"وحوش وشياطين وموت"... كيف تساهم الكوابيس في تدريبنا على مواجهة مصاعب الحياة؟

الجمعة 6 ديسمبر 201907:43 م

في عتمة الليل وبأحضان السكون، تتسارع خطوات وراءنا ونكتشف أن هناك شخصاً غريب الأطوار، مغطى بالدماء، يطاردنا كالمجنون، فنحاول أن نركض بكل قوانا للابتعاد عنه، إلا أن أقدامنا لا تطاوعنا. نتسمر في مكاننا ونشعر حينها بأصابع غريبة تقوم بالضغط على رقبتنا لخنقنا، وفجأة نستيقظ على صوت صراخنا فيما يتصبب العرق من وجهنا والدموع تنهمر من عيوننا...

لا شك أن جميعنا وقع "ضحية" الكوابيس والأحلام المرعبة التي قد تطارده بتفاصيلها المخيفة، فالبعض يلامس "شبح الموت" في منامه، والبعض الآخر يرى نفسه يغرق في بركة دماء، وهناك من يختبر السقوط من الأعلى أو اصطدام سيارته بشخص على الطريق... هذه "عيّنة" من الكوابيس التي تشبه قصص الأفلام المرعبة والتي قد تجعلنا نصاب بحالة ذعر ترافقنا طوال اليوم، وقد تجعلنا "نقاوم" فكرة الاستسلام للنوم بسهولة، خوفاً من عودة تلك المشاهد المرعبة إلى أحلامنا من جديد.

فما هي الكوابيس؟ وهل هناك من جانب مضيء لتلك الأحلام المزعجة والسوداوية؟

أحلام الشياطين

في اللغة الإنجليزية القديمة كانت كلمة nightmares (والتي تعني الكوابيس باللغة العربية) تدل على الشياطين، بحيث كان هناك اعتقاد قديم بأن الشيطان يسيطر على الناس أثناء نومهم.

وفي العام 1781، رسم هنري فوسيلي لوحته الشهيرة The Nightmare، بحيث عمد إلى رسم امرأة مستلقية على ظهرها في السرير، تبدو نائمة أو في حالة غيبوبة عميقة وعلى صدرها يجلس شيطان مخيف يحدق بها، وعليه أراد فوسيلي تجسيد مفهوم الكابوس من خلال الزعم بأنه يحدث نتيجة "التدخل الشيطاني".

غير أن أوصاف الكوابيس كانت موجودة قبل فترة طويلة من لوحة هنري فوسيلي، بحيث كان يتم تعريف "الكابوس" على أنه الاستيقاظ مع شعور وجود شيء ثقيل على الصدر وعدم القدرة على الحركة، ما يؤدي إلى الخوف والهلع، بالإضافة إلى هلوسات بصرية أو سمعية والخوف من الموت.

وبالرغم من أن هذه الأفكار قد تلاشت بعدما شدد العلماء على أن الكابوس هو جزء طبيعي من دورة النوم، إلا أن النظرة إلى الكوابيس بقيت كما هي، بحيث يتم تعريفها على أساس أنها أحلام مزعجة، تُحدث في أجسامنا تغييرات فيزيولوجية معيّنة لا تختلف كثيراً عن تلك التي تحصل أثناء مواجهة موقف مخيف في الحياة العادية: تسارع معدل ضربات القلب، تعرق، ارتفاع ضغط الدم وصعوبة في التنفس...

كان يتم تعريف "الكابوس" على أنه الاستيقاظ مع شعور وجود شيء ثقيل على الصدر وعدم القدرة على الحركة، ما يؤدي إلى الخوف والهلع، بالإضافة إلى هلوسات بصرية أو سمعية والخوف من الموت

هذا وتميل الكوابيس إلى الحدوث في أغلب الأحيان أثناء نوم حركة العين السريعة (REM) عندما يحدث معظم الحلم، ونظراً لأن فترات نوم حركة العين السريعة تصبح أطول تدريجياً مع تقدم الليل، فقد نجد أننا في أغلب الأحيان قد نعاني من الكوابيس في ساعات الصباح الباكر، أما عند الاستيقاظ من النوم، فقد يستغرق الأمر بضع ثوان أو دقائق لكي يستيعد الجهاز العصبي هدوءه.

سيناريوهات مرعبة

لا شك أن مواضيع الأحلام المرعبة تختلف من شخص إلى آخر، إلا أن هناك كوابيس كلاسيكية وشائعة يواجهها الكثير من الناس، كعدم القدرة على الجري بسرعة كافية للهروب من الخطر أو السقوط من ارتفاع كبير، أما في حال كانت هناك أحداث صادمة حصلت بالفعل على أرض الواقع، مثل حادث سير معيّن أو هجوم ما، فمن المحتمل أن يحلم المرء بكوابيس متكررة تتعلق بهذه التجارب، فقد وجدت دراسة أن الناجين من حوادث السيارات والدراجات النارية يعانون من كوابيس تتعلق بحوادث السير، كما كشفت دراسة أخرى أن 21% من النساء اللواتي وقعن ضحايا الاعتداء الجنسي عانين من كوابيس وأحلام مزعجة مرتبطة بتلك الأحداث، الأمر الذي جعلهن أكثر عرضة لتطوير اضطراب ما بعد الصدمة.

ما هي الأسباب التي تقف وراء الكوابيس والأحلام المزعجة؟

أوضح موقع webmd أن الكوابيس عند البالغين غالباً ما تكون عفوية، إلا أنه يمكن أن يكون هناك سبب معيّن يثيرها ويجعلها أكثر عرضة للظهور، ومن بين تلك العوامل نذكر:

الأكل قبل النوم: يعاني بعض الأشخاص من الكوابيس نتيجة تناولهم الطعام في وقت متأخر من الليل، ما يتسبب في زيادة عملية التمثيل الغذائي ويجعل الدماغ أكثر نشاطاً، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث الأحلام المزعجة.

تناول الأدوية: هناك بعض أنواع الأدوية التي تسبب الكوابيس، وهي الأدوية التي تعمل على المواد الكيميائية للدماغ، مثل مضادات الاكتئاب، بالإضافة إلى غيرها من الأدوية غير النفسية، بما في ذلك بعض أدوية ضغط الدم، كما أن الانقطاع عن الأدوية والمهدئات قد يسبب الكوابيس، من هنا فإنه يتعيّن على المرء أن يراجع طبيبه في حال تكررت الكوابيس بعد إقدامه على تغيير دواء معيّن.

قلة النوم: تتسبب اضطرابات النوم وعدم الحصول على مقدار كاف منه في بعض الأحيان في حدوث الكوابيس عند البالغين، وتشمل هذه الاضطرابات التوقف عن التنفس أثناء النوم، ومتلازمة تململ الساق، بالإضافة إلى الكثير من المشاكل النفسية التي تسبب الكوابيس، كالقلق والاكتئاب.

وفي معرض الحديث عن العوامل التي قد تسبب الأحلام المزعجة، اعتبر موقع inverse أن كل ما يحدث لنا قبل النوم أو في وقت مبكر من النهار يمكن أن يظهر في أحلامنا، بحيث تتسبب بعض الأحداث المجهدة، مثل اقتراب موعد الامتحان أو وقوع الكوارث الطبيعية أو وفاة شخص ما، في ارتفاع معدل الكوابيس المرتبطة بتلك الأحداث، هذا وأكد الموقع أن مشاهدة بعض أفلام الرعب قد تذكرنا مثلاً بحادثة معيّنة حصلت معنا في مرحلة الطفولة، فتلتصق بذهننا وتعود إلى الواجهة في إطار الأحلام.

أثر جيد على الصحة

بالطبع لا يرغب أحد في رؤية الأحلام العنيفة والكوابيس المرعبة، إلا أن هذه المنامات قد تخدم غرضاً مهماً لصحتنا العقلية.

ففي مقال نشرته في مجلة new scientist، تحدثت عالمة النفس ميشال كار، التي تدرس الأحلام في مركز الأبحاث المتقدمة في طب النوم في جامعة مونتريال، عن وجود نظريتين سائدتين وراء الكوابيس: النظرية الأولى تشير إلى أن هذه الأحلام المزعجة هي رد فعل على المواقف والتجارب السلبية التي تحدث أثناء ساعات اليقظة، أما النظرية الثانية فهي "محاكاة التهديد"، أي الفكرة القائلة بأننا كبشر تطورنا بشكل يسمح لنا برؤية الكوابيس كنوع من "البروفا" على المحن، بحيث نصبح على استعداد أكثر للتعامل مع أي موقف قد يحصل معنا في الحياة.

وبحسب فيديو نشرته New York Magazine بعنوان "الجانب الجيّد من الأحلام السيئة"، يؤكد بعض الباحثين أن الكوابيس تعتبر شكلاً من أشكال الإفراج العاطفي، فالأفكار المقلقة التي يتصارع معها الإنسان في حالة اليقظة تستمر في مطاردته وهو نائم، فيأخذ اللاوعي جميع هذه المخاوف المجردة ويحولها إلى قصص على شكل كوابيس.

ويشرح الفيديو أن الكابوس يأخذ في الأساس المخاوف التي تنتاب الإنسان ويحولها إلى ذكريات، وهذا أمر مفيد على الصعيد النفسي إذ إنه من السهل على العقل أن يتعامل مع الذكريات لأنها تمثل شيئاً ما حدث في الماضي، عوضاً عن التعامل مع مسائل حياتية مستجدة.

"يمكن اعتبار الأحلام تمريناً حقيقياً لتفاعلاتنا المستقبلية وقد تُعدّنا لمواجهة مخاطر الحياة الحقيقية"

وكانت دراسة أجرتها جامعة جنيف بالتعاون مع جامعة ويسكونسين في الولايات المتحدة الأميركية، قد أكدت أن الكوابيس تساعدنا كبشر على السيطرة على المواقف المخيفة أثناء اليقظة.

فقد طلب الباحثون من 18 متطوعاً ارتداء سماعات رأس EEG أثناء نومهم ومن ثم عمدوا إلى إيقاظهم عدة مرات أثناء الليل ليطرحوا عليهم مجموعة من الأسئلة التي تدور حول أحلامهم، وعما إذا كانت هذه الأخيرة تنطوي على الخوف، وبعد ذلك قارن الباحثون الإجابات مع نشاط الدماغ أثناء النوم.

ولاحظ العلماء أن هناك منطقتين من أدمغة الأشخاص تكون أكثر نشاطاً خلال "الأحلام المخيفة": القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية، وفي حين أن الأولى تقوم بتحديد وتقييم الاستجابات العاطفية، فإن القشرة الحزامية مسؤولة عن إعداد رد فعل الجسم على التهديدات (استجابة القتال أو الهروب).

وفي الجزء الثاني من الدراسة، احتفظ 89 مشتركاً بمذكرات عن أحلامهم طوال أسبوع، وعرض عليهم في وقت لاحق سلسلة من الصور المفجعة، أثناء الخضوع للتصوير بالرنين المغناطيسي، وقد تبيّن أن الأشخاص الذين سبق وأن أبلغوا عن تعرضهم للكثير من الأحلام المخيفة، اختبروا استجابة أقل على هذه الصور المؤلمة في القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية وفي اللوزة الدماغية (مركز الخوف في الدماغ)، كما تمت ملاحظة مزيد من النشاط في القشرة أمام الجبهية، وهي منطقة من الدماغ تقوم "بإخماد" استجابة الخوف.

وبالتالي عندما درس الباحثون كيفية استجابة الدماغ لأنماط من الأحلام، توصلوا إلى حقيقة أن الكوابيس تزيد من فعالية الدماغ لدى التعامل مع المواقف المخيفة أثناء اليقظة، وتعليقاً على هذه النقطة، قال الباحث لامبروس بيروغامفروس لموقع science focus: "يمكن اعتبار الأحلام تمريناً حقيقياً لتفاعلاتنا المستقبلية وقد تُعدّنا لمواجهة مخاطر الحياة الحقيقية".

وبالتالي، في المرة القادمة التي تستيقظون فيها وأنتم في حالة ذعر بسبب "زيارة مريبة" قام بها "شبح الموت" أو "وحش مفترس" في المنام، وغيرها من السيناريوهات المزعجة، تذكروا أن هذه الأحداث هي مجرد "بروفا" لتمرينكم على التغلب على المصاعب التي قد تواجهونها في "مسرح" الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard