيين وابتزاز ذويهم بمبالغ مالية"... فصائل سورية معارضة، مدعومة تركياً، تعرض جثثاً للبيع

من جهته، رصد الكاتب الصحافي مصطفى عبدي حالات يرسل فيها المسلحون لعائلات الضحايا مقاطع فيديو لجثث أحبتهم، ويرفضون تسليم الجثث لذويها إلا بعد تسلم مبالغ مالية منهم.

ويقول عبدي، وهو كذلك مدير مجموعة رصد محلية مهتمة بتوثيق الانتهاكات في سوريا: "حصلنا على مقاطع مصورة تظهر مسلحي المعارضة وهم يحتفلون أمام جثث المدنيين من النساء والأطفال والعسكريين".

وفي مكالمة هاتفية مع رصيف22، قال عبدي إن صحافياً كردياً يُدعى وداد فاتح وهو أب لطفلين ومخرج أفلام وثائقية كان قد قتل في غارة جوية في رأس العين، وقد عرفت عائلته بالأمر بعدما أرسل مسلحو المعارضة مقطعاً مصوراً لوالدته عبر واتساب يُظهر جثة وداد مقطعة الأشلاء.

"المنطقة الآمنة غير آمنة"

تشير منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير نشرته بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى انتهاكات بحق المدنيين وتنفيذ إعدامات خارج القانون في المنطقة الآمنة.

ووصفت مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة سارة ليا ويتسن المنطقة الآمنة المقترحة من تركيا بأنها "غير آمنة مع استمرار ارتكاب الجماعات المسلحة التي تستخدمها تركيا لإدارة المنطقة الآمنة انتهاكات بحق المدنيين وتُميز على أُسس عرقية، وتنفيذها إعدامات، ونهبها لممتلكات المواطنين، ومنعهم من العودة لبيوتهم".

إعدامات ميدانية وتمثيل بالجثث

"انتهكت الفصائل السورية المسلحة، المدعومة تركياً، اتفاقات جنيف الأربعة وبروتوكولاتها الإضافية والقانون الدولي الإنساني الناظم لحياة المدنيين"، حسب ما تقول الرئيسة المشتركة لمكتب حقوق الإنسان في مدينة عامودا وليدة حسن.

وتوضح حسن أن مكتب توثيق انتهاكات عملية نبع السلام وثّق ملفات عن عمليات تمثيل بالجثث، وخاصة لنساء، والتباهي بذلك عبر مقاطع فيديو مصورة وعمليات بيع لجثث المدنيين وابتزاز ذويهم مقابل تسليمهم الجثث.

وتشير إلى أن المكتب رفع ملفات توثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها المجموعات المسلحة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومنظمات أوروبية معنية بحقوق الإنسان .

رغم تحذيرات المنظمات الحقوقية والمحلية والدولية لتركيا من استمرار الفصائل العسكرية ارتكاب الانتهاكات بحق الأهالي، لم تتخذ أي خطوة لإيقافها أو محاسبتها.

وتقول المسؤولة الحقوقية إن "الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها الدولة التركية والفصائل الموالية لها ترقى إلى مصاف جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية هدفها التغيير الديمغرافي في البنية السكانية من خلال ارتكاب المجازر والإبادة العرقية والنزوح القسري".

وحمّل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنقرة المسؤولية عن "إعدامات تعسفية نفذتها بحق أكراد فصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا وطالبتها بتحقيق فوري محايد ومستقل واعتقال الجناة".

وكان المتحدث باسم مكتب المفوضية لحقوق الانسان روبرت كولفيل قال إن مقاطع فيديو أظهرت عمليات إعدام لثلاثة أكراد محتجزين نفذها مقاتلو جماعة "أحرار الشرقية" المرتبطة بتركيا على الطريق السريع بين الحسكة ومنبج في 12 تشرين الأول/ أكتوبر، محملاً تركيا المسؤولية.

فدية مالية

بدوره، كشف "المرصد السوري لحقوق الإنسان" عن أن مقاتلاً في قوات المجلس العسكري السرياني، التابع لقوات سوريا الديمقراطية، قُتل بينما أُسر ثلاثة آخرون خلال المعارك التي شهدها ريف تل تمر مع الفصائل الموالية لتركيا، وأن الأخيرة طالبت المجلس العسكري بمبلغ 40 ألف دولار مقابل الإفراج عن الجثة والأسرى الثلاثة.

ورغم تحذيرات المنظمات الحقوقية والمحلية والدولية لتركيا من استمرار الفصائل العسكرية ارتكاب الانتهاكات بحق الأهالي، لم تتخذ أي خطوة لإيقافها أو محاسبتها وسط اتهامات من أبناء المنطقة للسلطات التركية بالموافقة ضمنياً على هذه الممارسات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard