"تُسكت الشعب وتُلهيه"... موقف أبناء مناطق الداخل والأقليات التونسية من الانتخابات والمرشحين

الثلاثاء 10 سبتمبر 201903:11 م

تعيش تونس هذه الأيام على وقع الانتخابات الرئاسية المقررة في 15 أيلول/ سبتمبر الحالي والتشريعية في 6 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، في وقت طفت على السطح خلافات على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن فروق اجتماعية وتنموية بين مناطق البلاد وإقصاء فئات من المشهد السياسي.

في الوسط الغربي، وتحديداً في محافظة سيدي بوزيد، يستفيق فوزي ناجي يومياً وهمه الوحيد طريقة تحصيل قوت يومه وإعالة أسرته ذات الستة أفراد.

يشتغل ناجي كعامل بناء في منطقته لسودة في سيدي بوزيد، ويعيش مع عائلته في منزل غير مكتمل البناء لم تفلح محاولاته المتكررة في إقناع السلطات المحلية والجهوية بمساعدته لتحسينه، مع أنه كان قد تلقى وعداً بذلك منذ عام 2012- تاريخ إطلاق الدولة للبرنامج الخصوصي لتحسين السكن الاجتماعي في المحافظة.

يقول ناجي لرصيف22: "تعبت من المطالبة ومن التردد على الإدارات العمومية الغارقة في البيروقراطية وتتعامل مع المواطن وفق سياسة 'ارجع غدوة (غداً)'"، شاكياً: "لم أجد آذاناً صاغية لنداءاتي، أخجل من رؤية أبنائي ينامون في غرفة واحدة، ومن سوء حظي لا أملك شهادات علمية تساعدني على الأقل في إيجاد وظيفة محترمة".

يرى ناجي أن سلطات البلاد تنظم الانتخابات لتُسكت الشعب وتُلهيه عن مشاكل البطالة وغلاء المعيشة، منتقداً بشدة ما وصفها بالوعود الزائفة لتحسين مستوى المعيشة في منطقته.

وفي هذا الإطار، يستشهد ناجي بوعد لم يتحقق منذ الثورة وهو حل أزمة النفايات، ويقول: "كل سنة يعدوننا ويوهموننا بإنجاز دراسات للمشروع آخرها زيارتهم منذ شهرين دون تحقيق تقدم يذكر، بينما نعاني من الأمراض جراء مشكلة النفايات المنتشرة في المنطقة".

ثروات منهوبة

من محافظة تطاوين في أقصى الجنوب التونسي، يتحدر الناشط في المجتمع المدني مراد عرضاوي، وهو غير راض عن الوضع المعيشي لمنطقته التي "تعاني منذ عهد الاستقلال حالة تهميش وإقصاء ككل المناطق الداخلية في البلاد".

يتحدث عرضاوي لرصيف22 عن الحالة الاجتماعية لمحافظته مقارنة بعدد من محافظات الشريط الساحلي، ويقول: "نعاني النقص في كل شيء، في البنية التحتية وفي قطاع الصحة كما أن تطاوين تتصدر الترتيب الوطني من حيث ارتفاع نسبة البطالة برغم وجود أكثر من 120 شركة في صحرائها… إنها لمن المفارقات العجيبة".

يُبيّن عرضاوي أن محافظته تمتاز بالثروات الباطنية كالبترول والغاز لكن لوبيات رجال الأعمال والأحزاب في البلاد تنهبها وتستغلها، معلقاً: "نحن أبناء الجهة ممنوعون من الاستثمار أو حتى المطالبة بحقنا فيها".

ويتهم الناشط في المجتمع المدني الحكومات المتعاقبة على السلطة بعد الثورة بالاستمرار في انتهاج سياسة نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي "القائمة على التهميش المتعمد للمناطق الداخلية"، مشدداً على عدم ثقته بكل السياسيين الذين يستعدون حالياً لخوض انتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية.

ووفق عرضاوي، لا تحضر التنمية العادلة والتشغيل في الخطاب السياسي، بينما "تبقى وعود السياسيين الانتخابية كاذبة وتتكرر كل خمس سنوات مع الوجوه والشخصيات نفسها".

التمييز واقع

في محافظة سيدي بوزيد حيث انطلقت شرارة الثورات العربية، تظهر شكاوى الإقصاء والتهميش نفسها في كلام المقيمين.

ناجح يوسفي من هؤلاء، وهو ناشط بارز يسعى إلى تنمية قريته الريفية النائية، بئر عمامة، وينتقد ما يعتبره تفرقة جلية بين مناطق البلاد في التنمية في جميع القطاعات.

يقول يوسفي لرصيف22 إن سيدي بوزيد ككل المناطق الداخلية ورثت التهميش والإقصاء منذ الاستقلال، لافتاً إلى أن "التفرقة والتمييز بين الجهات واقع برغم رفضنا الاعتراف بهذه الحقيقة".


لا يزال يوسفي متردداً بشأن ممارسة حقه في الانتخاب من عدمه لأن "ثقته منعدمة بالسياسيين والأحزاب الذين ينتهجون ممارسات الإقصاء والوعود الزائفة ذاتها منذ سنوات"، مذكّراً بوعود الحكومات المتعاقبة منذ عام 2010 بمنح أبناء سيدي بوزيد مستشفى جامعياً من دون الإيفاء بذلك إلى اليوم.

ومن سلسلة الوعود التي لم تُنفذ، كان رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد قد أعلن خلال مجلس وزاري عام 2015 عن جملة من القرارات لصالح سيدي بوزيد بقيت حبراً على ورق، من بينها إنجاز منطقة صناعية في لسودة وإقامة سوق إنتاج كبرى في المحافظة باعتبارها منطقة فلاحية بالأساس.

ومن بين الإجراءات والوعود التي لم تتحقق أيضاً، وضع برنامج لتوزيع مياه الشفة في مختلف جهات المحافظة، وخاصة الوسط الريفي الذي يشهد بين الحين والآخر تحركات احتجاجية للمطالبة بالحق في مياه الشرب.

ومن جهته، كان رئيس الحكومة المرشح حالياً للانتخابات الرئاسية يوسف الشاهد قد أعلن جملة من القرارات لم تنفذ بعد، أبرزها إسناد 1000 هكتار من الأراضي لفائدة حوالي 100 منتفع من العاطلين عن العمل وتخصيص اعتمادات إضافية لتحسين مساكن حوالي 300 عائلة في سيدي بوزيد.

مطالب الأمازيغ مغيّبة

لا يقتصر الموضوع على الخلافات والفروق التنموية الجهوية فحسب بل يتعداه أيضاً إلى تغييب فئات من المجتمع التونسي عن المشهد السياسي.

في هذا السياق، يقول فنان الراب الأمازيغي أحمد محروق، وهو من قرية زراوة الأمازيغية في محافظة قابس الجنوبية، إن "السياسيين من مرشحين للانتخابات الرئاسية ونواب البرلمان لا يمثلونه كمواطن تونسي أمازيغي".

مع اقتراب موعد الانتخابات في تونس، تجدّد النقاش حول الفروق الاجتماعية والتنموية بين مناطق البلاد و"الوعود الزائفة" بالتنمية... فكيف تحضر قضايا الأطراف والأقليات في خطابات المرشحين التونسيين؟
"استمرت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في انتهاج سياسة نظام الرئيس المخلوع القائمة على الإقصاء"... أبناء مناطق مهمشة وأقليات تونسية يتحدثون لرصيف22 عن الانتخابات ووعودها

ويُرجع محروق في حديثه لرصيف22 انعدام الثقة بهذه الأطراف إلى اعتبارها حتى اليوم الأمازيغ أقلية، وهو ما يرفضه رفضاً قطعياً. ويقول: "نحن السكان الأصليون وهم لا يعترفون بحقوقنا وحرياتنا وهويتنا وثقافتنا اعترافاً تاماً وصريحاً".

يشدد الشاب على أن السياسيين والأحزاب منذ الثورة لم يهتموا بمطالب الأمازيغ، لافتاً إلى أن وعد المرشح محسن مرزوق الأخير بالاهتمام بالثقافة الأمازيغية يندرج في إطار حملته الانتخابية والمتاجرة بقضية الأمازيغ لا غير، وفق تعبيره.

مجرد استعراض

يرى محروق في الزيارات الميدانية التي يقوم بها السياسيون للأحياء الشعبية الفقيرة والقرى والمناطق المهمشة "مجرد استعراض لجمع مزيد من الأصوات في حين أنهم لا يطبقون برامجهم ووعودهم على أرض الواقع".

ويكشف محروق عن أنه سيقاطع الانتخابات الرئاسية والتشريعية "لأن النظام لا يمثله من حيث الفكر والثقافة والهوية".

بدوره، يرفض عضو مكتب الإعلام للبهائيين في تونس رضا بن حسين، في تصريحه لرصيف22، اعتبار البهائيين أقلية، ويقول إن السياسيين في تونس يعتمدون في خطابهم على دستور 2014 كمرجعية غير أن هذه المرجعية تتطلب مزيداً من العمل والتطبيق في باب الحقوق والحريات.

"العدل قوام العمران"

يحلم بن حسين أن تكون الحريات الفردية والجماعية مكفولة في تونس على أرض الواقع وأن لا تكون مجرد شعارات يرددها المتصدرون للمشهد السياسي في البلاد.

"نحن لا نسعى إلى المطلبية الفئوية بل نجتهد ونعمل على المواطنة المسؤولة والفعالة التي تسعى إلى خدمة الصالح العام"، وفق ما يقول بن حسين آملاً أن ينتقل السياسيون من القول إلى الفعل وأن يتمتع كل تونسي بمواطنة كاملة في بلاده.

ويختم حديثه بأن "البهائي يرى أن العدل هو قوام العمران، وأن أي خطاب إقصائي لكل فئة من التونسيين، هو خطاب إقصائي لنا جميعاً، فالاعتراف بالمواطنة يضمن قبول التنوع والوحدة في الاختلاف".

من جهتها، انتقدت رئيسة مرصد الدفاع عن الحق في الاختلاف سلوى غريسة ما وصفته بالحضور الضئيل للأقليات ومطالبهم ومشاغلهم في الخطاب السياسي، وبالحديث المفقود عن حرياتهم الفردية في هذا الخطاب بصورة عامة.

وقد تأسس المرصد سنة 2018 ويهدف للنهوض بوضع حقوق الإنسان الخاصة بالأقليات والفئات المعرضة للتمييز وتدعيم حقوقها والعمل على تحسين الإطار التشريعي الضامن لحقوق هذه الأقليات.

وتُرجع غريسة في حديثها لرصيف 22 الإقصاء المستمر للأقليات بعد مرور ثماني سنوات على الثورة التونسية إلى العقلية العامة في البلاد، لافتةً إلى أن السياسيين بصورة عامة لم يعترفوا صراحة بوجود الأقليات كالأمازيغ والبهائيين المحرومين من أي نشاط بصورة علنية.

مسؤولية رجال الأعمال والأحزاب

في هذا السياق، يرى عضو "التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية" عبد الحليم حمدي أن الفروق الجهوية البيّنة بين مناطق البلاد وحتى بين مراكز المدن الكبرى وأطرافها تعود أساساً إلى انتهاج حكومات الثورة المنوال التنموي نفسه لنظام بن علي ومن قبله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

والتنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية هي منظمة غير رسمية أنشأتها عام 2016 مجموعة من ناشطي الحركات الاجتماعية، ومن أهدافها الدفاع عن الحركات المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ويضيف حمدي أن مطالب الشباب بصورة عامة بمن فيهم شباب المناطق المهمشة غائبة تماماً في الخطاب السياسي خلال الانتخابات الحالية أو حتى في الانتخابات السابقة.

ويتهم الناشط لوبيات الاقتصاد والاستثمار ورجال الأعمال التي تدعم وتموّل الأحزاب بتعميق هذه الفروق من خلال فرض أموالها على السياسيين خدمة لمصالحها الشخصية. ويقول: "نواب البرلمان هم في الحقيقة رجال أعمال ومن رأس المال الطفيلي وهم تجار لشركات استيراد وتصدير لم يقدموا شيئاً لمناطقهم ولجهاتهم التي منحتهم ثقتها".

شعور بالاستحقار والغبن

من جهته، يرى المحلل السياسي سليم الحكيمي أن المناطق المهمشة هي نتيجة تفاوت جهوي فادح تسببت به الأنظمة السابقة بسبب غلبة الساحل على الداخل سلطوياً.

ويُبيّن الحكيمي أن جميع السياسيين واعون لهذه المشكلة منذ انطلاق الحملة الانتخابية، مستشهداً بحادثة طرد المرشح للانتخابات الرئاسية يوسف الشاهد من محافظة القصرين، وهي من أكثر مناطق الداخل تهميشاً.

"بعد مرور 8 سنوات على الثورة لا تزال تونس تعاني فروقاً اجتماعية وتنموية بين مختلف الجهات، فالشمال يرزح تحت حيف لا يقابله سوى الحيف الذي يرزح تحته الجنوب، وبينهما مناطق ساحلية استولت على كل الخطط"

ويوضح الحكيمي لرصيف22 أن اختلال التوازن في تمويل الجهات هو الذي أدى إلى الشعور بـ"الحقرة" (الاستحقار) والغبن، إذ صارت البلاد كأنها تسير في مسألة المواطنة بسرعتين، سرعة للحضر والساحل والعواصم وسرعة للداخل المسحوق والمنسي. 

يحصل ذلك، وفق الحكيمي، في مقابل مدن معلومة ومعولمة أيضاً تضع الفقراء على الهامش وتطردهم من قلبها إلى حزام المدن.

في الإطار ذاته، يؤكد الناشط والمحلل السياسي فتحي الزغل لرصيف22 أن تونس لا تزال تعاني فروقاً اجتماعية وتنموية بين مختلف الجهات، "فالشمال يرزح تحت حيف لا يقابله سوى الحيف الذي يرزح تحته الجنوب، وبينهما مناطق ساحلية استولت على كل الخطط والموازنات وأفكار التنمية طوال المئة عام الماضية".

كما يرى الزغل أن سياسات التنمية التي قامت بها جهات سياسية كأحزاب أو شخصيات بعينها أو منظمات كمنظمة اتحاد الشغل لم ترتق إلى التأقلم مع ضرورات المرحلة، فساهمت في خلق هذه الفروق الجهوية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard