فتح الحدود بين المغرب والجزائر... تبون يطالب بالاعتذار والملك يمد يد الحوار

الثلاثاء 17 ديسمبر 201907:33 م

لم يكد يمضي يومان على انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً للجزائر حتى وجّه له  ملك المغرب محمد السادس رسالة تهنئة دعاه فيها إلى فتح صفحة جديدة على أساس "الحوار البناء" بين الجارتين المتوترة العلاقة بينهما منذ عام 1994.

وفي تسعينيات القرن الماضي، كان الرئيس الجزائري الأسبق الأمين زروال، قد أمرَ بإغلاق الحدود بين البلدين، ردّاً على فرض المغرب تأشيرة لدخول الجزائريين بعد تفجير استهدف فندقاً في مدينة مراكش خلّف سبعة وثلاثين قتيلاً في الـ 24 من آب/ أغسطس عام 1994، وأدين بتنفيذه جزائريون ومغاربة، واتّهمت الرباط حينذاك المخابرات الجزائرية بالتخطيط له.

واستمرت أزمة الحدود بين البلدين منذ ذلك الحين، بين محاولاتٍ مغربية رسمية لفتحها مع طيّ صفحة الماضي وتشبث الجزائر بمطلب الاعتذار.

وقال العاهل المغربي في برقية التهنئة التي أرسلها يوم الأحد 15 كانون الأول/ ديسمبر الجاري: "إذ أجدد دعوتي السابقة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين الجارين، على أساس الثقة المتبادلة والحوار البناء، أرجو أن تتفضلوا، صاحب الفخامة، بقبول أصدق عبارات تقديري".

وإلى الساعة لم يصدر رد عن تبون.

وكان تبون قد علّق على الأزمة مع المغرب ومشكِلة الحدود بين البلدين، في مؤتمر صحافي عقب إعلان فوزه رئيساً للجزائر، الجمعة الماضي، وقال: "إن للأزمة مع المغرب وإغلاق الحدود أسبابها، وزوال العلة يكون بزوال أسبابها".

وأضاف أن المعاملة بين الدول تكون "بالمِثل والند بالند"، لافتاً إلى أن "هناك ظروفاً دفعت إلى إغلاق الحدود"، في إشارة إلى فرض التأشيرة على الجزائريين من قبل المغرب، وهو ما اعتبره تبّون إهانة للجزائريين، مطالباً الرباط بالاعتذار.

كما تُعدّ قضية النزاع بين المغرب وجبهة "البوليساريو" على الصحراء الغربية، منذ إنهاء وجود الاحتلال الإسباني في المنطقة عام 1975، من الملفات التي تعرقل العلاقات المغربية الجزائرية، خاصة مع احتضان الأراضي الجزائرية مخيّمات الجبهة.

وتقترح الرباط حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادتها، فيما تطالب "البوليساريو" بضمان إجراء استفتاء لتقرير المصير، وهو ما تدعمه الجزائر المؤيدة للجبهة المنتظمة تحت اسم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

وكان الرصاص لغة الحوار بين الجانبين، المغربي والصحراوي، قبل أن تتوقف المواجهة المسلّحة عام 1991 بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، برعاية منظمة الأمم المتحدة، التي تستمر حتى اليوم في مراقبة تحركات القوات المنتشرة في المنطقة من الجيش المغربي وقوات البوليساريو، وحفظ السلام بينهما.

موقفٌ غير مُبرَّر حيال إجراء متسرّع

اعتبر الأكاديمي خالد البكاري أن موقفَ الجزائر من الأزمة "غير مبرّرٍ"، وقال لرصيف 22: "إن الرئيس الحالي ومِن خلفه المؤسسة العسكرية يحاولان عبر هذه النبرة التصعيدية تجاه المغرب الهروب إلى الأمام من خلال افتعال صراعات خارجية لمحاولة توجيه التعبئة التي يقوم بها الحراك رفضاً لمخرجات العملية الانتخابية، نحو عدوّ خارجي".

وأضاف أنه لم يفعل هذا مع المغرب فحسب، بل كذلك مع فرنسا والاتحاد الأوروبي.

ورأى البكاري أن تصريحات تبون "مناورة مكشوفة" تنتمي إلى ما سمّاه "كلاسيكيات إخضاع الجماهير" التي تم تجاوزها مع الثورة الرقمية ولن تنطلي على الحراك، حسب تعبيره.

وفيما اعتبر البكاري ردّ المغرب على تفجير فندق بفرض تأشيرة على الجزائريين "إجراءً متسرعاً"، لفت أيضاً إلى أن الرد الجزائري على الإجراء بإغلاق الحدود "لم يكن مبرّراً بدوره، في وقت كانت دول العالم تتجه نحو هدم الأسوار التاريخية، وتسهيل مرور البشر والسلع بين الدول المتجاورة".

فتح الجزائر للحدود رهينٌ باعتذار المغرب". هل يغّير مد العاهل المغربي يد الحوار إلى الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون موقف الأخير؟

ورأى الإعلامي المغربي حفيظ زرزان أن تبون  بقوله إن "العلّة تزول بزوال أسبابها" يرهن فتح الحدود بتراجع المغرب عن فرض التأشيرة رغم إبداء الأخير رغبته رسمياً في فتح صفحة جديدة، من خلال خُطَب الملك وتهنئته الأخيرة بفوز تبون.

وأشار زرزان في حديثه لرصيف22 إلى أن مما يدل على سعي المغرب الإيجابي نحو تسوية العلاقات مع الجارة الشرقية، بالإضافة إلى دعوته إلى فتح صفحة جديدة، "موقفه من الاحتجاجات في الجزائر التي اعتبرها شأناً داخلياً، ولم يقحم نفسه فيها، على الأقل رسمياً".

وأضاف: "قد تنفرج العلاقة بين البلدين إذا استمرت المواقف بهذا النسق الدبلوماسي، وتتابعت الخطى نحو فتح حوار ثنائي جدي".

وكان العاهل المغربي قد اقترح على الجزائر في مناسبتين إنشاء "آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور" لإنهاء الأزمة بين البلدين وإحياء العلاقات من دون أن يلقى  رد.

ووصف محمد السادس وضع العلاقات بأنه "غير طبيعي وغير مقبول"، وقال إن هذا الواقع "لا يتماشى مع الطموح الذي كان يحفّز جيل التحرير والاستقلال إلى تحقيق الوحدة المغاربية".

وافترض حفيظ زرزان أن يكون لوضع الجزائر الحالي تأثير على موقفها، إذ "لا تزال الشرعية على المحك، والاحتجاجات مستمرة"، لافتاً إلى أنه "لا يمكن الجزم بأي شيء في الموضوع، والجزائر لم تزل على وقع الحراك، وقد تظهر مؤشرات وتطورات قد تغير هذه القراءة كلياً".

الديمقراطية هيَ الحل

وقال خالد البكاري لرصيف22 أن فتح الحدود وتطبيع العلاقات بين المغرب والجزائر، "مرتبطٌ بمستوى تقدم الديمقراطية وتراجع السلطوية في البلدين"، وأيضاً بترجمة السياسات الخارجية لاختيارات ممثلي الشعب عبر انتخابات نزيهة.

وأضاف: "إن كلا النظامين يلجأ في لحظات الأزمة إلى افتعال أخطار قادمة من الجانب الآخر للتغطية على احتقانات داخلية"، وإن كانت الموضوعية، حسب البكاري "تقتضي القول إن المتنفذين في حكم الجزائر يلجأون إلى هذه المناورات أكثر من المغرب، الذي من مصلحته فتح الحدود".

ورأى حفيظ زرزان أن "مستقبل العلاقات رهين بطرفي الأزمة، ومدى سير النظامين نحو الدمقرطة لحل حقيقي جدي ونهائي"، وأوضح أن هذا الاتجاه "سيخدم مصلحة البلدين ويتجاوز مسكنات الأزمات الحالية التي يتخبطان فيها معاً"، مشدّداً على  أن العلاقات "مصيرها في النهاية الوحدة والتعاون"، لأن "الحوار حول الحدود ضرورة ملحة لكليهما لا بد من حسمها كحل إنساني للشعبين، ولتسريع الفرص الاقتصادية".

ولفت الأكاديمي في جامعة الجزائر نور الدين بكيس إلى أن مصير ملف الحدود المغربية الجزائرية يقع بيد السلطة، ونقلت عنه شبكة DW الألمانية قوله: "نحن نعلم أن غالبية الانتخابات هي انتخابات صورية شكلية، ولو تمت انتخابات حقيقية لما بقيت هذه النخب الحاكمة في مناصبها، وبالتالي هي معادلات خارجة عن إرادة الشعوب".

وبخصوص الأسباب الكامنة وراء الإبقاء على غلق الحدود، قال: "كِلا الطرفين كانا دائماً بحاجة إلى ذلك الخطر الخارجي للتغطية على الشرعية الداخلية"، وأضاف: "نعلم جيداً أن هناك مشكلة شرعية داخلية، وكان من الممكن جداً عدم اللجوء إلى غلق الحدود، لكن ذلك يوضح أن غلقها ما هو إلا إرادة سلطة سياسية وليست إرادة شعبية وأعتقد أن الكلام نفسه يمكن قوله عن المغرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard