"الملايين هنا، أين هي؟"... لماذا يرفض لبنانيون أن تكون أغاني جوليا بطرس صوتاً لثورتهم؟

الجمعة 1 نوفمبر 201902:10 م

كنّا على طريق العودة من دمشق إلى صيدا بعد انتهاء حرب تموز 2006 بمدة قصيرة حين شغّل سائق السيارة الراديو. استمعت للمرة الأولى لأغنية "من عز النوم"، وبعدها، أعلنت المذيعة أن فيروز وجهت تحية لجوليا بطرس وأثنت على أدائها في أجدد أعمالها الفنية وهي أغنية "أحبائي" المقتبسة من رسالة وجهها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى المقاومين على الحدود.

منذ عام 2006 وحتى اليوم، من حفلاتها في الضبية وصولاً إلى صور، حين تنطق جوليا كلمة "أحبائي" يستلم الجمهور باقي الكلمات عنها، وتسيطر طاقة حماسية في القاعة، ممزوجة بحب الوطن والزهو بالانتصار.

هناك تفاصيل تخص حرب تموز رسخت في ذاكرتي، مثل الملاجئ، الرطوبة، بيتنا الصغير الذي ضم 12 شخصاً، جلوسي على طرف الكنبة بقلق وأنا أستمع إلى نصر الله يقول: "المفاجآت التي وعدتكم بها سوف تبدأ من الآن... الآن في عرض البحر، في مقابل بيروت، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق". صوت الصواريخ الساعة السادسة والربع صباحاً وهي تقصف معمل الكهرباء، جوليا بطرس في خطاب عُرض مباشرة على الهواء قالت فيه: "بحب قول شكراً لأميركا وصواريخها الذكية، شكراً للصمت العربي. وقوفكن على الحياد وصمتكم ما هو إلا مشاركة في الجريمة، أنتم مشاركون في الجريمة. جريمة قانا وكل المجازر التي حصلت في لبنان خلال الـ18 يوماً أنتم مشاركون فيها".

بعد وفاة الفنانة صباح، "الشحرورة"، بقيت ثلاثة وجوه نسائية مسيطرة على الساحة الفنية في لبنان. في المرتبة الأولى هناك فيروز طبعاً، ومن ثم ماجدة الرومي وجوليا بطرس. استطاعت الأخيرة، ومنذ بداياتها، أن تصير من حناجر الثورات العربية. وقفت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي على مسرح "طرابلس" وغنت مع أمل عرفة وسوسن حمامي "وين الملايين".

"وين جوليا؟"

بعد مرور 15 يوماً على انطلاق الثورة في كافة المناطق اللبنانية سأل المتظاهر في وسط بيروت: "الملايين هون، وين جوليا؟".

تختلف بيروت عن باقي المناطق لأنها وبكل بساطة بيروت، فهي تضم كل أنواع الناس والخلفيات الاجتماعية-الثقافية. هذا الواقع من السهل ملاحظته إذا ما مشينا واستمعنا للبث الموسيقى والشعارات بين ساحة الشهداء ورياض الصلح.

تمر يارا قرب مكبرات الصوت التي تبث أغاني جوليا وتصرخ: "ما بتمثل ثورتنا، حطو الراس" فيأتيها الرد بابتسامة من الرجل الجالس فوق الفان. توحدت الساحات على المطالب المعيشية وانقسمت على جوليا بطرس. هناك مَن يفصل فنها عن انتمائها السياسي وحياتها الشخصية، وهناك مَن يعتبر أنها تجسيد حي للسلطة.

يشرح الشاب الثلاثيني أنور، أثناء جلوسه في ساحة الشهداء، أسباب رفضه لتبني أعمال جوليا بطرس، بالقول: "كشخص مشارك بالثورة، ومؤمن بكل الشعارات التي ننادي بها، السياسة والاقتصادية، لا أقبل أن يتم التعبير عن مطالبنا أو مشاعرنا من خلال أغنيات فنانة تُعتبر وبكل بساطة جزءاً من المنظومة الحاكمة، أو أقله يمكنني القول إنها من المؤيدين لهذا العهد".

ويضيف: "وضَعت جوليا نفسها في الواجهة كمغنية ‘باسم الشعب والمحرومين’ لكنها لا تمانع السفر ضمن زيارات رسمية كزوجة وزير، في رحلة ممولة من جيوب المواطنين. مشكلتي ليست مع الفن الذي تقدمه بل مع تناقضها، فهي تتصرف عكس المبادئ التي تنادي بها في أغانيها. كما أن هويتها السياسية معروفة، جوليا تنادي بالقومية والشعب في الساحات ينادي بلبنان الذي لا تعترف به هي كوطن منفصل عن سوريا الطبيعية"، في إشارة إلى ميولها السورية القومية الاجتماعية.

ويختم: "شكلت فئة من الناس نواة هذه الانتفاضة، وبالنسبة إليهم كل ما سبق وقلته لا يشكل عائقاً، وبالتالي سيتم وضع أغنياتها، لكن لا يمكننا أن نعتبرها صوت الثورة".

"الصمت مشاركة"

تحوّلت جوليا مع الوقت إلى أيقونة، الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال أدائها على المسرح. في السنوات السابقة، كانت أخف وأقرب إلى الناس من خلال تفاعلها، حركة جسدها، تعابير وجهها وحتى أزيائها.

في حفلاتها الأخيرة، أحاطت نفسها بهالة تظهر في لحظات محددة، حين يتم عرض صورها طوال الوقت على شاشة ضخمة موضوعة خلفها، حين يتولى الجمهور الغناء عنها أو عندما تشارك قصصاً شخصية وطريفة حصلت بينها وبين زوجها وزير الدفاع إلياس بو صعب فتحبب به الآلاف المتحمسين لمعرفة خبايا حياتها الشخصية.

تتنوع القصص من الحب إلى العمل، وطبعاً يضحك الجميع. بإمكاننا أن نلحظ أن جوليا تعمل كصلة وصل بين الأطراف، تدمج الفنانة الشعب بالطبقة الحاكمة من خلال جوليا الزوجة والسياسية، ومن هنا تنبع حساسية التعاطي معها أو الحكم عليها.

هي، ومن دون أدنى شك، حملت المقاومة والجنوب والشعب العربي معها على المسرح، لكنها كفت عن كونها مَن تغنّي، حين لم تدعم ثورات الشعوب من سوريا إلى لبنان.

بعد مرور 15 يوماً على انطلاق الثورة في كافة المناطق اللبنانية سأل المتظاهر في وسط بيروت: "الملايين هون، وين جوليا؟"
"لا ندري ما هو موقف جوليا بطرس مما يحدث الآن، أو ما حدث في السنوات الماضية في لبنان، ولا نعلم إن كان صمتها يعبّر عن قناعاتها أم أنه نابع من زواجها برجل من داخل السلطة، وبالتالي أتساءل: هل تنسف جوليا كل تاريخها الفني من أجل زواجها؟"

بعيداً عن الحفلات، وفي ظروف تشبه ما نعيشه حالياً، تتمنع جوليا عن الإدلاء بأي تصريح أو تعليق حول ما يعانيه الشعب اللبناني من مذلة. وبالتالي يطغى القسم السياسي والشخصي عليها، وتنفذ حرفياً الجملة التي استخدمتها قبل 13 عاماً خلال حرب تموز ضد الصامتين عن المعاناة: "وقوفكن على الحياد وصمتكم ما هو إلا مشاركة في الجريمة".

ومن هذه النقطة بالتحديد ينبع عتب محبيها عليها، فهي في الأوقات الحرجة داعمة للنظام في وجه المواطن، ولذلك هناك قسم كبير لا يمكنه فصل شخصها عن فنها ويرفض اعتبارها صوت الشارع، لأن السرقة من جيوب الناس وتجويعهم جريمة أيضاً.

"غنّت لشعب مقاوم"

قرب مبنى "اللعازارية" في وسط بيروت، بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح، مجموعة شباب، يجلسون حول حافلة صغيرة، على سطحها عدد من "السبيكرات" التي تصدح منها أغنية "نحنا الثورة والغضب"، وعلى الحائط قربهم شعارات: "تسقط جوليا بو صعب" و"جوليا خرسي".

حين سألتهم عن التناقض في ما يخص الفنانة التي يستمعون إلى صوتها في الساحات، قالوا: "لا يهم المذهب أو الدين أو السياسية، هذه المرأة غنّت للثورة والجنوب قبل الحزب، التحرير، حرب تموز وزواجها. وحتى لو كانت مرتبطة برئيس الجمهورية الذي نطالب بإسقاطه لن نكف عن وضع أعمالها. جوليا بطرس هي الثورة، لأنها غنت لشعب مقاوم ونحن حالياً نقاوم".

بالنسبة إلى هذه المجموعة الشابة، ومجموعة "رابطة الإبداع من أجل السلام في لبنان" التي يجلس في خيمتها شعراء وكتاب في العقد الخامس من عمرهم، قدموا إلى ساحة رياض الصلح من مختلف المناطق، يجب فصل الأعمال التي قدمتها جوليا والتي تشبه الشعب والثورة، عن حياتها الخاصة وخطها السياسي.

لكن ليلى، الفتاة النسوية القادمة من بلدة صور الجنوبية والتي وضعت مجهوداً كبيراً لإقفال الطرقات كوسيلة للدفاع عن حقوقها، شرحت أن مشكلتها مع جوليا بطرس تنقسم إلى جزئين: الأول مرتبط بفكرة أنها صاحبة قضية وبالتالي بإمكان الجمهور محاسبتها حين يخرج إلى الشارع حاملاً القضايا التي تقيم حفلات كبيرة بسببها؛ والثاني هي تساؤلها عما إذا كانت جوليا تمنع نفسها من المشاركة أو التعليق على التظاهرات بسبب ارتباطها بوزير.

تقول ليلى: "نحن لا نستمع لأغاني جوليا في السهرات والحفلات لنرقص، بل في الثورات والتظاهرات، وبالتالي من الطبيعي أن يُخلق الجدل القائم حولها، ومنه ما حصل العام الماضي بين أوساط الناشطين في الأردن الذين طالبوا بإلغاء حفلها بسبب دعمها لنظام بشار الأسد".

تذكّر ليلى بحفلة جوليا الأخيرة في مدينة صور، والتي سببت أزمة سير خانقة، وأدت إلى تضرر موقع الآثارات حيث تم بناء المدرجات التي اعتلاها الحضور، وبأن أبرز الوجوه السياسية المشاركة في الفساد والتي يطالب المتظاهرون بإسقاطها، حجزت مقاعدها في الصف الأول، أمام الشعب، وصفقت لها.

وتضيف: "لا ندري ما هو موقفها في ظل ما يحدث الآن، أو ما حدث في السنوات الماضية في لبنان، ولا نعلم إن كان صمتها يعبّر عن قناعاتها أم أنه نابع من زواجها برجل من داخل السلطة، وبالتالي أتساءل: هل تنسف جوليا نفسها وكل تاريخها الفني المليء بالقضايا من أجل زواجها؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard