الوزيرة والمتشدد... من ينتصر في حروب الردة في السودان؟

الأربعاء 9 أكتوبر 201907:02 م

أعلن مجلس الوزراء السوداني برئاسة عبد الله حمدوك، في 9 تشرين الأول/أكتوبر، تضامنه الكامل مع وزيرة الشباب والرياضة السودانية ولاء البوشي في معركتها القضائية ضد أحد المشايخ المتشددين على خلفية اتهامه لها بـ"الردة".

وكانت الوزيرة البوشي قد شرعت، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، في مقاضاة الشيخ عبد الحي يوسف، بعد طعنه في عقيدتها. 
وأكد مجلس الوزراء السوداني أن الهجوم على الوزيرة ترتب على سياستها التي تمثل سياسة الحكومة، مكلفاً وزارة العدل اتخاذ الإجراءات اللازمة باعتبار القضية "قضية عامة وليست شخصية".
وقالت الوزيرة إنها تقدمت ببلاغ رسمي إلى نيابة الخرطوم الجديدة، استناداً إلى أن "عبد الحي في اتهامه خَالف مواد القانون الجنائي وبعض نصوص الوثيقة الدستورية لعام 2019 في ما يخص الحريات الدينية، وحرية العقيدة والعبادة، والحق في الحياة الكريمة والإنسانية والمواطنة أساس الحقوق والواجبات".  

"امرأة جمهورية"

كذلك أوضحت أنها ضمّنت المخالفات الدستورية في الدعوى، تحسباً لأي إجراءات أخرى غير جنائية لتكون العريضة شاملة المخالفات الجنائية والمخالفات الدستورية. 
واعتبرت البوشي أن "السلام أهم أولويات الفترة الانتقالية (الحالية)، وأن تحقيقه مسؤولية الجميع"، مردفةً "لنبدأ ببيوت الله ومنابرها لتكون ناشرة للسلام وداعية للسلام وكلها سلام". ووفق بيان الوزيرة، سيتولى 7 محامين قضية الاتهام ضد عبد الحي.
وكان عبد الحي قد شن هجوماً على الحكومة السودانية بقوله: "آخر التقليعات ما شغلوا به الناس هذا الأسبوع من افتتاح أول دوري نسائي لكرة القدم كأن رجالنا الذين يلعبون الكرة حازوا البطولات وأحرزوا الكؤوس، ففرغنا من شأنهم ثم التفتنا بعد ذلك الى النساء".
واتهم وزيرة الشباب والرياضة الحالية بالكفر متهماً إياها بالانتماء للحزب الجمهوري الذي أعدم صاحبه في العام 1985 بعد فتوى علماء بردته عن الدين، إذ قال: "هي امرأة جمهورية تتبع ذلك المرتد المقبور لا تؤمن بما نؤمن به".

الردة والسياسة في السودان

ويبدو أن الحراك الشعبي الذي بدأ في كانون الأول/ديسمبر الماضي ونجح في إطاحة الرئيس السابق عمر البشير، لم يستطع حتى الآن دحر الأصولية المتغلغلة في البلاد.
وللسودان تاريخ طويل في محاكمات "الردة"، وقد عقدت أول محاكمة للردة فيه عام 1968، قبل حتى أن ينص عليها في القانون الجنائي السوداني، لعام 1991 في مادته 126.
وتنص هذه المادة على أنه "يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة، يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة، فإذا أصر على ردته ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام، تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ".
ومع تطور القوانين الجنائية السودانية بدأ الاعتماد على "الشريعة الإسلامية" في ما عرف بـ"قوانين سبتمبر" عام 1983، التي غيرت فلسفة القوانين بتوسعة نطاق العقوبات الجسدية وتلك السالبة للحرية.
مجلس الوزراء السوداني يعلن دعمه لوزيرة الشباب والرياضة في معركتها القضائية ضد متشدد اتهمها بالردة… من ينتصر في "حروب الردة" بالسودان؟

للسودان تاريخ طويل مع محاكمات "الردة"، وبرغم المطالبات بإلغاء النص القانوني الذي يعاقب عليها، يضغط الإسلاميون في اتّجاه استمرار "قوانين الشريعة"

رصد المركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام، منذ العام 1968 حتى العام 2017، 15 محاكمة بتهمة "الردة"، حوكم خلالها نحو 155 سودانياً وسودانية
وارتبطت محاكمات الردة بالأوضاع السياسية في البلاد، فنجد أن المتهم في حالة المحاكمة الأولى بتهمة الردة، المؤلف والسياسي وزعيم الجمهوريين السودانيين محمود محمد طه، الذي أدين وحكم عليه بالإعدام من قبل محكمة غير مختصة مع غياب النص الذي يجرم الردة في القانون المعمول به آنذاك، استناداً إلى ما عرف بـ"دعاوى الحسبة".
وجرى تنفيذ حكم الإعدام ضد طه في 18 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1985، لانتقاده قوانين الشريعة الإسلامية.
وبرأت محكمة خاصة محمود محمد طه من تهمة الردة بعد إعدامه، في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري.
ورصد المركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام، منذ العام 1968 حتى العام 2017، 15 محاكمة بتهمة "الردة"، حوكم خلالها نحو 155 سودانياً وسودانية.
ووجد المرصد أن هذه القضايا تطابقت فيها الدوافع والأسباب السياسية حول الحرمان من الحق في التدين والاعتقاد، فيما استند بعضها إلى فرض نسخة محددة من طريقة التدين الإسلامي على ارتباط بنهج السلطة الحاكمة التي تستند إلى فلسفة "الإسلام السياسي" لتعزيز سيطرتها على السلطة ومحاربة معارضيها.
وخلال العام 2015 وحده، جرت محاكمة 28 شخصاً، بينهم 3 أطفال على الأقل، أمام محكمة جنائية بتهمة "الردة"، واتهمت السلطات العديد منهم بالانتماء لطائفة إسلامية تتمسك بالقرآن وترفض السنة النبوية. 

مساعٍ لإلغائها

وكثيراً ما سعى نشطاء وقانونيون سودانيون لإلغاء المادة 126 المتعلقة بإعدام "المرتد عن الإسلام". كما طعن  حزب المؤتمر السوداني في دستوريتها في العام 2017، لكنه لم يصل إلى نتيجة إيجابية.
واتضح هذا من خلال الترحيب الذي قوبلت به الدعوى التي رفعتها الوزيرة البوشي على الشيخ المتشدد الذي اتهمها بالردة، وإن عاب البعض عليها "التسرع في مقاضاته ومنحه فرصة لتوحيد الإسلاميين (في البلاد) خلفه وضدها".
وفي الآونة الأخيرة، شدد إسلاميو السودان على تمسكهم بفرض الشريعة الإسلامية على البلاد بقوة، إذ دعا تيار "نصرة الشريعة ودولة القانون" في 24 أيلول/سبتمبر الماضي، إلى تنظيم مسيرات احتجاجية لمواجهة ما وصفه بمحاولة الحكومة الانتقالية "فرض سياسات العلمانية والليبرالية والتطبيع مع إسرائيل".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard