السيستاني... هل هو الولي الفقيه أو الرجل الواعظ أو مرجع الاحتمالات؟

الجمعة 13 ديسمبر 201904:33 م
Read in English:

Al-Sistani, A Shia Guru For All Seasons

عام 2005، التقيت بممثل المرجع الشيعي علي السيستاني، أحمد الصافي، في قصر المؤتمرات في بغداد. كانت المرة الثانية. الأولى كانت في سوريا قبل سنوات من ذاك التاريخ، وتجادلنا خلالها بشأن آراء العلامة الإصلاحي في الفقه والعقيدة، محمد حسين فضل الله، جدالاً عقيماً.

أحمد الصافي

في المرة الثانية، كنت موفداً لقناة الحرة، وتحديداً برنامج "العراق يقرر"، لمتابعة جلسات لجنة كتابة الدستور. كان هو عضواً في اللجنة. اعترضت طريقه أثناء مغادرته مكان الاجتماعات. ولا أدري إنْ تذكّر أن لنا لقاء سابقاً. أوقفته لأسأله عن رأيه بالجدل حول ما إذا كان الدين مصدراً أساسياً أو المصدر الأساسي أو الوحيد للتشريع. اكتفى بالقول إن على الدستور أنْ لا يشرّع ما يتعارض مع الإسلام، وإنهم حريصون على حماية هوية الشعب الإسلامية.

بعدها بقليل، رأيت النائب ضياء الشكرجي، العضو في حزب الدعوة آنذاك، جالساً في مقهى الجمعية الوطنية. ذهبت إليه لأشاركه ما سمعت. رد علي بأن "الإخوة مشغولون بالهوية الإسلامية وثوابت الشريعة وعاشوراء والمرجعية في الدستور، بينما الأكراد يحققون ما يريدون من مكاسب ملموسة". كان الشكرجي يقدم نفسه إسلامياً معتدلاً، لم يحسم أمره، وهو ما آخذناه عليه، غير أنه لم يطل الانتظار، سرعان ما أخذ طريقه الجديد نحو السخرية من مفردة إسلامي معتدل.

ضياء الشكرجي

مثّل الصافي السيستاني في لجنة كتابة الدستور. زعيم المؤسسة الدينية أوفد ممثلين اثنين إلى اللجنة، وبتعبير أدقّ كانا مرشحين لقائمة "الائتلاف العراقي الموحد"، الشهيرة برقم 169 ورمز الشمعة، في انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية. كلاهما حصل على مقعد بموجب القوائم المغلقة. الممثل الآخر هو علي عبد الحكيم الصافي، ممثل النجف الأقوى في البصرة.

"اطلع منها سالماً"

قادة الشيعية السياسية بدوا كأنهم استفادوا من ذلك، كي لا يعودوا في كل مرة إلى السيستاني من أجل السؤال. أذكر هنا ما كان يقوله السياسي الكردي الشهير، محمود عثمان، بشأن السياسيين الشيعة عامي 2003 و2004، من أنهم يتفقون ثم يتراجعون لأنهم لم يستشيروا السيد. يبدو أنهم التزموا بفرضية عراقيةٍ قديمة "ذبْها (ألقيها) ابْراسْ عالم واطلع منها سالم".

التاريخ يقول إنهم تمردوا لاحقاً على المرجعية. ووصل الخلاف بين الأخيرة وبين نوري المالكي، رئيس الحكومة الأسبق، إلى صعوبات كبيرة. أمر مفهوم. المالكي بنزعته الدكتاتورية المعروفة، ومحاولته ليكون "صدّام الشيعي"، لا يريد مرجعاً. والسيستاني ذو الموروث الطويل والعريض، موروث الدولة الشيعية الظل، لا يمكن أن يسمح بأن يُسحب البساط من تحت تلك الدولة باعتبارها ممثلة للإمام الشيعي الغائب، لصالح سياسي يرى نفسه أيضا نائباً عن قيادة الغائب السياسية. مرجع النجف يسعى إلى ألا ينافسه أحد، حتى لو كان المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو بدوره يرفض منافسيه النجفيين.

مثلاً، الخوئي، وهو أحد أهم فقهاء النجف على مر العصور، لم يكن على وئام مع نظيره الخميني الموجود في إيران. ومَن عاش تجربة الثمانينيات والتسعينيات الشيعية يتذكر جيداً كيف كان نظام ولاية الفقيه يحرّك أدواته ضد النجف. ومن بين الأدوات معارضون عراقيون، مثل القيادي في المجلس الأعلى، صدر الدين القبانجي الذي كان يتعبّد بتخوين الخوئي، إلى أن تعرّض مرة إلى الضرب من قبل مهاجرين عراقيين جدد في إيران، كانوا لا يعرفون أحداً يوالونه غير الخوئي. هذه الحادثة وقعت عام 1991 أو 1992.

أبو القاسم الخوئي

مع أواسط تسعينيات القرن الماضي، قبلتْ صحيفة كيهان الإيرانية على مضض بنشر صورة آية الله السيستاني كأحد خلفاء الفقهاء تسعينيي أو مئويي السن الراحلين. بالطبع، لا كيهان ولا مطابخ القرار في طهران، كانت قادرة على اختيار الفقيه المركزي. توجد شبكة واسعة تحدد البديل، شبكة لا علاقة لها بالفقه فقط، إنما مبنية كذلك على مصالح مالية ودينية ومؤسساتية.

الخوئي والسيستاني

نجح السيستاني، وأصبح الرجل الأول، رغم منافسة كبيرة ومؤثرة من أكثر من جانب، خصوصاً من منافسه المغدور محمد الصدر الذي اغتيل عام 1999 ويتهم النظام العراقي السابق بقلته. لكن المرجع الجديد لم يكن نافذاً بما يكفي، خصوصاً وأنه جاء في زمن منافسة شديدة، وسلفه الخوئي كان ذائع الصيت والمكانة، وأثيرت شكوك حول قدرات السيستاني الفقهية.

النجف مزاراً للسياسيين

جاء عام 2003 كتحوّل مهم. النجف أصبحت مزاراً للسياسيين والمبعوثين الدوليين. الأخضر الإبراهيمي ممثل الأمم المتحدة ظل زائراً دائماً. بدا واضحاً أن القرار يصدر من المدينة الدينية، وليس من عاصمة العراق. والمؤسسة الدينية جنحت للسلم، بعيداً عن جناحي الحرب: مقتدى الصدر المسكون بفكرة الحرب والمقاومة، ومراكز القرار المجتمعية السنّية التي لم تنسجم مع التغيير فحملت السلاح باعتباره مقاومة. ثم برز أبو مصعب الزرقاوي، زعيم القاعدة، وكيلاً عن حاملي السلاح ومقاومي الاحتلال، ليكون للعنف والإرهاب سيداً.

النجف

وفقد الأمريكيون سعة الخيارات، أمامهم المرجع ذو التأثير الآخذ بالتعاظم، وهو يلوّح بغصن الزيتون، ويمنع من أن يندفع الشيعة، غير الصدريين، في معركة المواجهة المسلحة. الثمن كان باهظاً: القبول بانتخابات متسرعة، بلا مرحلة انتقالية تتيح للعراقيين أن يفهموا معنى الديمقراطية، كما يريد المرجع ذو التأثير المتعاظم. أجريت الانتخابات، الناخب الشيعي اختار مَن هم قريبون من فقيه النجف، والكردي ذهب إلى مَن حقق له أقل ما يمكن تحقيقه من حلم الدولة الكردية، أي إقليم كردستان. وكان الناخب السنّي مسروقاً بالتهديد والوعيد من تنظيم القاعدة وجبن الحزب الإسلامي، فقاطع الانتخابات وثم الاستفتاء على الدستور.

"المرجعية الشيعية في العراق تمتلك فقها سياسياً مطاطاً، يمكن أن يقلص دورها إلى الصمت أو يجعلها تمارس دور الولي الفقيه الإيراني نفسه. من الصعب على أي شخص أن يفهمها، هي تريده أن يبقى جاهلاً لصلاحياتها الرئيسية، والمهم أنها تمارسها"
"المؤسسة الدينية الشيعية في العراق تتحرك لإنقاذ نفسها قبل كل شيء، وإنقاذ سمعتها التي تراجعت. فمستقبلها كله على المحك. وفي الوقت نفسه، هي لا تريد أن تتسبب بخسارة ساسة الشيعية السياسية كل شيء"

لكن ماذا أسس السيستاني لدوره فقهياً وعقائدياً؟ بمتابعات عامة سنجد أنه لم يؤسس الكثير من الناحية النظرية. لا توجد معطيات مدوّنة كافية لفهم ماذا أراد أو ماذا يريد الآن. هناك سلوكيات وأفعال متروك فهمها واقتباس النظرية منها للقرّاء والباحثين والمنقبين. المرجعية الدينية الماكرة تركت الأمور بدون تصريح. كانت طريقة مثلى لحماية المرجع من إعلان موقف عقائدي أو فقهي أو فكري يؤصل سلوكه الديني في السياسة، ويضطره إلى الالتزام الأبدي به.

السيستاني وريث مدرسة التقليد التي يمتد عمرها إلى نحو مئتي عام، أي المدرسة التي يذهب فيها "عوام الشيعة" إلى النجف كي يعرفوا الشريعة، وأيضاً ليسلّموا الزكاة الشيعية (الخمس). لكنه عملياً تدَخَّل مباشرة في الحياة العامة، أو في الحياة السياسية. أصبح يحدد ما إذا كان رئيس الوزراء السابق، أيُّ رئيس وزراء، صالحاً للاستمرار أو ليس صالحاً. أسقط نوري المالكي، وتحفظ على حيدر العبادي، والآن أعطى الضوء الأخضر لرحيل عادل عبد المهدي.

فقه سياسي مطاط

هذه المرجعة الدينية تشبه القوى الإسلامية التي تمسكت بالديمقراطية بعد تكفيرها، دون أن تقدم مقاربات فكرية وعقائدية. هي مرجعية تقاتل ساعية إلى الاستمرار في الاحتفاظ بنفوذها ومكانتها وما تريده من أهداف سياسية، سواء استجابة للشارع المنتفض أم بدون أن تكون هناك تظاهرة وثورة وانتفاضة. هي لا تطرح تأصيلاً فكرياً، تترك الموضوع رهناً للمعطيات المرنة وكأنها براغماتية في الفكر والعقيدة.

المرجعية النجفية تمتلك فقها سياسياً مطاطاً، يمكن أن يقلّص دورها إلى الصمت أو يجعلها تمارس دور الولي الفقيه الإيراني نفسه، بما يشابه دور النبي. إنها مهمة من الشاق جداً على أي شخص أن يفهمها. تريد أن يبقى المتابعون جاهلين لصلاحياتها الرئيسة. المهم أنها تمارسها. ربما ستفاجئ الصلاحيات المتابع وربما ستكون أقل مما يتوقع.

إنه فعل سياسي، تكتيك، مرونة ذكية، لكنه مكلف للعراقيين المتروكين للمصادفات. ربما يتوقعون الكثير فيأتيهم القليل، وربما لا يريدون القليل فيأتيهم الكثير. غير أن الفعل في اللحظة الراهنة يتصاحب أولاً مع السياسات الإيرانية والطريقة الصدرية، الأولى يديرها قاسم سليماني المستفيد من كل ما يقوله السيستاني، والثانية يديرها مقتدى الصدر المُدعي أنه منسجم مع المرجع، لكنه عملياً جزء من توّجه مخالف لما عليه ساكن شارع الرسول في النجف.

وهناك تكمن إشكالية الفقه في المدارس التقليدية. لا تترك أثراً. فيمكن أن يجد المرء الكثير من الكتب والآراء بشأن كيفية تصرّفه أثناء تواجده في بيت الخلاء، لكن معالجات قضايا بحجم المواقف السياسية وقضايا الأمم شحيحة.

من زاوية يمكن أن يُقال إن هذا أمر جيد، فهو عملياً إقرار من المؤسسة الدينية التقليدية بعدم تدخلها في تلك المعالجات، مقابل تدخل الإسلام السياسي فيها. لكن عملياً، الفقيه المنتمي إلى المؤسسة المذكورة يتدخل، يقوم بمهام معيّنة، يطالب ويجتمع ويلتقي. والدارس لا يجد ما يناقشه، لأن الموجود هو مجرد أفعال غير مبوّبة.

والآن، توجد انتفاضة يثار فيها الجدل حول موقف النجف. ويبدو أن المرجع، أو لأكون واضحاً في حالة السيد السيستاني، مؤسسته، وعلى رأسها ابنه محمد رضا، تتحرك لإنقاذ نفسها قبل كل شيء، وإنقاذ سمعتها التي تراجعت. فمستقبل المؤسسة الدينية كله على المحك.

هي أيضاً تسعى إلى منع الاحتراب، كون هذا بالتأكيد يتناقض مع تراث يقول إن أئمة الشيعة الإمامية، باستثناء الإمامين علي بن أبي طالب وابنه الحسين، لم يتحرّكوا بالسلاح ولم يطالبوا أتباعهم بحمله. وفي الوقت نفسه، هي لا تريد أن تتسبب بخسارة ساسة الشيعية السياسية كل شيء. تحاول أن تحقق الأهداف الممكنة، بنفس الطريقة المفتوحة على كل الاحتمالات التي ذكرتها.

وأيا تكن الطريقة، الأكيد أن مرجع 2005 الذي دفع الناس بكثافة إلى الانتخابات حتى لو قتل الزرقاوي مَن يشارك فيها، ليس نفسه في 2019.

الناس تغيّروا، وسمعة النجف الدينية لم تعد هي نفسها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard