حزب الله والثورة اللبنانية... "أكبر حركة اجتماعية" تحوّلت إلى خدمة أركان النظام الاقتصادي

الاثنين 28 أكتوبر 201901:49 م

كنت أنظر إلى وحيدتي الصغيرة "أمان"، تلعب وترفرف بالعلم اللبناني، وتنشد: "كلُّلااااا وطن" (كلنا للوطن)، ثم تبتسم. تلتفت إلى الشاشة، حيث المنتفضون يقطعون الطرقات، ويحتلون الساحات، وترفرف أعلام كالذي بيدها، فتقترب من الشاشة وتقبلها، وتكرر إنشادها: "كلُّلااااا وطن".

لا أعرف، حقيقة، ما الذي جال في خاطر ابنة السنتين، في تلك اللحظة، لكنّي، بشعور الأبوة، كنت أحس أنها، ككل اللبنانيين، حتى الذين صرخوا خلال التظاهرات الحالية صرختهم الأولى ضد النظام، تترقّب ما سيحدث.

عرّاب العهد

وما يحدث أثّر فيه بشكل كبير خطابا الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وخاصةً خطابه الثاني. فكيف يمكننا قراءة ما قاله في سياق سلوك حزبه منذ انطلاقة حراك 17 تشرين الأول/ أكتوبر الشعبي؟ وإلى أين يقوده سلوكه في المعادلة السياسية اللبنانية؟

خلال موجة الاحتجاجات العاتية، بدا وزراء حزب الله وبرلمانيوه ممّن تصدوا للرغبة الشعبية، كمومياءات تقرأ من كتب بالية، وصاروا محط سخرية وتندر، حتى في أوساط مناصريهم، وبعض الحزبيين. ووصل أمر اتهامات الفساد ليدق أبواب الحزب ومسؤوليه أنفسهم.

لذا، تبدو قراءة سلوك حزب الله، بعد 11 يوماً من الحراك، على قدر عالٍ من الأهمية، وبخاصة بعد إطلالتين لنصر الله، بدا في أولاهما، متعباً، يتحدث بنبرة غاضبة، حملت تهديداً لجهات سياسية شريكة في السلطة، واستفزازاً للحراك، ربما أوقعته فيه المقاربة التقليدية الملتزمة؛ وفي الثانية، بدا من حيث الشكل مرتاحاً هادئاً، ما يشير إلى أن الجهة التي يستهدفها بوده وعطفه الأبوي، هي البيئة الحاضنة للمقاومة.

مَن يراقب تدرّج موقف حزب الله من الحراك، من الترقب الحذر، في اليومين الأولين، إلى الطلب من الحزبيين الامتناع عن المشاركة، وصولاً إلى دعوته مناصريه إلى الابتعاد عن الساحات، وما رافق ذلك وتلاه من أداء سياسي وإعلامي، يخلص إلى أن الحزب يعدّ نفسه عراب العهد، وعمود حكومته.

وعليه، فإنه بعدما نجح في امتصاص الصدمة الأولى، وعلى الرغم من الإرباك الذي اعترى أداءه الإعلامي، وتشنج مسؤوليه الذين انبروا للدفاع عن الورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة، انتقل خطوة إلى الأمام يدعوها المراقبة والانسحاب، لكنها في الحقيقة خطوة انقلاب حقيقي على الحراك، يؤكدها التحوّل في أداء إعلامه الرسمي، وأداء محازبيه ومناصريه الموجَّه على مواقع التواصل الاجتماعي.

والخلاصة التي يخرج بها المتمعن في الخطابين، بما قدّما من إيحاءات وإشارات، ومن قرارات صريحة، وما تلاهما، تظهر أن الحزب، على الرغم من اعترافه بالمطالب الحياتية المحقة والمشروعة، تدّرج في خطابه وصولاً إلى اتهام المشاركين في الحراك بأنهم ما بين مشبوه، ومضلل.

وعليه، فإن على مؤيديه، والمنخرطين فيه، الاختيار بين ما يسعى إليه الحراك من حلم بثورة على النظام، وبين المقاومة. وفي هذا الموقف إقرار ضمني من قائد "أكبر حركة اجتماعية في تاريخ لبنان"، كما يصف عامر محسن حزب الله، بحمل هذا الحراك المطلبي إرهاصات مشروع سياسي جديد للبنان، إذا ما تولدت فيه نخب تشبه طموحات فئاته الشابة والمتنوعة، كفسيفساء هذا الوطن، وعرفت كيف تجتمع على مشتركات سياسية ترضي جله، إن لم ترضِه كله. وهو أيضاً، قرار من قيادة أكبر حزب لبناني يمتلك جيشاً، بالوقوف في وجه أي مشروع سياسي للحراك، وهو انحياز للأسف، سيفقده الكثير من الزخم والقوة التي يمكن لبيئة هذه الحركة الاجتماعية أن ترفده بها.

وإنْ سلّمنا بما يراه محسن من أن ثورة، من المستحيل أن تكون على حزب الله، أو من دونه، وهو لا يجافي الصواب، فإن تغيير هذا النظام لن يكون ممكناً إلا إذا أقدم الحزب على خطوات داعمة للحراك، أو تتكامل مع التوجهات التي يمكن أن يبلورها، أو في حال تعاظم حجم الاعتراض، على سلوك الحزب، داخله وداخل بيئته الحاضنة.

أرانب المعلومات

ترى، ما الذي يخبئه حزب الله للحراك من أرانب المعلومات؟ وما هو المشروع السياسي الذي يناسب البلد برأيه؟ ادعى نصر الله أن مشاركة حزبه في الحراك ستغيّر مساره، ليدخل في صراعات المحاور، لذا نصحه بالبقاء بعيداً عن الأحزاب.

لكن، في تشكيك نصر الله بمَن يقف وراء الحراك، وفي إعلانه التخلي عنه، ودعوته مناصريه إلى الخروج منه، وشن وسائله الإعلامية، حملة مبرمجة لتشويهه وإضعافه، وسحب أدوات القوة من يديه، والتخويف من الفراغ، والتهويل بالحرب الأهلية، والتذكير بممارساتها وويلاتها، ولصقها بالحراك، سلوكيات تشي بمخطط لدى الحزب، لدفع الحراك إلى أن يستنجد بحلفاء، أو أن يقع رهينة حسابات خاطئة لبعض فئاته، فيضعف نتيجة للخلافات، من ناحية، وتكون الحجج حاضرة، من ناحية أخرى، ليقول السيد لجمهوره: "انظروا، ألم أقل لكم إنه حراك سفارات؟ انظروا إلى الجهات التي راهنت على الإسرائيلي سابقاً، أين تقف؟".

والحقيقة أن مراقبة سلوك حزب الله، تجاه الفرصة الفريدة التي أتاحها الحراك لإحداث تغيير في النظام، تظهر أننا أمام ازدواجية في المعايير، فالاتهمات بالفساد تحتاج إلى أدلة وأحكام كي نتخلى عن حلفاء فاسدين، أو نسائل مرتكبين. أما الاتهام بالعمالة فلا يحتاج لشيء من ذلك، ولا بأس إنْ انخرط حزبيون في حملة تشويه ممنهجة، وشاركت فيها نخب إعلامية، عن قناعة، أو ارتزاقاً. وأما السفارات فملائكة وشياطين، لا بأس بتعاون الأطهار، والحرم جاهز ليلقى على المتواصل مع الشياطين.

معزوفة الشيطنة

إن مسار تعامل حزب الله مع الحراك يهدف لأن يحد نفسه بالمطالب المعيشية، وبالتالي فإن المطلوب تقسيم الناس إلى فئتين: فئة الخارجين لتحقيق مطالب حياتية كالعمل والسكن والتعليم وغيرها، وفئة تحمل، إلى جانب تلك المطالب، سواء أكانت محتاجة إليها، أو غير محتاجة، مطالب حقوقية واجتماعية وسياسية.

"مراقبة سلوك حزب الله تجاه الفرصة الفريدة التي أتاحها الحراك لإحداث تغيير في النظام تظهر أننا أمام ازدواجية في المعايير، فالاتهمات بالفساد تحتاج إلى أدلة وأحكام كي نتخلى عن حلفاء فاسدين، أما الاتهام بالعمالة فلا يحتاج لشيء من ذلك"
"يبدو أن مصلحة الحزب، إنْ أحسنّا الظن، وتوجهاته إن أسأناه، تقتضي بأن يقدم أوراق اعتماده حامياً لمنظومة متشابكة من العلاقات ومصالح فئات وأفراد وطوائف، مقابل أن تبني حوله طائفته سور أمان تحفظ سلاحه من النقاش الداخلي"

ومن خلال هذا التقسيم، يعترف الحزب، بالفئة الأولى، دون خطة واضحة لتحقيق مطالبها المعيشية. ويرتاب من الأخرى، لا لأنه لا يريد التغيير، بل لأنه لا يرى أوانه قد حان. فيتعلل لرفض ذلك التغيير باتهام حراك سبق أن وصفه بأنه خارج عن سلطة الأحزاب والسفارات، عابر للطوائف والمناطق، معبر عن آلام الناس وأوجاعهم وهمومهم، بأنه تحول، خلال أيام، إلى حراك سفارات وأداة لمآرب أحزاب، محتجاً بأن ساحات معينة، باتت موجهة، إلى المطالبة بنزع سلاح، وهو مطلب يعلم القاصي والداني، أنه أكبر من لبنان كله. وتبدأ معزوفة الشيطنة، ليؤخذ الناس بالظن، أو يتهموا بالتضليل.

هل يربط الحزب المطالب المعيشية بالنهج الاقتصادي للحكومة؟ وما هو موقفه منه؟ ما هي رؤيته لقطاعات التعليم والصحة والمصارف والإعلام ودور كل منها؟ كيف يقارب قضايا الحريات الفردية وتمكين المرأة؟ هي أسئلة كثيرة تباعد بين الحزب ومجموعات الحراك.

ويبدو أن مصلحة الحزب، إن أحسنا الظن، وتوجهاته إن أسأناه، تقتضي بأن يقدم أوراق اعتماده حامياً لمنظومة متشابكة من العلاقات ومصالح فئات وأفراد وطوائف، مقابل أن تبني حوله طائفته سور أمان تحفظ سلاحه من النقاش الداخلي، فيحفظ سطوتها الشعبية المنتقصة في توازن النظام، إلى أن تقضي ظروف الزمن والديموغرافيا، والتوازنات الإقليمية والدولية، أمراً كان مفعولاً.

ولا بأس في هذا السياق أن تصيب سهام النقد ورقة بديلة أعدها اقتصاديون لطالما اعتمد عليهم حزب الله لنقد التوجهات الاقتصادية للحكومة، فإذا هم بين ليلة وضحاها، غير موضوعيين، يسخفون ورقة الحكومة التي يتبناها بشكل غريب.

أليس في ذلك دليل على أن الحزب يعمل على طمأنة أركان النظام المالي والاقتصادي؟ أما بعض الأصدقاء والحلفاء الباقون في الحراك، فستتكفل بهم تناقضاته في آتي الأيام، والمطلوب منهم، في المستقبل، أن يلتزموا في مشاغباتهم، كما سبق أن فعلوا، حين لم يسعفهم الحراك، سقفاً يحدده لهم.

يبقى أن تبحث هذه السلطة عن الثمن الذي يرضي مَن تحركوا في الشارع، وأن تنجح مساعيها لتعويم تناقضاته إلى السطح، لينشغل بعضه ببعض، وفي أن يبيع بعض تجاره من الساسة والحزبيين، أمل الناس، ويطعنوا برفاق الحراك.

بات الثنائي الشيعي، بعد خروج الحزب من الحراك، للمرة الثانية بعد عام 2005، خارج الإجماع الطوائفي إنْ جاز التوصيف. لكن الظروف اليوم، مغايرة تماماً، فلأول مرة يقف اللبنانيون أمام حراك لقيط، لا أم له ولا أب، من سفارات أو أحزاب.

يتحد أركان النظام الطائفيون الآن، من أجل تحويل النقاش عن جوهر أزمة نظام طائفي يجب تغييره، إلى نقاش حول مكتسبات كل طائفة في النظام. واجب الشباب، عماد الحراك، وغالبيته الساحقة، أن يعوا ذلك، ويدفعوا به عن حراكهم، فلا بديل عن كسر سلطة النظام في لحظة إجماع وخوف نادرة، أياً يكن مستوى عنف السلطة.

أعود إلى عيني وحيدتي الصغيرة "أمان"، لعيون جيلها، لإنشادها: "كلُّلااااا وطن"، أرهف السمع لوقع الصوت وما تقول، فتنتابني خشية من أن يورث "الكل لا وطن".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard