"عش الوطواط وملعقة السنبلة".. الطرق الغريبة للنصب في صعيد مصر

الثلاثاء 10 ديسمبر 201904:49 م

انتشر الخبر سريعاً، فور دخول تاجر خمسيني غريب القرية، باحثاً عن "باجور الجاز النحاسي أبو كباس"، ماركة "الأهرامات الثلاثة"، لكي يشتريه بأي سعر. لم يدم بحث الغريب عن غايته أكثر من ساعة، ترك فيها رقم هاتفه مع البعض، وانتقل بعدها لقرية أخرى في صعيد مصر، لفعل نفس الأمر، انتشر الخبر سريعاً، لتبدأ بعدها حمى البحث عن "الباجور"، وقلب البيوت رأساً على عقب.

ولمدة شهرين آخرين يأتي التاجر يسأل ويختفي، ويرتفع سعر "الباجور" النادر، ويعرض التاجر 50 ألفاً مقابل الواحد، وتناثرت الشائعات حول سعره الذي وصل إلى 150 ألف جنيه.

في أحد الأيام يدخل القرية "بائع روبابيكيا" غريب، ويا للمصادفة تجد معه "باجور" قديماً جداً، ومع التدقيق فيه يعرف الجميع أنه "المطلوب"، ويبدأ المزاد على سعره مع بائع الروبابيكيا، ليصل إلى ألف وخمسمائة جنيه، أخرجها أحدهم من جيبه للبائع، بعدما اتصل بالتاجر الذي يبحث عن "الباجور"، وأخبره أنه وجد واحداً، فقال له إنه سيشتريه منه بـ50 ألف جنيه، وأنه قادم للقرية بعد ساعة. ليرتفع السعر أكثر ليصل إلى 10 آلاف جنيه، دفعها أيمن. ع. ش (45 عاماً)، بالاشتراك مع ثلاثة آخرين، وانتظر الجميع أن يأتي التاجر الغريب ليشتريه منه كما قال بـ50 ألف جنيه، لكنه لم يأت، ولن يأتي.

"الرجل الذي باع الترام"

تكرر الأمر في 5 قرى أخرى بمحافظة المنيا فقط، بنفس السيناريو، ليتضح للجميع في النهاية أنها حيلة جديدة من حيل النصابين للاحتيال عليهم، ومن بعدها جاء نصابون آخرون يسألون عن "الملعقة السنبلة" القديمة، ووضعوا لها سعر 15 ألف جنيه، و "الهاون النحاس القديم"، ماركة الأهرامات أيضاً بسعر 70 ألفاً، وقيل إنه يحتوي على النحاس القديم المشابه للذهب، والذي يستخدمه الصاغة في عمل المشغولات الذهبية، كذلك "ماكينة الخياطة" المرسوم عليها "الأسد"، التي وصل سعرها 100 ألف، ويتندر البعض على من وقع ضحية عملية النصب هذه، ويذكرونه بجده الذي اشترى "التروماي".

"كل فترة يظهر في مصر "مستريح" جديد، والمثير للدهشة أنهم يستخدمون نفس الحيلة، وينجحون في خداع الحالمين بالربح السريع، وذلك بسبب الأزمات الاقتصادية"
أبو مينا (55 سنة) صياد من المنيا، ترك قاربه الصغير وشباكه، وظل يبحث عن "عش الوطواط"، بعدما أخبره "شيخ" أن بيته يقع فوق مقبرة فرعونية كبيرة لن تفتح إلا بـ"عش الوطواط"

قصة "الرجل اللي اشترى الترماي" ليست نكتة يتندر بها المصريون، لكنها تعدّ أشهر وأطرف واقعة نصب حدثت في تاريخ مصر الحديث، ونشرت تفاصيلها جريدة "أخبار اليوم" بتاريخ 3/1/ 1948، وبطلها هو رمضان أبو زيد العبد، الذي كان يركب الترام رقم 30 من شارع القصر العيني، ووقف إلى جواره أحد القرويين فهم منه أنه جاء إلى القاهرة يحمل المال، الذي يمكنه من البدء في عمل مشروع.

رمضان وجد الفرصة سانحة، وبدأ يعرض عليه أعمالاً مختلفة، إلى أن جاء ذكر زحمة الترام، هنا عرض عليه أن يشتريه، وبالفعل اقتنع القروي، وذهبا إلى المحامي لتوثيق العقد الذي كان بـ200 جنيه، دفع منها القروي الذي كان اسمه حفظ الله سليمان 80 جنيهاً، وكتب شيكات بـ120 جنيهاً.

ومن سوء حظ رمضان أبو زيد أن البوليس كان يحفظ قائمة سوابقه، فقبض عليه، وتعرف عليه "حفظ الله"، ودخل السجن، وأمضى فيه سنتين ونصف السنة.

وحول الكاتب الصحفي جليل البنداري هذا الحادث الشهير إلى فيلم سينمائي باسم "العتبة الخضراء"، قام الممثل أحمد مظهر فيه بدور النصاب الظريف، وإسماعيل يس بدور القروي الساذج.

"عش الوطواط"

في الصعيد أيضاً، وبعد عملية "الوابور الجاز"، الأمر ذاته تكرَّر في البحث عن "عش الوطواط" الذي انتشرت شائعة أنه يساعد في معرفة أماكن المقابر الفرعونية تحت البيوت، وفتحها، الأمر الذي جعل الحالمين بالثراء السريع، والبحث عن الآثار يخرجون فرادي وجماعات إلى الصحاري والخرابات القديمة للبحث عنه وبيعه.

أخبره "شيخ" أن بيته يقع فوق مقبرة فرعونية كبيرة لن تفتح إلا بـ"عش الوطواط"

هكذا فعل أبو مينا (55 سنة) صياد من المنيا، بحسب حديث لرصيف22، الذي ترك قاربه الصغير وشباكه، وظل يبحث عن "عش الوطواط"، بعدما أخبره "شيخ" أن بيته يقع فوق مقبرة فرعونية كبيرة لن تفتح إلا بـ"عش الوطواط"، ما يعيد للذاكرة هوس المصريين في تسعينيات القرن الماضي بأسطورة "الزئبق الأحمر" الموجود في المومياوات الفرعونية، كما روجت الشائعة وقتها، الذي يعيد الشباب ويشفي من كل الأمراض، ونسج المصريون حوله الأساطير، وقيل إن أجهزة التليفزيون القديمة ماركات الأبيض والأسود بها مادة "الزئبق الأحمر"، وجمع بائعو الخردة هذه الأجهزة بشتى الطرق وبأعلى سعر، ليكتشفوا في النهاية أنها خدعة جديدة، وتحدثت عن الشائعة، وقتها كل وسائل الإعلام، وكان مادة ثرية أيضاً للسينما والدراما.

"الريان" نصاب خلدته الدراما

لكن الدراما المصرية لم تخلد نصاباً باسمه الحقيقي، وتتناول قصة حياته في عمل يحمل اسمه، كما فعلت مع "الريان"، أو أحمد توفيق عبد الفتاح الريان، صاحب أسطورة توظيف الأموال ومبتدعها في ثمانينيات القرن الماضي، والذي تورط في قضيته الشهيرة بعض المشاهير، ونجوم المجتمع والشيوخ، وحتى رجال الحكومة آنذاك.

وقتها استيقظت مصر فجأة على خبر القبض على "الريان" بتهمة تبديد أموال المودعين في شركته، والمضاربة بها في البورصات العالمية، ووصلت هذه المبالغ لأكثر من 3 مليار جنيه، وخسر المصريون أموالهم بطرفة عين، وحكم على الريان بالسجن لمدة 23 عاماً، ليخرج في عام 2010 في نفس العام الذي عرض فيه مسلسل يحمل اسمه، وقدم شخصيته الممثل الراحل خالد صالح، ليصنع ضجة أخرى حول اسم "الريان"، الذي قام بمقاضاة صناع العمل، ولم يحكم في القضية حتى رحيل أشهر النصابين إثارة للجدل في مصر في 2013 مخلداً اسمه في التاريخ.

"المستريح" أو "ريان الصعيد"

مؤخراً ظهر لقب جديد لكل نصاب يستخدم طريقة "توظيف الأموال" وهو "المستريح"، وانتشرت الكلمة كالنار في الهشيم، عقب القبض على رجل الأعمال أحمد مصطفى إبراهيم، وشهرته "المستريح"، الذي عرف باسم "ريان الصعيد" خلال عام 2015، بعدما استولى على أكثر من 2 مليار جنيه من المودعين المصريين بحجة تشغيل أموالهم في التجارة بنسبة ربح 30 %، وحاول الهرب خارج مصر، لكن تم إلقاء القبض عليه، وصدر حكم بسجنه 15 عاماً.

ومن بعده كل فترة يظهر في مصر "مستريح" جديد، والمثير للدهشة أنهم يستخدمون نفس الحيلة، وينجحون في خداع الحالمين بالربح السريع، كما أكد هاني توفيق، الخبير الاقتصادي في تصريح لرصيف22، الذي أرجع وجود ظاهرة "المستريح" إلى ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة التضخم، وحالة الركود التي تشل الأسواق، ما يجعل المواطنين يقعون في شباك النصابين بحجة تشغيل أموالهم بنسبة أرباح كبيرة عن البنوك، ويجمع النصاب أكبر قدر من الأموال ويفر هارباً.

وأشار توفيق إلى أن قانون العقوبات يعتبر النصب "جنحة" ولا يزيد الحكم في تلك القضايا على 7 سنوات، بخلاف قضايا الرأي العام الكبرى، مثل "الريان" و"المستريح".

وبشكل عام، يقول توفيق، تنص المادة رقم 336 من قانون العقوبات المصري، والخاصة بجرائم النصب، على الحكم على المتهم من شهر إلى 3 سنوات فقط.

المرأة الحديدية

لم تقتصر عمليات النصب في مصر على الرجال فقط، فقد سطرت المرأة اسمها في تاريخ النصب والاحتيال، وربما في تاريخ مصر الحديث أيضاً، بعد قضية "المرأة الحديدية" سيدة الأعمال هدى عبد المنعم، التي أسست "شركة الهدى مصر" للمقاولات عام 1986، ونفذت عدداً من المشروعات بمصر وبعض الدول العربية، ونجحت في جمع أكثر من 45 مليون جنيه، من خلال حملة إعلانية واسعة، كما سهل لها كبار المسؤولين في البنوك والحكومة وقتها، الحصول على الملايين بضمانات وهمية، وبعد تقديم عدد من المواطنين بلاغات ضدها، وقبل إلقاء القبض عليها تمكنت من الهرب إلى اليونان، وصدر أكثر من حكم غيابي بسجنها، وصل مجموع الأحكام إلى 60 عاماً. وألقت الشرطة المصرية القبض عليها فور عودتها فجأة في عام 2009 ليتم سجنها 5 سنوات فقط.

وقد قدمت السينما المصرية أيضا قصة المرأة الحديدة في فيلم بعنوان " هدى ومعالي الوزير"، قامت فيه الفنانة نبيلة عبيد بلعب دور "المرأة الحديدية"، والفيلم أخرجه سعيد مرزوق عام 1995.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard