تذكّر بمسيرات صدّام ونظامه... "مسيرة" جماعات السلطة الدموية في بغداد

السبت 7 ديسمبر 201912:01 م

أُشرك جمهور القسم الإيراني من الحشد الشعبي، مدعوماً ببعض نافذي العشائر، بمسيرة ضد المتظاهرين السلميين. المسيرة هو المصطلح المناسب، لأن كل ما فيها يذكرنا بمسيرات صدام ونظامه. كان ينظم حشوداً بواسطة مليشيا الجيش الشعبي والرفاق الحزبيين، ويأخذ الحشود لتوفير العدد ورفع الأعلام. لكنه لم يكن مضطراً إلى استخدامها لتمرير القمع، لم تكن هناك حاجة إلى ذلك.

اختلف الأمر في حالة المليشيات الموجودة الآن على الأرض العراقية، والمدعومة قلباً وقالباً من نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبعد إخفاقها في قمع التظاهرات، رغم هول رقم الضحايا، اضطرت إلى تنظيم مسيرة في السادس من كانون الأول/ ديسمبر، مررت عبرها مسلحين انقضّوا بالسلاح على المنتفضين العزّل.

الخميس، في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر، كان يوم استراحة من عمل. ولأنّي احتجت إلى النوم، لم أصحُ إلا في ساعة متأخرة من الضحى. وحين استيقظت وجدت رسائل من صديق يخبرني فيها عن تظاهرة تقف وراءها جماعات في السلطة وترفع صور المرجع الشيعي علي السيستاني وتندد بأمريكا، وتبث أحداثها على قنوات المليشيات والأحزاب الموالية لطهران.

كان لدى الصديق معلومات خاصة، تقول إن الهدف هو المطعم التركي الذي يمثل مركز تواجد المنتفضين في ساحة التحرير، وإن الغاية هي إقامة خيام وسط ساحة التحرير كطابور معاد للتظاهر.

وَضَحَ أن السلطة وسلطة الظل تسعيان إلى اختراق الاحتجاجات من الداخل لـ"أكل" التظاهرات. قامتا بتسيير الموالين يوم الخميس، أي قبل يوم من الجمعة الذي يشهد تظاهرات حاشدة، لأنه يوم عطلة وليس لأنه يوم صلاة الجمعة.

الجمعة خطب ممثل المرجع السيستاني في كربلاء، وأدلى بدلوه حول قانوني الانتخابات ومفوضيتها... بالطبع ليس من جديد سوى التأكيد على أنه لا يقف مع أحد، في إشارة إلى مسيرة المليشيات الموالية لإيران التي رفع المشاركون فيها صوره. وربما كان هذا مهماً، لأن أحزاب السلطة لطالما اعتاشت على صور السيستاني وتأويل كلماته.

التحركات المليشياوية

عصراً، بدأت التحركات المليشياوية. مسلحون اقتحموا ساحة الخلّاني ومباني قرب جسر السنك في بغداد، وبدأ العنف. نظرياً، لا أحد يعرف مَن هم أولئك، أما عمليا فلا أحد يستطيع أن يقوم بذلك سوى أولئك القادمين الخميس، بمعنى أن الذين قتلوا الناس ليسوا من الشرطة والجيش، وليسوا من داعش والبعث، لأن الأخيرين لا يمكن أن يدخلا بغداد بمثل تلك العلنية.

هناك جهة واحدة قادرة على أن تكون مسلحة في وضح النهار هي الميليشيات التابعة لإيران. فعل جاء بالتزامن مع إدراج وزارة الخزانة الأمريكية أسماء عراقية في قائمة عقوبات جديدة، وعلى رأسها قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق.

قيس الخزعلي

ليس معلوماً إلى أين ستصل الأمور. العنف يولّد العنف بالطبع. المعلوم أن الاحتجاجات قاومت كل القمع حتى اللحظة، وبقيت سلمية، وما حدث من حرق أو انتهاكات لم يكن أكثر من اندفاعات تقول الكثير من المعلومات إن خلف بعضها أكثر من جهة قاتلة، مع العملية السياسية أو ضدها، تعمل على استغلال شباب في عمر البدايات المندفعة.

لكن المليشيات الخائفة من تطورات مجلس الأمن والإرادة الأمريكية غير الواضحة حتى الآن، تسعى إلى إطفاء التحرير، وإغلاق الملف، كي لا يتم الضغط عليها أكثر، وكي لا تتطور الأمور إلى ما لا تستطيع السيطرة عليه.

إيران التي قمعت شعبها بما يشبه أفعال شاهها السابق، تريد أن يُقمع العراقيون أيضاً، كي يبقوا مجرد رقم في معركتها بالنيابة. هي لا تتجرأ على أن تخوض معارك مباشرة، فتكلّف العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والفلسطينيين بخوضها.

العراقيون، وفي مقدمتهم غالبية شيعتهم، قالوا "لا" عريضة... قالوا انتهى زمن إيران في بغداد. لكن آلة القتل ستحصي ضحايا، وستستمر بالإحصاء. وليس مهمّاً ما هي النهايات. في النهاية، هم مجموعة عزّل إلا من المباني التي يتمركزون فيها ودعم الشعب لهم. المهم هو ما تركته المرحلة الراهنة. قسّمت العراقيين إلى قسمين: المليشيات القاتلة ومن خلفها السلطة وفي المقابل هناك الشعب.

العراقيون ضد إيران

ألم يقل العراقيون "بغداد لن تكون قندهار" عام 2010، وفشل الحاكم بأمر القمع الديني في أن يجعلها قندهاراً؟

فعلوا...

ألم يرفعوا مبكراً عام 2011 شعار: "كذاب نوري المالكي" ويعلنوا أن خطره بان وانتهى زمنه بعد حين؟

نعم. انتهى حاملاً عار الموصل وسقوطها بيد أسوأ ما أخرج الله.

ألم يقولوا "باسم الدين باكونه (سرقونا) الحرامية" ولم يعد الحاكمون قادرين على أن يوظفوا الدين؟ّ

نعم. ولم يعد الدين مدخلاً للنهب، ولم تعد الأكثرية تصدّق دين الحاكمين بأمر الدين.

وها هو شعار الوقت الراهن "أكو وطن، أكو حكومة".

أسقطوا الضعيف الغبي الذي ورّطته إيران ليكون خصم الناس، وأصبح في السبعينيات من عمره مجرد قاتل يشار إليه كامتداد للقاتل الكبير السابق صدام حسين.

إيران التي قمعت شعبها بما يشبه أفعال شاهها السابق، تريد أن يُقمع العراقيون أيضاً، كي يبقوا مجرد رقم في معركتها بالنيابة. هي لا تتجرأ على أن تخوض معارك مباشرة، فتكلّف العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والفلسطينيين بخوضها
بعد إخفاق الميليشيات الموالية لإيران في قمع التظاهرات العراقية، رغم هول رقم الضحايا، اضطرت إلى تنظيم مسيرة في السادس من كانون الأول/ ديسمبر، مررت عبرها مسلحين انقضّوا بالسلاح على المنتفضين العزّل

تظاهرة الجزء الإيراني من الحشد الشعبي، والتي أعلنت دعم السلمية، جاءت لدعم السلاح، لدعم الجريمة. بالتأكيد، لا يمكن لقتلة أن يكونوا داعمين للسلمية... السلم يدعو إليه شباب لا صلة لهم بحمل السلاح ضد إخوانهم، وليس جماعات تقتل للرعب والإرهاب وفرض الإرادة السياسية والنمطية المضادة لحرية المرأة والرجل، لحرية الإنسان.

"لكن" ومضطر أن أضع الـ"لكن" بين مزدوجين كونها مهمة، يُقال إن أصحاب القبعات الزرقاء يحمون المتظاهرين ضد هجمة أصحاب السلاح والسيارات من قتلة المليشيات، وهذا شيء مهم وعظيم يشكر عليه فاعلوه. ومبرر الـ"لكن" أن القبعات الزرقاء باختصار صدرية، تابعة لمقتدى الصدر، ولديها أجندتها.

سبق للناس أن اكتووا بنار الصدر، ليس فقط باعتباره مسؤولاً رئيسياً عن أول ميليشيا وجهت سلاحها إلى صدور العراقيين بعد 2003، الشيعة والسنّة على حد سواء، وليس لأن جلّ المليشيات، ربما باستثناء منظمة بدر، تنحدر من ثقافته المسلحة، بل لأنه سبق وسرق تظاهرات عام 2015، ووظفها ليفوز بأكثرية نيابية لم تفعل شيئاً سوى أن استمرت في لعبة الشريك ذي حصة الأسد الذي يعارض. هي لعبة مقتدى الصدر.

مقتدى الصدر

هو الآن في إيران، ماذا يفعل؟

هل يمكن أن يحدثنا أي شخص مدافع عن مبرر وجوده في قم، بينما العراق ينتفض؟

هل إيران دولة ديمقراطية إلى الحد الذي يجعلها تضم على أرضها شخصاً يُقال إنه يهدد مستقبلها في العراق؟

الصدر في إيران

ماذا يفعل في إيران؟

يدْرس عند جعفر سبحاني، لا أدري إن كان صاحب كتاب "الإلهيات" يدرّس باللغة العربية.

ماذا يعني أنه يدْرس؟ يريد أن يكون مرجعاً؟

حق مشروع. أهلاً فيه كعربي وسط هيمنة الإيرانيين.

لماذا لا يبقى في العراق ويمارس دراسته ومذاكرته؟ سأعد له أسماء أساتذة في النجف يضعون سبحاني في جيوبهم الصغيرة، فلست غريباً عن المدارس الفقهية وأساتذتها.

لماذا يرسل إلى الناس أصحاب القبعات الزرقاء للحماية؟ هل يريد خيرهم؟

لا بالطبع. هي اللعبة نفسها التي لعبها عام 2015، حين وجد الناشطون أنفسهم بين خيارين، فاضطروا للجوء إليه، وها هم يجدون أنفسهم بحاجة إلى "السيد القائد".

سيُقال إن الصدر أفضل من قيس الخزعلي وهادي العامري وعلي خامنئي، وهنا سأقول بوضوح بلهجة عراقية "على كيفكم بويه، هذا الرجل هو امتداد للمشروع الإيراني، وهو رب الخزعلي وزميل العامري وحليف خامنئي وتلميذ نصر الله"، وقبعاته الزرقاء كادت أن تورّط الناس في معركة النجف ضد القبور، ضد قبر محمد باقر الحكيم تحديداً، ليس لأن الحكيم عظيم، وقبره مهم، لا بالطبع، فالقبر قصة فساد كبيرة، بل لأنه لم يرد قبراً سوى قبر أبيه يأتي في المرتبة الثانية بعد ضريح الإمام علي بن أبي طالب.

لقد زج الشباب في الحريق الكبير، ثم انبرى بعد الفشل، لأن يكون المنقذ. والآن يقدم نفسه المنقذ للتحرير والخلّاني. لعبة إيرانية بامتياز، يقف خلفها قاسم سليماني، لاعب الأماكن الملتهبة كلها.

وعوداً على بدء، إلى تظاهرات المليشيات التي تنتفض ضد المنتفضين، ضد السلميين، تحت شعار حماية السلمية: لا بد من جملة واحدة أخيرة، جملة صريحة بعيداً عن مزايدات أتباع إيران هي "التعبير الوحيد عن السلمية يرفعه مَن يقتلهم حلفاء إيران".

الذين لم يتورطوا بدماء بريئة، الآن وسابقاً، هم غير مليشيات الحشد وليسوا الصدر ولا يمكن أن يكونوا البعث وليسوا القاعدة وداعش ومليشيات ما سمي بالمقاومة "الشريفة"، وليسوا الجوكر إذ أنه مجرد مزحة شبابية رمزية، أظنها أفضل من أن يكون قاسم سليماني هو المزحة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard