إيزيديو سوريا وويلات التدخل التركي في مناطقهم عليهم

الخميس 14 نوفمبر 201901:08 م

لم تكن جراح الإيزيديين العراقيين التي سببتها جرائم داعش بحقهم في العراق قد التأمت حين صار إيزيديو سوريا من أبرز ضحايا عمليتي "غصن الزيتون" و"نبع السلام" التركيتين، إذ دفعوا ويدفعون فواتيرهما قتلاً وتهجيراً وهدماً لمزاراتهم.

تختلف الدراسات في تقدير عدد الإيزيديين السوريين، لكن علي عيسو، رئيس مؤسسة إيزدينا، وهي مؤسسة حقوقية تُعنى بشؤونهم أشار إلى أن تعدادهم يبلغ نحو 200 ألف نسمة، قبل أن يتقلص عقب بدء الأزمة السورية.

ويتوزع الإيزيديون في سوريا بشكل أساسي في منطقتين هما عفرين حيث توجد 22 قرية لهم؛ وشرق الفرات حيث يتركزون في 42 قرية، منها 37 سكانها بالكامل إيزيديون والبقية مختلطة مع المسلمين.

في ظل الإدارة الذاتية

في ظل الإدارة الذاتية التي أسسها الأكراد عقب بداية الأزمة السورية، مارس الإيزيديون طقوسهم الدينية وأقاموا احتفالاتهم بشكل علني كأعياد خضر إلياس والجماعية والأربعانية، حسبما تروي روشين موسى، عضوة مجلس المرأة في حزب الاتحاد الديمقراطي.

وأكدت موسى وهي إيزيدية لرصيف22 أنه جرى تمثيل المكوّن الإيزيدي في الإدارة الذاتية، من المجلس العام والكومينات المختلفة.

وتقول هيفين مصطفى، آخر رئيسة مشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين، لرصيف22 إن الإيزيديين "مارسوا نشاطهم بحرية" قبل التدخل التركي، مشيرة إلى أن الإدارة الذاتية جعلتهم ينظمون أنفسهم في جمعيات واتحادات، كان أبرزها الاتحاد الإيزيدي في عفرين.

تدمير المزارات الإيزيدية

يتجاوز عدد المزارات الإيزيدية في عفرين 17 مزاراً، وفي شهر آذار/ مارس 2018، أظهر شريط مصور عناصر ينتمون إلى مجموعة من الفصائل المدعومة من تركيا وهم يحرقون شجرة "مقدسة" في قرية كفرجنة أمام مزار هوكر، وظهر مزار شيخ جنيد في شريط آخر، مدمراً من الداخل، بعد نبش القبر وسرقته.

مزار شيخ جنيد

"معظم المزارات الإيزيدية إما دمرت بشكل متعمد أو سرقت محتوياتها وخرّبت"، يقول بير شامو، معلم الديانة الإيزيدية العفريني، في حديثه عما آلت إليه مقدسات الإيزيديين بعد دخول الأتراك إلى شمال سوريا، مذكراً بأن الإيزيديين نزحوا من حلب إلى عفرين وريفها عقب الحرب السورية وفتحوا مدارسهم الدينية في قراها لأكثر من أربع سنوات.

وأكد شامو لرصيف22 أن أول ضحايا الحرب التركية على عفرين هو الاتحاد الإيزيدي الذي لم تبقِ فيه الطائرات التركية حجراً على حجراً، وكان يضم هيكلين للنبيين زرادشت ولالش، كما قصفوا مزار تل عين دارا القابع على نهر عفرين والمعروف بغناه الأثري، ونهبوا كنوزه وآثاره، وكان يحتوي على معبد فيه أحجار أثرية ضخمة تعود إلى العصر الحجري وعليها صور ورموز دينية.

تل عين دارا

وأوضح معلم الديانة الإيزيدية أنه يحاذي تل عين دارا جبل ليلون المليء بالمعابد والآثار التي تعود غالبيتها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ويضم كهوفاً قديمة فيها أماكن عبادة الآباء الأولين، ويجاورها عدد من المواقع الأثرية الدينية التي تحتوي على رموز إيزيدية مقدسة مثل الشمس، الحية السوداء، وطير الطاووس.

وأكبر مزار تم تدميره هو مزار الشيخ بركات، أعلى قمة جبل ليلون، وهو قلعة دينية إيزيدية تضم داخل كهفها قبر الشيخ بركات وهو رجل دين من أسرة الشيخ عدي بن مسافر، القطب المؤسس للحركة العدوية الإيزيدية والذي أرسل من مركز الديانة في لالش لنشر الدعوة الإيزيدية، فقد حوّله الأتراك إلى نقطة مراقبة ووضعوا فيه آلياتهم العسكرية الضخمة.

وبحسب شامو، تعترف القرى الواقعة حول هذه "الزيارة" بكرامات هذا الشيخ، هذا عدا عشرات المزارات التي دُمّرت كزيارة بارسة خاتون، وزيارة شيخ حميد، وزيارة حنان، أو نهبت قبورها كزيارة شيخ جنيد وشيخ كراس.

وبيّن شامو أن "المتشددين" استخفوا بعقائد الإيزيديين بقطع أشجارهم المقدسة، مثل الشجرة التي كانت أمام زيارة الشيخ كراس، وكان الإيزيديون ينظرون إليها نظرة خشوع ويرون فيها روح الشيخ نفسه، بسبب اعتقاد بتناسخ الأرواح. وتكرر المشهد مع إحراق الشجرة الموجودة أمام زيارة هوكر، أحد أبناء النبي زرادشت، في وادي قرة جرنة.

التضييق الديني

"هددونا بأنهم سيقومون بما عجزوا عن فعله في شنكال"، أي في مركز الديانة الإيزيدية في العراق حيث ارتكب تنظيم داعش أعمال قتل وسبي واغتصاب للإيزيديات. بهذه الكلمات وصف سليمان جعفر، عضو البيت الإيزيدي في حلب تحذيرات مجموعات الجيش الحر قبل دخولهم عفرين، مضيفاً أنه بعد الاقتحام أرغموا الفتيات الإيزيديات على ارتداء اللباس الأسود الكامل.

سرقة مصوغات ربة أسرة خمسينية بعد ربطها بالحبل بجانب أبنائها وتهديد الجميع بالموت بحال الاعتراض... هذا غيض من فيض انتهاكات الفصائل السورية الموالية لتركيا لحياة الإيزيديين في شمال سوريا
في ظل الإدارة الذاتية التي أسسها الأكراد عقب بداية الأزمة السورية، مارس الإيزيديون طقوسهم الدينية وأقاموا احتفالاتهم بشكل علني، ولكن عقب التدخل التركي في شمال سوريا اختلف كل شيء وحضرت ذكريات مأساة إيزيديي العراق

وروى جعفر لرصيف22 أن أبشع القيود على الإيزيديين هي الإجبار على اعتناق الإسلام، إذ افتتح في قرية باصوفان مسجد ومدرسة لتعليم الإسلام، وكل إيزيدي يمتنع عن إرسال أبنائه للمدرسة الإسلامية أو المسجد يتعرض للعقاب.

وأضاف أن المسلحين أوقفوا الاحتفال بكل المناسبات الدينية، خاصة عيد الأربعاء الأحمر، والذي كان أبناء معظم القرى الإيزيدية يجتمعون فيه ويرددون التراتيل، ومنعوا إعطاء الدروس الدينية الإيزيدية.

ولكن المتهمين ينفون هذه التهم عنهم. يقول أزاد عثمان، رئيس مكتب رابطة المثقفين الكرد المستقلين وعضو المجالس المحلية في عفرين، وهي مجالس شكلتها تركيا بعد دخولها المدينة، إن الإيزيديين "يمارسون طقوسهم الدينية في منازلهم بحرية".

وقال لرصيف22 إن الجيش السوري الحر حرص على عدم الاعتداء على دور عبادة، مشيراً إلى أن القوات الأمنية المنتشرة في القرى الإيزيدية تتفهم الاختلاف الديني، وتبنّت خطاباً معتدلاً تجاههم.

بدوره، يقول مصطفى سيجري، رئيس المكتب السياسي في لواء المعتصم، وهو اللواء المعني بتأمين القرى الإيزيدية في عفرين: "دخلنا عفرين استجابةً لنداءات الأهالي".

ويضيف لرصيف22 أنه لم تسجل أية عملية هدم لأي دار عبادة للإيزيديين أو أي تضييق ديني ضدهم، وأن "الجيش الوطني" يرسل قوة عسكرية لحماية أية مناسبة بحال طلبت منه الشرطة المدنية ذلك، ويتحدث عن عودة آلاف السكان المحليين من مختلف المكونات إلى منازلهم.

مأساة التهجير

"قاومنا 58 يوماً للحفاظ على أرضنا وشرفنا"، يقول سربراست عيسو، النازح الإيزيدي من عفرين باتجاه مناطق الشهباء، مبيّناً أن الإيزيديين صمدوا حتى وصلت القوات التركية إلى مشارف عفرين مصاحبة بقصف عنيف اضطرهم للمغادرة. بدأ النزوح بقيام البعض بدفن جثث أطفالهم وآبائهم قبل الرحيل، بينما ترك آخرون جثث أطفالهم على الطرقات قسراً.

وصل الهاربون إلى الشهباء وكانت شبيهة بمدن الأشباح بسبب الدمار، وسكن كل 15 شخصاً في منزل مهدم لمدة شهرين، وافترش الباقون الشوارع أو الحقول، بحسب عيسو، وذلك في ظل نقص في كل شيء، وانتشار الأمراض، عدا الألغام التي خلفها داعش والتي قتلت الكثيرين.

ويشير عيسو إلى أن حياة النازحين الإيزيديين لا تزال معرّضة للخطر لأن المنطقة محاذية للجبهات، وتصلها قذائف عشوائية، وخاصة منطقة تل رفعت التي تقصف يومياً رغم امتلائها بالسكان.

وكشف مصطفى شان، رئيس جمعية الإيزيديين في غرب كردستان، أنه بعد السيطرة التركية على عفرين خرجت إلى الشهباء 1763 عائلة إيزيدية تضم حوالي 7000 نسمة، غير النازحين نحو حلب وشرق الفرات وعددهم 4000 نسمة وغير المهاجرين إلى أوروبا.

وأكد شان لرصيف22 أن الإدارة الذاتية أنشأت مخيمات لنازحي الشهباء، رغم النقص في كل مقومات الحياة، وندرة الأطباء والأدوية، بسبب حصار النظام السوري لهم واستخدامهم أوراق ضغط.

في المقابل، يقول عضو المجالس المحلية في عفرين أزاد عثمان أن مهمتهم الحالية هي إعادة النازحين إلى منازلهم، ونجحوا في إعادة قسم كبير وتسوية أوضاعهم، فكل مَن لم يرتكب جرائم يعود إلى منزله سالماً، موضحاً أنهم يواجهون منع حزب الاتحاد الديمقراطي للمهجرين من العودة واتخاذهم رهائن.

قتل وخطف ومعاناة النساء

"لم تغادر صور الإيزيديات في شنكال مخيلتنا". بهذه الكلمات وصفت رانيا جعفر، عضوة منسقية اتحاد المرأة الإيزيدية في حلب، معاناة نساء عفرين.

وأكدت جعفر لرصيف22 أن عناصر في الجيش الحر في عفرين أجبروا الإيزيديات على ارتداء الزي الإسلامي واقتادوهن إلى المساجد قسراً، ما أدى إلى التزام كثيرات منازلهنّ حتى أنهن لم يستطعن مساعدة أسرهن في موسم قطاف الزيتون، عدا حوادث اختطاف نساء ومطالبة أزواجهنّ بفدى.

قصص التعدي على الإيزيديين التي رواها المتحدثون لرصيف22 كثيرة منذ عام 2018: قتلت أحرار الشرقية "شمو ممو"، وهو رجل في العقد السادس من العمر بعد رفضه نطق الشهادتين برصاصة في الرأس؛ رمى عنصر في فصيل الحمزات قنبلة داخل منزل فاطمة حمكو عندما رفضت الخروج منه وتركه لمستوطنين جدد فقُتلت؛ عمليات خطف مطالبة بفدى تقوم بها فصائل الحمزات وأحرار الشرقية والسلطان مراد؛ سرقة مصوغات ربة أسرة خمسينية بعد ربطها بالحبل بجانب أبنائها وتهديد الجميع بالموت بحال الاعتراض؛ وضع الفصائل يدها على أملاك من بيوت ومعامل وكروم زيتون ومحلات؛ قطع أشجار زيتون يصل عمر بعضها إلى مئات السنين.

لكن المتحدث باسم فصيل نور الدين زنكي، والمقيم في عفرين، محمد أديب ينفي أن تكون هذه الأعمال ممنهجة ويقول إن الانتهاكات هي تجاوزات أفراد، وليست قائمة على أسس عرقية أو طائفية بقدر ما هي مصالح شخصية ودناءة مالية لبعض الأشخاص.

ويتهم أديب قوات حماية الشعب الكردية بالتلاعب بوتر الأقليات، "رغم ارتكابهم إبادات عرقية ضد العرب والكرد المخالفين لمشروعهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard