شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
أسباب خصومة

أسباب خصومة "الإمام علي" و"السيدة عائشة"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لم يعرف التاريخ الإسلامي في بدايته خصومة بين اثنين من بيت النبي، مثل تلك التي عرفها بين علي بن أبي طالب والسيدة عائشة.

ويمكن الوقوف على أول خيط لهذا العداء في ما يُعرف بـ"حادثة الإفك"، عندما اتُّهمت زوجة النبي محمد بالزنا مع الصحابي صفوان بن المعطل السلمي، وساورت النبي شكوك في ذلك، فأشار عليه ابن عمه علي بتطليقها.

وتطورت هذه الخصومة بعد وفاة النبي محمد مع ولاية صديقه أبي بكر على شؤون المسلمين، وهو منصب كان علي يرى أنه الأحق به، مستشهداً بوصية النبي في حديث الغدير.

اغتنم أبو بكر منصب الخلافة في الوقت الذي كان علي مشغولاً فيه بتجهيز جنازة النبي، إذ ترك هو وعمر جثة الرسول [مسند أحمد: 2357] وسارعا إلى سقيفة بني ساعدة سعياً للخلافة، دون أخذ مشورة علي، وهو ما عدّه الأخير "استبداداً" من أبي بكر عليه [البخاري: 4240].

واحتدت الخصومة مع حرمان فاطمة بنت النبي محمد وزوجة علي من ميراثها الشرعي، بحديث نسبه الخليفة أبو بكر وابنته عائشة إلى النبي، ينفي فيه ميراث الأنبياء. وتتفق الروايات السنّية والشيعية على أن فاطمة قاطعت أبا بكر حتى ماتت لهذا السبب.

ووصل النزاع إلى ذروته مع مقتل الخليفة عثمان بن عفان، واتهام عائشة علياً بالمسؤولية عن ذلك وعدم القصاص له، ما كان سبباً في اندلاع موقعة الجمل بين أبي الحسن من جانب وعائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله من جانب آخر.

زوجة الأب

علي بن أبي طالب زوج ابنة النبي محمد فاطمة، بنت خديجة، وكانت عائشة زوجة أبيها المدللة، فهي الوحيدة البكر بين أزواجه. ورغم اختلاف الروايات في تحديد سنهما، إلا أن فاطمة كانت على الأرجح أكبر من عائشة بنحو 10 سنوات.

رسم عثماني للرسول وهو يزوّج ابنته فاطمة بعلي

وثمة إشارات في كتب الحديث تُظهر عائشة وهي تلعب دور زوجة الأب بالمعنى الدرامي للكلمة مع فاطمة، ولعل الخصومة بينها وبين علي بدأت من هنا.

كانت فاطمة ابنة النبي محمد الأثيرة، وهو ما يثير حنق أي زوجة أب لا سيما إنْ كانت صغيرة السن مثل عائشة التي تزوجها النبي محمد وهي بنت تسع سنوات [البخاري: 3894، 3896]، وكانت تتسم بالغيرة.

تحمل لنا كتب التراث بصيصاً ضئيلاً من العداء المبكر بين عائشة وفاطمة، وذلك عندما ذكرت أمها المتوفاة خديجة بنت خويلد بسوء إذ قالت للنبي: "ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها" [مسلم: 2437، البخاري: 3821]، قاصدةً نفسها.

لا شك أن مثل هذا الحديث الذي أثار غضب النبي محمد نفسه، كان له تأثير سلبي وانطباع سيئ في نفس فاطمة. ثمة إشارة أخرى تبيّن غيرة عائشة من فاطمة، فقد روى المحدث محب الدين الطبري (1218 – 1295م) في "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" عن ابن عباس أن النبي كان يكثر من تقبيل فاطمة "فقالت له عائشة: إنك تكثر تقبيل فاطمة"، اعتراضاً. وفي رواية المؤرخ الخطيب البغدادي (1002 – 1071م) في "تاريخ بغداد" عن عائشة أنها قالت للنبي: "مالَكَ إذا جاءت فاطمة قبلتها حتى تجعل لسانك في فيها، كأنك تريد أن تُلعِقَها عسلاً؟!".

حادثة الإفك

أثناء عودة النبي من غزوة بني المصطلق، يذكر المؤرخ أبو عبد الله الواقدي (747 – 823م) في "المغازي" تفاصيل حادثة اتهام عائشة بالزنا، في رواية منسوبة لها ملخصها أنها صحبت النبي في الغزوة، وأثناء عودة الجيش إلى المدينة، ذهبت تبحث عن عقد كانت تتزين به ووقع منها أثناء قضاء حاجتها، فتأخرت حتى تحرك جيش النبي من معسكره دون أن ينتبه أحد لغيابها، فمكثت في مكانها حتى نامت، ولم تستيقظ إلا على صوت أحد صحابة النبي وهو صفوان ابن معطل السُلّمي، فعرفها وأركبها على رحله وانطلق بها حتى لحقا بمخيم الجيش.

تقول عائشة إنها عندما وصلت مع صفوان اضطرب العسكر "وقال أصحاب الإفك الذي قالوا..."، أي أن الناس طعنوا في شرفها، والإفك في اللغة هو الكذب، فلما علمت بما يقولون ولاحظت تغيّر معاملة النبي معها استأذنته في الذهاب إلى بيت أبيها فأذن لها بذلك.

المسلمون يبايعون عليّاً بالخلافة

تضيف رواية الواقدي المنسوبة إلى عائشة: "دعا رسول الله (ص) علياً وأسامة فاستشارهما في فراق أهله [أي عائشة]. قالت: وكان أحد الرجلين ألين قولاً من الآخر. قال أسامة: يا رسول الله، هذا الباطل والكذب، ولا تعلم إلا خيراً، وإن بُريْرة [جاريتها] تصدقك. وقال علي عليه السلام: لم يضيق الله عليك، النساء كثير وقد أحل الله لك وأطاب، فطلقها وانكح غيرها".

ويذكر البخاري في صحيحه القصة بنسخة أكثر إيجازاً، لكن روايته تنسب إلى علي الاقتراح الخاص بالاستوثاق من بريرة الجارية، إذ كتب: "أما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدُقك. قالت [عائشة]: فدعا رسول الله (ص) بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟..." [البخاري: 4141]، فنفت الجارية.

وتذكر سيرة ابن هشام هذه القصة لكنها تزيد عليها أن علياً ضرب الجارية ضرباً مبرحاً حتى تنطق بالصدق، ما يشير إلى أنه لم يكن راضياً عن شهادتها، إذ تنسب إلى عائشة: "أما عليّ فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله (ص) بُريْرة ليسألها؛ قالت [عائشة]: فقام إليها علي بن أبي طالب، فضربها ضرباً شديداً، ويقول: اصدقي رسول الله (ص)؛ قالت؛ فتقول: والله ما أعلم إلا خيراً، وما كنت أعيب على عائشة شيئاً".

ثمة إشارات في كتب الحديث تُظهر عائشة وهي تلعب دور زوجة الأب بالمعنى الدرامي للكلمة مع فاطمة، مع أنها أصغر منها، ولعل الخصومة بينها وبين علي بن أبي طالب بدأت من هنا

وبحسب رواية الواقدي، فإنه بعد مرور شهر من الحادثة ذهب النبي إلى عائشة في بيت أبي بكر وقال لها: "أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة يبرئك الله، وإن كنت ألممت بشيء مما يقول الناس فاستغفري الله عز وجل". فردت عليه قائلة: "إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني".

تنتهي الحادثة عند أهل السنّة بآية التبرئة {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} [النور: 11]، ويرون أن هذه التبرئة كانت تخص عائشة، في حين يرى الشيعة أنها كانت لتبرئة مارية القبطية زوجة النبي وأم ولده إبراهيم من تهمة الزنا مع ابن عمها.

فبعد اتهامها بالزنا مع صفوان بنحو عامين، طعنت عائشة في شرف مارية القبطية وقالت للنبي محمد إن ابنه إبراهيم لا يشبهه إطلاقاً، [مستدرك الحاكم: 6821] "فقال أهل الإفك والزور من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره... وبلغ رسول الله (ص) ما يقول الناس، فقال لعلي: ‘خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته’، لكن علياً اكتشف أن الرجل مخصي، على عادة ذلك الزمان مع العبيد فلم يقتله فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوب، ما له ذكر" [مسلم: 2771].

إذا صحت روايات كتب التراث الإسلامي في ما يتعلق بحادثة الإفك، فمن البديهي والمنطقي أن طعن علي في براءة عائشة ظل عالقاً بذهنها هي وأبيها، حتى وفاة النبي محمد، وتولي أبيها أبي بكر الخلافة من بعده لا سيما أن علياً نفسه كان سبباً في ما بعد لتبرئة مارية القبطية التي كانت عائشة تغار منها.

ميراث فاطمة

ازداد الاحتقان بين علي وعائشة، مع الخلاف الذي نشب بين زوجته فاطمة والخليفة أبي بكر بسبب حرمانها من ميراثها عن أبيها من غنائمه في خيبر والمدينة، ولا سيما واحة فدك الواسعة الغنية بمزروعاتها، والتي تبلغ مساحتها اليوم 40 ألف كيلومتر مربع. وكانت هذه الواحة ملكاً لليهود قبل أن يستولى عليها النبي محمد عقب قيامه بغزو خيبر، بحسب سيرة ابن هشام.

تذكر رواية البخاري أنه بعد وفاة النبي جاءت ابنته فاطمة إلى أبي بكر وطلبت منه "أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله" [البخاري: 3092] فقال لها أبو بكر إنه سمع الرسول يقول: "لا نورث، ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت... وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك" [البخاري: 3093].

لم يعرف التاريخ الإسلامي في بدايته خصومة بين اثنين من بيت النبي، مثل تلك التي عرفها بين علي بن أبي طالب والسيدة عائشة... ويمكن الوقوف على أول خيط لهذا العداء في ما يُعرف بـ"حادثة الإفك"...

وكانت عائشة بنت أبي بكر، تؤيد حديث أبيها الذي كان من المريب أن أحداً لم يسمعه سواه هو وابنته عائشة، فحتى زوجات النبي محمد الأخريات لم يسمعن منه أنهن لن يرثنه، وهو ما يؤكده حديث عروة بن الزبير الذي يذكره البخاري في صحيحه إذ يقول: "سمعت عائشة رضي الله عنها زوج النبي (ص) تقول: أرسل أزواج النبي (ص) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثُمنهنّ (ميراثهن) مما أفاء الله على رسوله (ص)، فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين الله؟ ألم تعلمن أن النبي (ص) كان يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة" [البخاري: 4034].

يذكر المؤرخ ابن طيفور (819 – 893م) في "بلاغات النساء" محاججة فاطمة مع أبي بكر عندما رفض أن يعطيها ميراث أبيها، إذ قالت فيها لأبي بكر: "معشر المهاجرين أأبتز إرث أبي؟ أفي الكتاب أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ثم انحرفت إلى قبر النبي"، وأنشدت أبياتاً ترثي فيها حالها من بعد وفاته.

استشهدت فاطمة كذلك بعدد من الآيات القرآنية التي تؤكد أن الأنبياء يورثون، مثل آية "وورث سليمان داوود" [النمل: 16] وقوله: "يرثني ويرث من آل يعقوب" [مريم: 6] لكن هذا لم يشفع لها.

ويبرر أهل السنّة تصرف أبي بكر بأن الميراث المذكور في القرآن إنما هو ميراث النبوة، غير أن الشيعة يردون على ذلك بأنه لو كان كذلك، فإن ما ورثته فاطمة من نبوة محمد لهو حجة على أبي بكر، لأنها في هذه الحالة أعلم منه بتفسير القرآن وأعلم منه بمسألة ميراث النبي.

وتذكر رواية البخاري أن فاطمة عندما توفيت "دفنها زوجها علي ليلاً" ولم يخبر أبا بكر بوفاتها حتى لا يصلي عليها [البخاري: 4240].

انتزاع "الإمامة"

من أهم الأسباب التي أججت الخصومة بين علي بن أبي طالب وعائشة بنت أبي بكر، "انتزاع" أبيها الخلافة التي كان علي يرى أنه أحق بها، فقد أجمعت كتب الشيعة والسنّة على أن علياً بن أبي طالب لم يبايع أبا بكر بالخلافة في أول الأمر لأنه كان يرى أنه أولى بها منه.

تصوير لعلي بن أبي طالب

يذكر المؤرخ السنّي ابن الأثير الجزري (1160 – 1233م) في "الكامل في التاريخ" أن علياً قال: "ولقد مات رسول الله (ص) وما أرى أحداً أحق بهذا الأمر مني فبايع الناس أبا بكر الصديق فبايعته"، كما ينسب الشيعة إلى علي حديثاً طويلاً يسمى حديث "المناشدة" يذكره محمد بن علي بن بابويه (918 – 991م) في "كتاب الخصال" يقول فيه: "استخلف الناس أبا بكر، وأنا والله أحق بالأمر وأولى به منه، واستخلف أبو بكر عمر وأنا والله أحق بالأمر وأولى به منه"، وعدد فيه مناقبه وما قاله النبي محمد فيه مثل قوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" [مسلم: 2404].

لكن أهل السنّة يرون أن علياً أقر بخطأه لاحقاً وبايع أبا بكر عن طيب خاطر، وأنه تقاعس عن بيعته لأنهم لم يأخذوا رأيه أثناء عملية الشورى في الاجتماع الشهير في سقيفة بني ساعدة.

في حين يرى الشيعة أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعدما نجح الأخير في فرض خلافته بالأمر الواقع، والتي يصفها عمر بن الخطاب قائلاً: "والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة وتمت" [البخاري: 6830] والفلتة في اللغة هي الخلسة وهو ما يعني اعتراف عمر بأن ولاية أبي بكر لم تكن أمراً متوقعاً.

وينكر الشيعة انتزاع أبي بكر وعمر الولاية من علي رغم نص النبي صراحة على أن يخلفه من بعده. ويتفق السنّة والشيعة على صحة حديث "مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه" [الترمذي: 3713]، لكنهما يختلفان في تفسيره، ففي حين يستدل به الشيعة على أحقية علي بالولاية بعد وفاة النبي، يرى أهل السنّة أن المقصود بـ"الولاية" معان أخرى غير الإمامة أو الخلافة.

كما يعتقد الشيعة أن علياً بايع أبا بكر مكرهاً بعد تهديد عمر بن الخطاب بحرق بيته، وأن مبايعته لم تكن سوى تقية لجأ إليها حقناً لدماء المسلمين، أو لأن الناس خذلته ولم تنصره، وهو ما اضطره للانحناء للعاصفة.

وتشير رواية يذكرها البخاري إلى أن علياً فقد بعض مكانته بوفاة فاطمة، "فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا يأتنا أحد معك؛ كراهةً لمحضر عمر فقال عمر: لا والله، لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك. ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله (ص) نصيباً" [البخاري: 4240].

هذه الرواية تؤكد الخصومة التي تتحدث عنها المصادر الشيعية بين علي وفاطمة من جهة وأبي بكر وعمر من جهة أخرى، فلم يبايع أبا بكر حتى توفت فاطمة، كما أنه رفض حضور عمر إلى بيته، وخاف الأخير من ذهاب أبي بكر وحده إلى بيت فاطمة وتعرّضه لسوء ما من علي.

يذكر المحدث الشيعي أحمد بن علي الطبرسي (ت. 1223م تقريباً) في كتاب "الاحتجاج" رواية تكمل فجوات رواية البخاري وتقول: "كان علي بن أبي طالب لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له، جلس في بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبقَ أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة معه" الزبير بن العوام وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن عمرو).

وبحسب الرواية، أشار عمر على أبي بكر بإرسال رجل يدعى قنفذاً وكان رجلاً فظاً غليظاً ومعه بعض الأعوان لكي يحضر علي للمبايعة غصباً. "ثم أمر أناساً حوله فحملوا حطباً وحمل معهم فجعلوه حول منزله، وفيه علي وفاطمة وابناهما، ثم نادى عمر حتى أسمع علياً: والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك ناراً... ثم قال لقنفذ: إن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم ناراً".

تضيف رواية الطبرسي: "فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فقبضوه وألقوا في عنقه حبلاً أسود، وحالت فاطمة بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها... فأرسل أبو بكر إلى قنفذ 'اضربها'  فألجأها إلى عضادة باب بيتها، فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها وألقت جنيناً من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة".

لا تفسر المصادر السنّية سبب وفاة فاطمة المفاجئ في ريعان شبابها فقد توفت حسب أرجح الروايات بعد وفاة النبي محمد بستة أشهر، وهي في التاسعة والعشرين من عمرها. وتشير مصادر شيعية إلى أن وفاتها كانت نتيجة تأثرها بهذا الاعتداء، ويذكر المؤرخ أحمد اليعقوبي (ت. 897م) في تاريخه أن أبا بكر في فراش موته ندم على ذلك وقال: "ليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب".

لكن ثمة إشارات تضعف الرواية الشيعية التي تبالغ في خصومة علي وفاطمة مع حزب عائشة وأبي بكر وعمر، أهمها اختيار عمر على فراش موته علياً ضمن المرشحين الستة لخلافته الذين يذكرهم جلال الدين السيوطي (1445 – 1505م) في "تاريخ الخلفاء" وهم هو وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف.

مقتل عثمان

هناك شبه إجماع بين المؤرخين على أن سوء سياسة الخليفة الثالث عثمان بن عفان كانت سبباً في ثورة عليه انتهت بمقلته، فقد روى أحمد اليعقوبي في تاريخه أنه "قدّم أقاربه وذوي أرحامه... ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين، وتكلم فيه من تكلم، وقالوا: آثر القرباء، وحمى الحمى، وبنى الدار، واتخذ الضياع والأموال بمال الله والمسلمين"، كما أنه أمر بتعذيب الصحابيين عبد الله بن مسعود وأبي ذر الغفاري حتى تسبب في موت الأخير، بحسب عدد من المؤرخين ومنهم اليعقوبي.

رسم فارسي يظهر مبايعة المسلمين لعثمان

ويذكر اليعقوبي: "كان بين عثمان وعائشة منافرة وذلك أنه نقصها مما كان يعطيها عمر بن الخطاب، وصيّرها أسوة غيرها من نساء رسول الله". ويشير إلى أن عثمان كان يخطب في أحد الأيام فقامت عائشة بإدلاء قميص الرسول "ونادت: يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول الله لم يُبْلَ، وقد أبلى عثمان سُنّته! فقال عثمان: رب اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم".

ويذكر المؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري (806 – 892م) في "أنساب الأشراف" هذه الخصومة، ويقول: "كانت عائشة تؤلب على عثمان" الناس. ويذكر في موضع آخر: "مر عبد الله بن عباس بعائشة وقد ولاه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها فقالت: يا ابن عباس إن الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإياك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية"، تقصد عثماناً.

تصوير لمعركة الجمل

وبمقتل عثمان بن عفان في خضم ثورة شعبية شارك فيها ابنه عمرو نفسه ومحمد ابن أبي بكر اللذين ساهما في قتله بحسب رواية اليعقوبي، انتقلت الخلافة إلى علي بن أبي طالب، وهو ما كانت ترفضه عائشة، فألبت عليه الناس بسبب مقتل عثمان، بيد أن علياً تأخر في القصاص من قتلته ربما حتى يستتب له الأمر، بحسب ما يتفق السنّة والشيعة.

وفي أثناء ذلك، تكللت خصومة علي مع عائشة باللجوء إلى السيف كما هو معروف، في موقعة الجمل الشهيرة، بعدما اتهمته عائشة بقتل عثمان بن عفان، حيث يذكر البلاذري في "أنساب الأشراف": "خرجت عائشة من مكة حتى نزلت بسرف، فمر راكب فقالت: ما وراءك؟ قال: قُتل عثمان، فقالت: كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة... ثم جاء راكب آخر فقال: قُتل عثمان وبايع الناس علياً فقالت: وا عثماناه، ورجعت إلى مكة فضربت لها قبتها في المسجد الحرام وقالت: يا معشر قريش إن عثمان قد قتل، قتله علي بن أبي طالب، والله لأنملة، أو قالت لليلة، من عثمان خير من علي الدهر كله".

ويذكر ابن الأثير أن عائشة لما بلغها مقتل عثمان ومبايعة علي بالخلافة وهي في طريقها من مكة إلى المدينة، قالت للرجل الذي أنبأها بالخبر "ليت هذه [السماء] انطبقت على هذه [الأرض] إن تم الأمر لصاحبك [علي]. ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: "قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه" فقال لها: ولم؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر"، ونعثل هذا يهودي تذكر بعض الروايات أن عائشة كانت تشبه عثمان به ذماً وقدحاً فيه.

 تصوير لمعركة الجمل

وتستطرد رواية ابن الأثير في ذكر تفاصيل تأليب عائشة، التي يقول إنها كانت جهورية الصوت، الناس من المسجد الحرام ضد قتلة عثمان، وتستحثهم ضد علي، وتستنفر أقارب عثمان من بني أمية، ثم ما لبث أن انضم إليها الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله بعدما انشقا عن علي رغم مبايعتهما له.

وبحسب رواية ابن الأثير، فإنه أثناء استعداد علي للاتجاه إلى بلاد الشام معقل الأمويين الخاضع لمعاوية بن أبي سفيان (602 – 280م) الطامع في الخلافة، علم بما تدبره عائشة والزبير وطلحة في مكة، فتجهز لهم وتقابل الفريقان في البصرة ودارت معركة الجمل التي انتهت بانتصار علي ومقتل الزبير وطلحة، وبانتهاء المعركة أعاد علي عائشة إلى المدينة دون أن يمسها بسوء.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard